العلم الإلكترونية - هشام الدرايدي
بين أواخر يناير وبداية فبراير 2026، وجدت ثلاث دول على ضفتي المتوسط نفسها في مواجهة الاختبار المناخي ذاته، أمطار غزيرة، وسيول جارفة، وارتفاع مقلق في منسوب الأنهار والسدود، فإسبانيا والبرتغال ورغم تقدمها العلمي والتكنولوجيا كدولتين أوروبيتين، حسب ما يشاع على ألسنة عموم المغاربة، فقد دفعتا ثمنا بشريا وماليا باهظا، في حين خرج المغرب لحدود الساعة من الأزمة بأقل الخسائر، مسجلا مفارقة جلية تؤكد أن طريقة التدبير قد تكون أهم من حجم العاصفة نفسها.
في شبه الجزيرة الإيبيرية، تسببت العواصف والفيضانات في وفاة أكثر من ثلاثة عشر شخصا، وتشريد الآلاف، وخسائر مالية تجاوزت أربعة مليارات يورو في البرتغال وحدها، وفق المعطيات الرسمية الأولية التي قدمتها وسائل الإعلام. حيث باغتت المياه مدنا وقرى، وجرفت سيارات ومنازل، وأربكت شبكات النقل والكهرباء، لتتحول العاصفة إلى مأساة إنسانية واقتصادية في ظرف زمني قياسي.
في الجهة المقابلة، واجه شمال المغرب الظروف المناخية نفسها تقريبا، مع تساقطات مطرية استثنائية وأكثر غزارة، وامتلاء سدود كبرى مثل سد واد المخازن وسد الوحدة إإلى مستويات قياسية فاقت حمولتها القصوى بكثير. ورغم ذلك، لم تسجل أي وفيات مرتبطة مباشرة بفيضانات يناير وفبراير 2026، ما عدا أسرة من 4 أشخاص في قرية بفعل انهيار سقف البيت لهشاشته، وهو رقم يحمل دلالة قوية في حد ذاته، بأن الفارق لم يكن في قوة الأمطار، بل في طريقة التعامل معها.
وهنا تحضر الرؤى المتبصرة للمملكة في تدبير الأزمات بتوجيهات ملكية، حيث قامت السلطات المغربية باختيار منذ البداية منطق الاستباق بدل انتظار الأسوأ، تم الشروع في تفريغ متحكم فيه للمياه من السدود لتخفيف الضغط، وإطلاق عمليات إجلاء وقائية واسعة شملت ما بين 140 ألفاً و154 ألف شخص في أقاليم العرائش والقصر الكبير وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وقد غادر هؤلاء منازلهم قبل أن تصل موجات الفيضان، في قرار لم يكن سهلا اجتماعيا ولا لوجستيا، لكنه كان حكيما وحاسما في إنقاذ الأرواح.
التنسيق بين وزارة الداخلية والجيش والوقاية المدنية والسلطات المحلية والقوات المساعدة مكّن من توفير مراكز إيواء وتجهيزات أساسية للمجلين ساهم فيه أيضا تضافر وتضامن المواطنين بالعرائش وطنجة الذين فتحوا أبواب منازلهم أمام الأسر المتضررة، مع تواصل مستمر وتحذيرات واضحة للسكان، فلم تترك الأمور للمصادفة كما اعتقد البعض، ولم يكن هناك تقصير لأي فاعل من الفاعلين بالمؤسسات الحكومية وعلى رأسهم وزارة التجهيز والماء كما روج له في وسائل التواصل الاجتماعي، بل أديرت الأزمة بعقلية إدارة المخاطر وحس اليقظة القصوى، بعيدا عن عقلية ردّ الفعل بعد وقوع الكارثة.