الإعلامي محمد اليطفتي
*بقلم: محمد اليطفتي*
لم يكن المجلس الوزاري الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، مجرد محطة دستورية للتداول في مشروع قانون المالية لسنة 2027، بل شكّل مناسبة لتحديد ملامح الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة، في سياق دولي مضطرب تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، وتشتد المنافسة على الموارد والتكنولوجيا والتمويل. وفي مواجهة هذه التحولات، يبرز الرهان على تحصين الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على الصمود، بالتوازي مع الاستجابة لانتظارات المواطنين وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الأولويات الخمس التي يقوم عليها المشروع دلالتها من ترابطها، لا من تعدد مجالات تدخلها؛ فاستعادة القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وتقوية النسيج الإنتاجي، ليست أوراشًا منفصلة، بل حلقات في معادلة تنموية واحدة، قوامها جعل النمو الاقتصادي رافعة لتحسين شروط العيش وتوسيع فرص الاندماج الاجتماعي. وهي معادلة تلتقي مع جوهر فلسفة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية التي شكّلت إحدى المرجعيات الفكرية لحزب الاستقلال، بما تؤكده من تلازم بين إنتاج الثروة والإنصاف في توزيع ثمارها.
وتتجلى أهمية هذا الاختيار، أولًا، في مركزية البعد الاجتماعي داخل التوجهات المالية المقبلة. فالإجراءات المرتبطة بدعم القدرة الشرائية، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر، وتأهيل الصحة والتعليم، لا تستمد قيمتها من اتساع نطاقها فحسب، بل من قدرتها على إحداث أثر ملموس ومستدام في حياة الأسر. لذلك، يظل نجاحها مرتبطًا بمعالجة الاختلالات البنيوية للأسواق، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وضمان استدامة الحماية الاجتماعية، بما يجعل الدولة الاجتماعية ممارسة يومية وحقوقًا محسوسة، لا مجرد التزامات مالية.
ومن هذه الأرضية الاجتماعية تحديدًا، يبرز رهان الشباب باعتباره أحد الاختبارات الحاسمة لنجاعة السياسات العمومية. فالتوجه نحو إرساء برنامج وطني مندمج للفترة 2027–2031 يعكس الحاجة إلى تجاوز تشتت المبادرات القطاعية، وربط التعليم والتكوين بفرص الشغل والسكن والتمويل. والمطلوب هنا ليس فقط تنسيق البرامج، وإنما بناء مسار متكامل يتيح للشباب الانتقال من التكوين إلى الاستقلال الاقتصادي، ويحوّل مؤهلاتهم إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. فكلما اتسعت فرص الإدماج، تعززت قاعدة التنمية الاجتماعية والإنتاجية معًا.
غير أن هذا الإدماج يظل محدود الأثر ما لم يقترن بإنصاف ترابي يضمن توزيع فرص التنمية على نحو أكثر توازنًا. ومن هنا تبرز أهمية تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، باعتباره توجهًا يستهدف نقل التنمية إلى صلب الحاجيات المحلية، وتعزيز قدرة المجالات الترابية على خلق فرصها. لكن الرهان لا يقف عند حجم الاعتمادات المرصودة؛ إذ يتطلب نجاعة في التنفيذ، ووضوحًا في الاختصاصات، وتنسيقًا فعالًا بين الدولة والجهات، وربطًا للمسؤولية بالنتائج، حتى تتحول الجهوية المتقدمة إلى رافعة فعلية لتقليص الفوارق وتحفيز الاستثمار المنتج.
وعلى هذا الأساس، تتصل العدالة المجالية مباشرة برهان السيادة الاقتصادية. فتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي والرقمي لم يعد مجرد اختيار قطاعي، بل أصبح شرطًا لاستقلال القرار الوطني وقدرة البلاد على مواجهة التقلبات الخارجية. ومن ثم، فإن تسريع الطاقات المتجددة، ومواصلة تطوير الهيدروجين الأخضر، وتعزيز البنيات التحتية، وتقوية القدرات الرقمية الوطنية، تكتسب أهميتها بقدر ما تسهم في تقليص التبعية، ورفع تنافسية الاقتصاد، وتوفير شروط إنتاج الثروة وفرص الشغل.
ولتحويل هذه الرهانات إلى واقع، يضع المشروع الاستثمار الخاص وتقوية المقاولات الصغيرة جدًّا والصغرى والمتوسطة ضمن روافع بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على تمويل طموحه الاجتماعي. فالمقاولة ليست مجرد وحدة اقتصادية، بل فضاء لخلق فرص الشغل وتثمين الكفاءات وتوسيع القاعدة الإنتاجية. لذلك، فإن تطوير آليات الدعم، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتوفير بيئة ملائمة للمبادرة، ينبغي أن تتكامل مع المحافظة على التوازنات المالية والاقتصادية، بما يضمن استدامة الاستثمار العمومي والاجتماعي دون إضعاف مقومات النمو.
وهكذا، فإن الخيط الناظم لمشروع قانون المالية لسنة 2027 هو الانتقال من تدبير الأولويات، كلٍّ على حدة، إلى بناء تكامل بينها: اقتصاد منتج يموّل الدولة الاجتماعية، وشباب مندمج يعزز الدينامية الاقتصادية، وجهات قادرة على استثمار مؤهلاتها، وسيادة استراتيجية تحصّن القرار الوطني. غير أن قيمة هذه الاختيارات ستظل رهينة بمدى ترجمتها إلى نتائج قابلة للقياس، وبقدرتها على إحداث تحول ملموس في حياة المواطنين.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة: ألّا تبقى المؤشرات الاقتصادية غاية في ذاتها، بل أن تتحول إلى فرص للشغل، وخدمات عمومية أجود، وفوارق أقل، وثقة أكبر في المؤسسات. فنجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بقدرتها على ضبط التوازنات، وإنما أيضًا بمدى إسهامها في جعل التنمية أكثر إنصافًا واستدامة، والإنسان في صلب أولوياتها.
لم يكن المجلس الوزاري الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، مجرد محطة دستورية للتداول في مشروع قانون المالية لسنة 2027، بل شكّل مناسبة لتحديد ملامح الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة، في سياق دولي مضطرب تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، وتشتد المنافسة على الموارد والتكنولوجيا والتمويل. وفي مواجهة هذه التحولات، يبرز الرهان على تحصين الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على الصمود، بالتوازي مع الاستجابة لانتظارات المواطنين وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الأولويات الخمس التي يقوم عليها المشروع دلالتها من ترابطها، لا من تعدد مجالات تدخلها؛ فاستعادة القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وتقوية النسيج الإنتاجي، ليست أوراشًا منفصلة، بل حلقات في معادلة تنموية واحدة، قوامها جعل النمو الاقتصادي رافعة لتحسين شروط العيش وتوسيع فرص الاندماج الاجتماعي. وهي معادلة تلتقي مع جوهر فلسفة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية التي شكّلت إحدى المرجعيات الفكرية لحزب الاستقلال، بما تؤكده من تلازم بين إنتاج الثروة والإنصاف في توزيع ثمارها.
وتتجلى أهمية هذا الاختيار، أولًا، في مركزية البعد الاجتماعي داخل التوجهات المالية المقبلة. فالإجراءات المرتبطة بدعم القدرة الشرائية، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر، وتأهيل الصحة والتعليم، لا تستمد قيمتها من اتساع نطاقها فحسب، بل من قدرتها على إحداث أثر ملموس ومستدام في حياة الأسر. لذلك، يظل نجاحها مرتبطًا بمعالجة الاختلالات البنيوية للأسواق، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وضمان استدامة الحماية الاجتماعية، بما يجعل الدولة الاجتماعية ممارسة يومية وحقوقًا محسوسة، لا مجرد التزامات مالية.
ومن هذه الأرضية الاجتماعية تحديدًا، يبرز رهان الشباب باعتباره أحد الاختبارات الحاسمة لنجاعة السياسات العمومية. فالتوجه نحو إرساء برنامج وطني مندمج للفترة 2027–2031 يعكس الحاجة إلى تجاوز تشتت المبادرات القطاعية، وربط التعليم والتكوين بفرص الشغل والسكن والتمويل. والمطلوب هنا ليس فقط تنسيق البرامج، وإنما بناء مسار متكامل يتيح للشباب الانتقال من التكوين إلى الاستقلال الاقتصادي، ويحوّل مؤهلاتهم إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. فكلما اتسعت فرص الإدماج، تعززت قاعدة التنمية الاجتماعية والإنتاجية معًا.
غير أن هذا الإدماج يظل محدود الأثر ما لم يقترن بإنصاف ترابي يضمن توزيع فرص التنمية على نحو أكثر توازنًا. ومن هنا تبرز أهمية تخصيص 25 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، باعتباره توجهًا يستهدف نقل التنمية إلى صلب الحاجيات المحلية، وتعزيز قدرة المجالات الترابية على خلق فرصها. لكن الرهان لا يقف عند حجم الاعتمادات المرصودة؛ إذ يتطلب نجاعة في التنفيذ، ووضوحًا في الاختصاصات، وتنسيقًا فعالًا بين الدولة والجهات، وربطًا للمسؤولية بالنتائج، حتى تتحول الجهوية المتقدمة إلى رافعة فعلية لتقليص الفوارق وتحفيز الاستثمار المنتج.
وعلى هذا الأساس، تتصل العدالة المجالية مباشرة برهان السيادة الاقتصادية. فتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي والرقمي لم يعد مجرد اختيار قطاعي، بل أصبح شرطًا لاستقلال القرار الوطني وقدرة البلاد على مواجهة التقلبات الخارجية. ومن ثم، فإن تسريع الطاقات المتجددة، ومواصلة تطوير الهيدروجين الأخضر، وتعزيز البنيات التحتية، وتقوية القدرات الرقمية الوطنية، تكتسب أهميتها بقدر ما تسهم في تقليص التبعية، ورفع تنافسية الاقتصاد، وتوفير شروط إنتاج الثروة وفرص الشغل.
ولتحويل هذه الرهانات إلى واقع، يضع المشروع الاستثمار الخاص وتقوية المقاولات الصغيرة جدًّا والصغرى والمتوسطة ضمن روافع بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على تمويل طموحه الاجتماعي. فالمقاولة ليست مجرد وحدة اقتصادية، بل فضاء لخلق فرص الشغل وتثمين الكفاءات وتوسيع القاعدة الإنتاجية. لذلك، فإن تطوير آليات الدعم، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتوفير بيئة ملائمة للمبادرة، ينبغي أن تتكامل مع المحافظة على التوازنات المالية والاقتصادية، بما يضمن استدامة الاستثمار العمومي والاجتماعي دون إضعاف مقومات النمو.
وهكذا، فإن الخيط الناظم لمشروع قانون المالية لسنة 2027 هو الانتقال من تدبير الأولويات، كلٍّ على حدة، إلى بناء تكامل بينها: اقتصاد منتج يموّل الدولة الاجتماعية، وشباب مندمج يعزز الدينامية الاقتصادية، وجهات قادرة على استثمار مؤهلاتها، وسيادة استراتيجية تحصّن القرار الوطني. غير أن قيمة هذه الاختيارات ستظل رهينة بمدى ترجمتها إلى نتائج قابلة للقياس، وبقدرتها على إحداث تحول ملموس في حياة المواطنين.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة: ألّا تبقى المؤشرات الاقتصادية غاية في ذاتها، بل أن تتحول إلى فرص للشغل، وخدمات عمومية أجود، وفوارق أقل، وثقة أكبر في المؤسسات. فنجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بقدرتها على ضبط التوازنات، وإنما أيضًا بمدى إسهامها في جعل التنمية أكثر إنصافًا واستدامة، والإنسان في صلب أولوياتها.
اقتصاد منتج وعدالة اجتماعية في صلب رهانات مالية 2027