2026 يوليو/جويلية 29 - تم تعديله في [التاريخ]

في ظل تراجع القطيع بـ50 في المائة.. اللحوم الحمراء تفقد مكانتها على الموائد المغربية


*العلم إلكترونية: سلمى يفلح - صحافية متدربة*
 
داخل أحد محلات الجزارة، لم تعد واجهة العرض تستقطب الأنظار كما في السابق. فقبل أن تتجه الأعين إلى قطع اللحم المصطفة بعناية داخل الواجهة الزجاجية، تستقر أولا على لائحة الأسعار المعلقة في الأعلى، وكأنها المحدد الأول لقرار الشراء. يقف الزبائن لدقائق يتأملون الأرقام، يتبادلون نظرات مترددة، ثم يعاودون النظر إلى المعروضات قبل أن يحسموا أمرهم. بعضهم يغادر دون أن يشتري شيئا، فيما يكتفي آخرون بكميات محدودة بعدما كانت مشترياتهم تكفي لأيام. أما الجزار، فيقف خلف ميزانه مترقبا زبائنه، بعدما أصبحت فترات الانتظار أطول، وتراجعت الحركة التي كانت تميز محله في مثل هذه الأيام.

ولم يعد شراء اللحم الأحمر بالنسبة لعدد من الأسر المغربية عادة أسبوعية كما السابق، بل تحول إلى قرار تحكمه الإمكانيات المادية أكثر من الرغبة. فالكميات التي كانت تقاس بالكيلوغرام أصبحت في كثير من الأحيان لا تتجاوز نصف كيلوغرام أو ربعه، بينما فضلت أسر أخرى تأجيل اقتنائه إلى المناسبات أو الاكتفاء به في بعض الوجبات دون غيرها، في محاولة للتكيف مع موجة الغلاء التي فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية.

فالأحاديث التي تدور بين الزبائن لم تعد تتمحور حول جودة اللحم أو أفضل القطع، بل أصبحت تنصب على الارتفاع المتواصل للأسعار، ومدى القدرة على مواكبة هذه الزيادات.

فأسعار لحم البقر حاليا تتراوح بين 115 و120 درهما للكيلوغرام، فيما يتراوح سعر لحم الغنم بين 160 و180 درهما، وهي مستويات أثقلت كاهل المستهلكين وأثرت بشكل مباشر على قدرتهم الشرائية، كما انعكست على الحركة التجارية داخل محلات الجزارة، حيث يؤكد عدد من المهنيين أن الإقبال لم يعد كما كان، بعدما أصبحت قرارات الشراء أكثر حذرا، وأصبح الزبون يحسب ما يستطيع اقتناءه قبل أن يطلبه.

ولم يقتصر أثر هذا الغلاء على السوق فحسب، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت المغربية. فالمائدة التي اعتادت أن تحتضن أطباقا تعتمد على اللحم الأحمر، أصبحت تعرف تغيرا ملحوظا، بعدما اضطرت كثير من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية والبحث عن بدائل أقل كلفة. ولم تعد خيارات الطعام تمليها الرغبة أو العادات المتوارثة، بقدر ما أصبحت تحددها الإمكانيات المادية لكل أسرة.

وزاد هذا التحول وضوحا مع النقاش الواسع الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي عقب وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي، وما أعقبه من انتشار لأفكاره الداعية إلى مراجعة النظام الغذائي والتقليل من استهلاك الدجاج والبيض. وبين من اقتنع بهذه الطروحات وحاول تبنيها، ومن اكتفى بمتابعتها، وجد كثير من المغاربة أنفسهم أمام مفارقة لافتة؛ فاللحوم الحمراء، التي اعتبرها البعض بديلا غذائيا أساسيا،لم تعد هي الأخرى في متناول شريحة واسعة من الأسر بسبب أسعارها المرتفعة. وهكذا، لم تعد المائدة المغربية تعكس فقط تغيرا في العادات الغذائية، بل أصبحت مرآة لضغوط اقتصادية تفرض على الأسر إعادة النظر في اختياراتها اليومية، والموازنة باستمرار بين ما ترغب في اقتنائه وما تسمح به ميزانيتها.

وفي هذا السياق فسر محمد عماري، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للفلاحين بالمغرب في تصريح لجريدة العلم ، أن أسباب قلة العرض في السوق الوطنية تعود إلى التقهقر المتدرج للقطيع الوطني، وإلى استراتيجية وزارة الفلاحة التي لم تنجح، في تنمية القطيع الوطني. وأوضح أن نظام دعم استيراد الأبقار الحلوب لم يحقق النتائج المرجوة، بعدما لم يتوصل عدد من الفلاحين بالإعانات المخصصة لهم، وهو ما دفع العديد من الكسابة إلى بيع أبقارهم، التي تشكل أساس إنتاج الحليب واللحوم الحمراء.

وأضاف أن القطاع تأثر أيضا بتوالي سنوات الجفاف، وتداعيات جائحة كورونا، ثم مقاطعة عدد من المغاربة للحليب، الأمر الذي عمق خسائر الكسابة وأجبر الكثير منهم على تقليص قطعانهم أو بيعها، مشيرا إلى أن الدعم الذي قدمته الحكومة استفادت منه شركات الأعلاف أكثر مما استفاد منه مربو الماشية.

وأشار عماري إلى أن الإعانة الأخيرة الموجهة للكسابة، والتي بلغت 6000 درهم، تظل غير كافية بالنظر إلى أن ثمن البقرة الحلوب يقارب 40 ألف درهم، داعيا إلى رفع قيمة الدعم، وتسهيل استفادة الكسابة من قروض القرض الفلاحي، بعدما أصبحت شروط الاستفادة منها، أكثر صرامة منذ جائحة كورونا، وهو ما ساهم في انخفاض القطيع الوطني بنسبة تقارب 50 في المائة.

وأكد المتحدث ذاته أن اللجوء إلى استيراد الأبقار والأغنام واللحوم لا يمكن أن يشكل حلا دائما، حتى وإن ساهم في تغطية جزء من حاجيات السوق، مبرزا أن استعادة توازن القطاع تقتضي وضع سياسة واضحة لإعادة بناء القطيع الوطني، وتشجيع استيراد الأبقار الحلوب، وتوفير مياه السقي، وتأطير الفلاحين، وتعزيز المواكبة البيطرية، إلى جانب تمكين التعاونيات من الدعم والتمويل اللازمين، باعتبارها ركيزة أساسية في تنمية الإنتاج الوطني.

وبين جزار يترقب العودة الى محله بعد تحسن الأوضاع، ومستهلك يراجع حساباته قبل الإقدام على الشراء، تستمر أسعار اللحوم الحمراء في فرض واقع جديد على السوق المغربية. واقع لم يغير فقط عادات الاستهلاك، بل أعاد رسم مكانة اللحم الأحمر داخل المائدة المغربية، بعدما أصبح اقتناؤه بالنسبة إلى كثير من الأسر قرارا تحكمه القدرة الشرائية أكثر مما تحكمه الحاجة. وفي انتظار إجراءات قادرة على إعادة التوازن إلى القطاع واستعادة القطيع الوطني، يظل السؤال الذي يتردد داخل الأسواق هو نفسه: متى تستعيد اللحوم الحمراء مكانها الطبيعي على موائد المغاربة؟



في نفس الركن