☰
2026 أكتوبر 3 - تم تعديله في [التاريخ]

فيليبي السادس يدخل سبتة ومليلية… لكن أرشيف إسبانيا نفسه يفتح سؤال السيادة

زيارة ملكية تستدعي ملفات لم يطوها الزمن، حمراوي يعود إلى ما دار خلف أبواب الحكم والاستخبارات، ليسأل: هل تكفي رمزية الزيارة لإغلاق قضية ظل الحوار حولها مؤجلًا؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من حديث خوان كارلوس سنة 1979 عن إمكانية تسليم مليلية، إلى توجيهه مدير الاستخبارات سنة 1984 للاستعداد للتفاوض، ومبادرة الحسن الثاني سنة 1987، ثم أزمة الزيارة الملكية سنة 2007… التاريخ يقول إن الملف لم يكن يومًا مغلقًا كما تحاول مدريد تقديمه.

يتجه الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة يوم 13 أكتوبر وإلى مليلية يوم 14 أكتوبر 2026، في أول زيارة لهما إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، سيكون من السهل اختزال الحدث في الغضب والاحتجاج واعتباره مجرد استفزاز جديد للمغرب، لكنني أعتقد أن القضية أكبر من رد فعل عابر، وأعمق من صور ملك إسباني وأعلام إسبانية تُرفع فوق مدينتين يعتبرهما المغرب جزءًا من ترابه، لأن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع إسبانيا أن تطالب المغرب بشراكة استراتيجية شاملة، ثم تطلب منه أن يضع ملف سبتة ومليلية في ثلاجة التاريخ إلى الأبد؟

من المنظور المغربي، سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين على الساحل المتوسطي، بل قضية سيادة وذاكرة وتراب ظل المغرب يطالب بهما منذ عقود، وفي ضرب للقوانين الدولية والأعراف، تتمسك إسبانيا، في المقابل، باعتبارهما جزءًا من أراضيها الوطنية، وترفض التفاوض بشأن سيادتهما، بل إنها رفعت الملف إلى الاتحاد الأوروبي، وانتزعت، دون وجه حق، اعترافًا أوروبيًا بسيادة وهمية لا يمكن أن يعترف بها التاريخ ولا أن تقر بها الجغرافيا.

وهذا الخلاف في توصيف الوضع القانوني والسياسي يجب ألا يمنعنا من قراءة ما تكشفه الوثائق الإسبانية والدبلوماسية نفسها، فحتى أعلى مستويات الدولة الإسبانية ناقشت، في مراحل مختلفة، سيناريوهات لتغيير وضع المدينتين.

وهنا تحديدًا تصبح زيارة فيليبي السادس أكثر إثارة للأسئلة.

◊ 1979… عندما ناقش خوان كارلوس إمكانية تسليم مليلية

لنبدأ بما لم يقله المغرب، بل بما نُسب إلى ملك إسبانيا السابق نفسه.

في 30 أبريل 1979، استقبل خوان كارلوس، في قصر الزارزويلا، السيناتور الأميركي إيد موسكي، المبعوث الشخصي للرئيس جيمي كارتر، بحضور السفير الأميركي في مدريد تيرينس تودمان.

اللقاء بقي سريًا سنوات طويلة، قبل أن تكشف برقية دبلوماسية أميركية رُفعت عنها السرية سنة 2014 مضمون جزء بالغ الحساسية منه.

وفق البرقية التي قالت وكالة «أوروبا برس» إنها اطلعت على أصلها، اعتبر خوان كارلوس أن القضية الكبرى بين إسبانيا والمغرب هي سبتة ومليلية، ورأى أن مليلية يمكن أن تُسلَّم إلى المغرب خلال فترة قصيرة نسبيًا، بينما كان يعتبر وضع سبتة أكثر تعقيدًا بسبب عدد الإسبان المقيمين بها، وطرح إمكانية إخضاعها لترتيب دولي شبيه بما عرفته طنجة سابقًا.

قفوا قليلًا أمام هذه الواقعة.

ملك إسبانيا نفسه كان يناقش إمكانية انتقال مليلية إلى المغرب، ويبحث صيغة أخرى لسبتة، فهل يمكن بعد ذلك تقديم الملف وكأن مجرد مناقشة السيادة نوع من الخيال المغربي؟

هذه الواقعة وحدها تمثل اعترافًا ضمنيًا سياسيًا بالغ الدلالة بأن وضع المدينتين لم يكن، داخل أعلى دوائر الدولة الإسبانية، حقيقة جامدة يستحيل التفكير في تغييرها.

صحيح أن حديث ملك داخل اجتماع مغلق لا يمثل اعترافًا قانونيًا رسميًا من الدولة الإسبانية بسيادة المغرب، لكن مناقشة كيفية نقل مدينة إلى المغرب والبحث عن وضع دولي للأخرى تعني، سياسيًا على الأقل، أن الملف كان يُنظر إليه باعتباره قابلًا للبحث والتفاوض والحلول المختلفة.

◊ 1984… «استعدوا للتفاوض حول مليلية»

وقد يكون من السهل على المدافعين عن الرواية الإسبانية اعتبار حديث 1979 مجرد تفكير شخصي عابر، لكن ماذا نفعل بما ظهر بعد ذلك؟

في 2 نونبر 1984، التقى خوان كارلوس الجنرال إميليو ألونسو مانغلانو، مدير جهاز الاستخبارات الإسبانية آنذاك «سيسيد» CESID، الذي أصبح لاحقًا المركز الوطني للاستخبارات CNI.

وتكشف الملاحظات التي دوّنها مانغلانو عن اللقاء، ونُشرت استنادًا إلى أرشيفه الشخصي، أن الحديث تناول المغرب وسبتة ومليلية.

ونقلت الملاحظات عن خوان كارلوس أن عليهم البدء في الاشتغال على ملف المدينتين، وأن مليلية «ليست سهلة الدفاع»، وأنه ينبغي الاستعداد للتفاوض بشأنها مع المغرب، بينما يمكن تعزيز وضع سبتة.

نحن هنا لم نعد أمام نقاش نظري مع مبعوث أميركي.

نحن أمام ملك إسبانيا ومدير جهاز مخابراتها، وأمام فكرة محددة: الاستعداد للتفاوض.

وهذا، في تقديري، يقوّي أكثر فكرة الاعتراف الضمني.

فالذي يأمر رجاله بالتفكير في التفاوض لا يتصرف مع الملف باعتباره غير موجود.

والذي يقول إن مدينة «ليست سهلة الدفاع» لا يتعامل معها كقضية مغلقة لا تحتاج إلى حسابات سياسية واستراتيجية.

قد تتمسك إسبانيا اليوم بسيادتها وترفض كل نقاش حولها، وهذا موقفها الرسمي، لكن الأرشيف الذي أنتجته مؤسساتها ورجالها يقول لنا إن داخل الدولة الإسبانية نفسها كان هناك من يفكر بطريقة أخرى، وفي أعلى مستوى.

◊ الحسن الثاني… لم يقترح حربًا بل طاولة تفاوض

وفي الجهة المقابلة، ماذا فعل المغرب؟

سنة 1987، لم يرسل الحسن الثاني جيشًا ولم يدعُ إلى مواجهة مع إسبانيا.

لقد أرسل اقتراحًا سياسيًا، اقترح على السلطات الإسبانية، عبر رسالة إلى الملك خوان كارلوس حملها وزير الداخلية الإسباني خوسيه باريونويفو، إنشاء خلية تفكير أو لجنة مشتركة من الخبراء المغاربة والإسبان لدراسة مستقبل سبتة ومليلية والبحث عن تسوية للملف.

وفي خطاب لاحق، أوضح الحسن الثاني فلسفة الاقتراح بصورة أشد دلالة، وهي البحث عن حل يحفظ ما وصفه بـ«الحقوق غير القابلة للتقادم» للمغرب، وفي الوقت نفسه يراعي المصالح الحيوية لإسبانيا في المنطقة.

إنها صيغة تحتاج اليوم إلى إعادة القراءة، فالملك المغربي لم يقل للإسبان: ارحلوا غدًا.

بل قال لهم عمليًا: تعالوا نفكر معًا في المستقبل.

تعالوا نجد حلًا يحفظ للمغرب ما يعتبره حقوقه السيادية، ويحفظ في الوقت نفسه مصالح إسبانيا.

لكن مدريد رفضت إنشاء تلك الآلية التفاوضية، وتمسكت بموقفها القائل إن السيادة على المدينتين غير قابلة للنقاش.

◊ الحسن الثاني لخوان كارلوس: «الجيل المقبل سيحل القضية»

ثم تأتي شهادة ربما تكون الأكثر رمزية اليوم، لأن أصحابها آباء الملوك الموجودين اليوم على العرشين.

في مذكراته «Reconciliación»، تحدث خوان كارلوس عن علاقته الخاصة بالحسن الثاني، وأقر بأن قضية السيادة على سبتة ومليلية كانت موضع خلاف بين البلدين، وكشف أن الملك المغربي كان يقول له إن الجيل المقبل سيكون عليه حل هذه القضية.

ومن هو الجيل المقبل؟

إنه جيل محمد السادس وفيليبي السادس.

لقد وصل الجيل الذي تحدث عنه الحسن الثاني.

لكن عوض أن يجلس هذا الجيل إلى الطاولة لمناقشة ما تركه الآباء معلقًا، نشاهد ملك إسبانيا يستعد للذهاب إلى المدينتين في زيارة تحمل بالضرورة رمزية سيادية كبيرة.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يريد فيليبي السادس أن يرث عن والده زيارة المدينتين فقط، أم يرث أيضًا إدراكه بأن ملفهما يحتاج يومًا ما إلى حل؟

◊ سنة 2007… زار الأب فتحرك المغرب

وللتاريخ ذاكرة أقرب، ففي 5 و6 نونبر 2007، قام خوان كارلوس والملكة صوفيا بزيارة سبتة ومليلية.

وقبل وصولهما، استدعى المغرب سفيره في مدريد عمر عزيمان للتشاور، وعبّر رسميًا عن رفض الزيارة، ووصفت الرباط المدينتين آنذاك بأنهما مدينتان مغربيتان محتلتان، فيما أدان الملك محمد السادس الزيارة واعتبرها خطوة تمس المشاعر الوطنية المغربية.

واللافت أن معلومات نُشرت لاحقًا أفادت بأن خوان كارلوس نفسه كان قد طلب بإلحاح من رئيس الحكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو أن تتحقق الزيارة قبل نهاية عهده، وأن الحكومة الإسبانية كانت تدرك تمامًا حساسية القرار تجاه المغرب، ولذلك سبقتها اتصالات دبلوماسية ومحاولات لتدبير تداعياتها.

أي أن مدريد كانت تعرف أن الأمر ليس رحلة ملكية عادية، وكانت تعرف أن هناك نزاعًا، وكانت تعرف أن للمغرب موقفًا سياديًا ثابتًا.

◊ زيارة فيليبي… لماذا استعراض السيادة بدل شجاعة التفاوض؟

بعد تسعة عشر عامًا تقريبًا، يعيد الابن المشهد.

لكن العلاقات بين المغرب وإسبانيا اليوم أكثر تشابكًا بكثير.

هناك تجارة واستثمارات وهجرة وأمن ومحاربة الإرهاب وطاقة وتعاون أوروبي ومتوسطي، وهناك أيضًا تحول إسباني معروف منذ 2022 في الموقف من قضية الصحراء المغربية، ما فتح مرحلة جديدة من التقارب بين البلدين.

فهل يُعقل أن يصبح البلدان شريكين في كل شيء تقريبًا، ثم يتصرفان أمام أحد أكبر خلافاتهما السيادية وكأنه غير موجود؟

ومن هنا، فإن انتقادي لزيارة فيليبي السادس لا ينبع من الرغبة في صناعة أزمة مع إسبانيا، وإنما من رفض منطق استعراض الأمر الواقع باعتباره بديلًا عن السياسة.

إسبانيا قوية بما يكفي لكي تجلس إلى طاولة تفاوض، والمغرب أثبت تاريخيًا أنه طرح الحوار وليس المواجهة.

والعلاقات بين البلدين عميقة بما يكفي لابتكار حلول تحفظ المصالح، ولا تحول ملفًا تاريخيًا إلى قنبلة مؤجلة للأجيال المقبلة.

◊ نعم… أراه اعترافًا ضمنيًا وليس اعترافًا قانونيًا

سيقول البعض إن حديث خوان كارلوس سنة 1979 أو توجيهاته لمانغلانو سنة 1984 لا تمثل موقفًا قانونيًا للدولة الإسبانية.

وهذا صحيح من الناحية الشكلية، فإسبانيا لم تصدر وثيقة تعترف فيها بسيادة المغرب على سبتة ومليلية، وما تزال تعتبرهما جزءًا لا يتجزأ من ترابها الوطني، كما أنهما ليستا اليوم مدرجتين لدى الأمم المتحدة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

لكن ذلك لا يلغي الدلالة السياسية لما جرى، فكيف يمكن لملك أن يناقش تسليم مليلية إذا لم يكن يرى أصلًا أن مستقبلها يمكن أن يصبح موضوعًا للتفاوض؟

وكيف يطلب من مدير استخباراته الاستعداد للتفاوض عليها إن كان يعتبر أن الملف لا وجود له؟

وكيف يصبح تصور وضع دولي لسبتة مطروحًا داخل قصر الحكم إذا كانت كل الاحتمالات، باستثناء السيادة الإسبانية، مستحيلة حتى على مستوى التفكير؟

لهذا أعتبر تلك الوقائع اعترافًا ضمنيًا سياسيًا بأن ملف سبتة ومليلية كان، داخل الدولة الإسبانية نفسها، ملفًا حقيقيًا وقابلًا للبحث، مهما كان الموقف القانوني الرسمي الذي انتهجته مدريد لاحقًا.

◊ لا تطلبوا من المغرب أن ينسى الجغرافيا

المغرب ليس مطالبًا بصناعة أزمة كل صباح مع إسبانيا.

ولا أعتقد أن مصلحته توجد في القطيعة أو التوتر الدائم.

لكن حسن الجوار لا يعني النسيان.

والشراكة لا تعني دفن الخلاف.

والتعاون الاقتصادي والأمني لا ينبغي أن يتحول إلى ثمن سياسي مقابل السكوت الأبدي عن قضية يعتبرها المغرب جزءًا من وحدته الترابية.

ومن المنظور المغربي الذي أدافع عنه، سبتة ومليلية مغربيتان، واستمرار السيطرة الإسبانية عليهما لا يحول الأمر الواقع إلى نهاية للتاريخ.

لكن الطريق إلى تغيير هذا الواقع ينبغي أن يظل سياسيًا ودبلوماسيًا وسلميًا.

وهنا تحديدًا تكمن قوة موقف الحسن الثاني عندما اقترح التفكير المشترك بدل الصدام.

◊ فيليبي السادس… اقرأ أرشيف أبيك قبل أن تدخل المدينتين

لذلك، قبل أن يصل فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، من المفيد أن تُفتح ملفات الماضي.

هناك برقية أميركية من سنة 1979.

وهناك مذكرات رئيس جهاز الاستخبارات الإسباني سنة 1984.

وهناك اقتراح الحسن الثاني سنة 1987.

وهناك كلمات الملك المغربي للملك الإسباني عن «الجيل المقبل».

وهناك أزمة 2007.

كل ذلك يقول شيئًا واحدًا:

الملف موجود، قد تؤجله الحكومات، وقد تغطيه المصالح.

وقد تحاول الزيارات الملكية تثبيت صورة مغايرة.

لكن لا زيارة ملكية تستطيع إلغاء الجغرافيا، ولا علم يُرفع ليومين يستطيع محو نزاع بقي حاضرًا لعقود، ولا شراكة استراتيجية تستطيع أن تنجح إلى الأبد إذا اشترط أحد طرفيها على الآخر أن ينسى إحدى قضاياه السيادية.

لقد قال الحسن الثاني إن الجيل المقبل سيجد نفسه أمام هذه القضية، وها هو الجيل المقبل قد وصل.

محمد السادس على عرش المغرب.

وفيليبي السادس على عرش إسبانيا.

فبدل أن يورثا الملف بدورهما إلى أبنائهما، ألا يستحق البلدان أن يفتحا، بشجاعة وهدوء، مسارًا سياسيًا للحوار والتفاوض حول مستقبل سبتة ومليلية، يحفظ حقوق المغرب كما يراها، ويراعي مصالح إسبانيا وسكان المدينتين، ويضع نهاية سلمية لنزاع ظلت الجغرافيا أقوى من كل محاولات تجميده؟

فالسياسة الشجاعة ليست أن تستعرض الدولة قوتها فوق أرض متنازع على توصيف سيادتها.

السياسة الشجاعة هي أن تمتلك القدرة على الجلوس أمام أصعب ملفاتها.

وفي سبتة ومليلية، لم يعد السؤال فقط ماذا ستفعل إسبانيا يوم 13 و14 أكتوبر، بل ماذا ستفعل إسبانيا بعد أن تنتهي الزيارة، وتبقى الجغرافيا في مكانها، ويبقى السؤال المغربي مفتوحًا كما تركه الحسن الثاني وخوان كارلوس للأجيال التي تحكم اليوم؟

سبتة ومليلية بين ذاكرة الأرشيف وسؤال التفاوض



في نفس الركن