الإعلامي والباحث عبد الفتاح الصادقي
*بقلم: عبد الفتاح الصادقي*
يُعد كتاب «وضع حد لاقتصاد التضحية» (En finir avec l’économie du sacrifice)، لهنري غينو (Henri Guaino)، الصادر سنة 2016 عن دار «Odile Jacob»، عملًا فكريًا يقع عند تقاطع الاقتصاد والسياسة والفلسفة الاجتماعية، حيث يسعى مؤلفه إلى مساءلة الطريقة التي تفكر بها المجتمعات المعاصرة، ولا سيما فرنسا وأوروبا، في سياساتها الاقتصادية وكيفية تدبيرها. ولا يقدّم المؤلف نفسه باعتباره اقتصاديًا أكاديميًا بالمعنى التقليدي، وإنما باعتباره رجل سياسة يحاول مساءلة العلاقة الغريبة القائمة بين الاقتصاد والقرار السياسي. ويهدف بذلك إلى إعادة البُعد السياسي إلى نقاش يرى أنه خاضع، بشكل مفرط، للمنطق الآلي والأرقام والنماذج الاقتصادية. وتنطلق الفكرة الأساسية لهنري غينو من نقد ما يسميه «اقتصاد التضحية»، أي المنطق الذي يجعل المجتمع مطالبًا بصورة دائمة بتقديم تضحيات اجتماعية واقتصادية بحجة التنافسية، وخفض العجز، وضبط التكاليف، والمرونة، والتكيف مع العولمة. ويقدم المؤلف رؤية مسؤول سياسي حريص على فهم العالم من أجل التأثير فيه وتغييره، بدلًا من الاكتفاء بالخضوع لواقعه؛ إذ يرى أن السطحية التي تتسم بها النقاشات الاقتصادية المعاصرة تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف الديمقراطية.
يرى غينو أن هذا المنطق يحوّل اختيارات سياسية قابلة للنقاش إلى ما يشبه القوانين الاقتصادية الحتمية. فخفض الإنفاق، وتقييد الأجور، وتقليص الحماية الاجتماعية، والقبول بتفشي البطالة، كثيرًا ما تُقدَّم بوصفها ضرورات لا بديل عنها. غير أن هذه السياسة قد تنتج، في نظره، نتائج عكسية، لأنها تضعف الطلب والاستثمار والثقة، وتعمق الإحساس بالتراجع الاجتماعي. ومن هنا لا ينظر المؤلف إلى الاقتصاد باعتباره مجالًا تقنيًا منفصلًا، بل باعتباره عنصرًا مؤثرًا في التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي والديمقراطي.
ومن أبرز نقاط قوة الكتاب وضع الظواهر الاقتصادية في سياقها التاريخي والفكري. فالكاتب يرفض اعتبار النظريات الاقتصادية حقائق ثابتة أو محايدة، ويستعرض تطور المدارس الاقتصادية، من المركنتيلية والاقتصاد الكلاسيكي إلى النيوكلاسيكية والمدرسة النمساوية والكينزية. ويؤكد أن طريقة فهمنا للاقتصاد تتأثر بالنماذج الفكرية التي نستخدمها لتفسير الواقع. ولذلك، فإن السياسة الاقتصادية لا يمكن أن تكون تقنية محضة، لأن اختيار المؤشرات والنماذج والتفسيرات ينطوي دائمًا على افتراضات وقيم وأولويات سياسية.
ويتجلى هذا النقد كذلك في موقفه من الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فالناتج الداخلي الخام، والدين، والعجز، والإنتاجية، والقدرة الشرائية، والتجارة الخارجية ليست حقائق مستقلة عن طريقة إنتاجها وتأويلها. وبالتالي، فإن الانتقال من المؤشر الاقتصادي إلى القرار السياسي ليس عملية آلية؛ إذ إن الأرقام تحتاج دائمًا إلى تفسير، والنماذج لا تمثل الواقع بصورة كاملة، وإنما تقدم قراءة محددة له.
أما في مسألة الدولة والسوق، فيرفض الكاتب التصور الذي يضعهما في علاقة تعارض مطلق. فالسوق نفسها تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وبنية تحتية وتمويل وآليات للتنسيق والضبط. لذلك يؤكد المؤلف أن إنتاج الثروة لا يعتمد فقط على المنافسة، بل أيضًا على التعاون والتنظيم والاستثمار الاستراتيجي. ومن هذا المنطلق يدافع عما يسميه «الإرادية الاقتصادية» ودور الدولة في توجيه الاستثمار، ودعم الابتكار، وحماية القدرات الإنتاجية، ووضع سياسة صناعية طويلة المدى، حيث إن الإرادة الواعية للحكومات وأصحاب القرار قادرة على توجيه مسار الاقتصاد وتغيير الواقع والتغلب على الأزمات، متجاوزةً بذلك ما يسمى القوانين التلقائية للسوق أو الحتميات الاقتصادية.
ويقترح المؤلف اعتماد ما يشبه «كولبيرية القرن الحادي والعشرين» أو «الكولبيرية الجديدة»، وهو مفهوم مستوحى من فكر جان باتيست كولبير، وزير مالية فرنسا في عهد لويس الرابع عشر خلال القرن السابع عشر، ويعبر عن العودة المعاصرة لسياسات تدخل الدولة المباشر في الاقتصاد، وتوجيه التنمية الصناعية والتكنولوجية لحماية السيادة الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويؤكد غينو أن المقصود ليس العودة الحرفية إلى النموذج التاريخي، بل إعادة الاعتبار لدولة قادرة على التدخلات الاستراتيجية والتنسيق. ويرتبط هذا التصور بنقده لـ«الاتحاد الأوروبي والعولمة»، حيث يرى أن التطور الأوروبي أضعف جزءًا من قدرة الدول على استخدام أدواتها الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الصناعة والطلب العام والحماية التجارية والاستراتيجية الاقتصادية طويلة المدى. كما يرفض اعتبار العولمة مسارًا حتميًا ينبغي الخضوع له، ويقدمها باعتبارها «عملية تاريخية مفتوحة» يمكن للسياسة والمجتمعات التأثير في اتجاهاتها. لذلك يدافع عن أوروبا أكثر قدرة على حماية قاعدتها الإنتاجية وتحفيز الاستثمار وإعادة التصنيع.
ومن الجوانب المهمة في الكتاب أيضًا تصوره «الديناميكي للزمن الاقتصادي». فهو ينتقد النظريات التي تنظر إلى الاقتصاد باعتباره سلسلة من حالات التوازن القابلة للتنبؤ. فالمستقبل، في رأيه، يتسم بعدم اليقين، وتتغير فيه التقنيات والسلوكيات والمؤسسات، كما يمكن للأزمات أن تتسبب في نتائج غير متوقعة. لذلك لا ينبغي إسقاط الماضي آليًا على المستقبل، لأن القرارات الحالية نفسها تساهم في تشكيل المسارات المقبلة. وهذا ما يفسر تحفظه على التقديرات الاقتصادية الدقيقة للسياسات العامة عندما تقوم على فرضيات مستقبلية غير يقينية.
ولا يقتصر بديل الكاتب على رفض التقشف، بل يقترح اقتصادًا يركز على الاستثمار والابتكار ورأس المال البشري والطلب المحلي والقدرة الشرائية. فالمشكلة ليست في الإنفاق من حيث المبدأ، وإنما في نوعيته وغاياته. ويعتبر الاستثمار المنتج أكثر أهمية من التخفيض العشوائي للنفقات، كما يدعو إلى توظيف أفضل للائتمان والاستثمار العمومي، وتطوير الكفاءات على المدى الطويل. ويرتبط بذلك نقده لفكرة «قتل التكاليف» (Cost Killing)، أي التخفيض الجذري للتكاليف، لأن رفع الإنتاجية لا يعني خفض التكلفة فقط، بل يشمل الجودة والابتكار والسلامة والموثوقية والاستجابة للاحتياجات.
وتكمن الأصالة الحقيقية للكتاب في هذا التساؤل: هل ينبغي للاقتصاد أن يملي شروطه على السياسة، أم يتعين على السياسة استعادة قدرتها على التأثير في الاقتصاد؟ بالنسبة للكاتب، إن الإجابة لا تقبل الشك؛ فالأمر لا يتعلق بإلغاء السوق ولا بالعودة إلى نظام توجيهي شامل، بل بإعادة التوازن بين السوق والدولة والمؤسسة والمجتمع. وهكذا، لا يُقاس النجاح الاقتصادي بمؤشرات النمو أو التوازنات المحاسبية فحسب، بل يجب تقييمه أيضًا من خلال قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه، والاستثمار في مستقبله، ومنح مواطنيه أسبابًا مقنعة للأمل. والحقيقة أن هذا الطموح هو ما يضفي على الكتاب أهميته السياسية والفكرية الرئيسية.
ومع ذلك، تكشف القراءة النقدية لمضمون الكتاب عن بعض حدوده. فهو يحمل طابعًا جدليًا وسياسيًا وانتقائيًا واضحًا، ويستخدم أعمال عدد كبير من الاقتصاديين والمفكرين لتدعيم أطروحته، بما قد يؤدي أحيانًا إلى تبسيط بعض الخلافات بين المدارس الاقتصادية. كما أن المؤلف يمنح سياسات التقشف وزنًا كبيرًا في تفسير الأزمات الأوروبية، بينما تتداخل في الواقع عوامل أخرى، منها التحولات التكنولوجية، والشيخوخة الديموغرافية، وضعف الإنتاجية، والعولمة، وتحولات سلاسل القيمة، والسياسات النقدية والمالية. كما أن بعض مقترحاته، ولا سيما في مجال السياسة الصناعية والتمويل والحماية الاقتصادية، تثير أسئلة تتعلق بمدى قابليتها للتطبيق مؤسساتيًا وماليًا.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، يحتفظ الكتاب بقيمة فكرية مهمة، لأنه يعيد طرح أسئلة أساسية حول من يتخذ القرار الاقتصادي، وبأي قيم، وما حدود الدولة والسوق، وكيف يمكن التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والسيادة والاستثمار طويل الأمد. ومن هنا يمكن القول إن الكتاب أقرب إلى «مقال في الفلسفة السياسية للاقتصاد» منه إلى دراسة اقتصادية تقنية.
وخلاصة الرسالة المركزية للكاتب هي أن الاقتصاد ليس منظومة من القوانين الجامدة التي تفرض على المجتمعات الخضوع لها، بل مجال تتقاطع فيه الاختيارات السياسية والتاريخ والمصالح وعدم اليقين. ولذلك يرفض التضحية بالحاضر باسم مستقبل غير مضمون، ويدعو إلى استعادة دور القرار السياسي في توجيه الاقتصاد، وإلى بناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والسوق والمجتمع، تقوم على الثقة والاستثمار والاستراتيجية، بدلًا من الاستسلام للحتمية الاقتصادية.
يُعد كتاب «وضع حد لاقتصاد التضحية» (En finir avec l’économie du sacrifice)، لهنري غينو (Henri Guaino)، الصادر سنة 2016 عن دار «Odile Jacob»، عملًا فكريًا يقع عند تقاطع الاقتصاد والسياسة والفلسفة الاجتماعية، حيث يسعى مؤلفه إلى مساءلة الطريقة التي تفكر بها المجتمعات المعاصرة، ولا سيما فرنسا وأوروبا، في سياساتها الاقتصادية وكيفية تدبيرها. ولا يقدّم المؤلف نفسه باعتباره اقتصاديًا أكاديميًا بالمعنى التقليدي، وإنما باعتباره رجل سياسة يحاول مساءلة العلاقة الغريبة القائمة بين الاقتصاد والقرار السياسي. ويهدف بذلك إلى إعادة البُعد السياسي إلى نقاش يرى أنه خاضع، بشكل مفرط، للمنطق الآلي والأرقام والنماذج الاقتصادية. وتنطلق الفكرة الأساسية لهنري غينو من نقد ما يسميه «اقتصاد التضحية»، أي المنطق الذي يجعل المجتمع مطالبًا بصورة دائمة بتقديم تضحيات اجتماعية واقتصادية بحجة التنافسية، وخفض العجز، وضبط التكاليف، والمرونة، والتكيف مع العولمة. ويقدم المؤلف رؤية مسؤول سياسي حريص على فهم العالم من أجل التأثير فيه وتغييره، بدلًا من الاكتفاء بالخضوع لواقعه؛ إذ يرى أن السطحية التي تتسم بها النقاشات الاقتصادية المعاصرة تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف الديمقراطية.
يرى غينو أن هذا المنطق يحوّل اختيارات سياسية قابلة للنقاش إلى ما يشبه القوانين الاقتصادية الحتمية. فخفض الإنفاق، وتقييد الأجور، وتقليص الحماية الاجتماعية، والقبول بتفشي البطالة، كثيرًا ما تُقدَّم بوصفها ضرورات لا بديل عنها. غير أن هذه السياسة قد تنتج، في نظره، نتائج عكسية، لأنها تضعف الطلب والاستثمار والثقة، وتعمق الإحساس بالتراجع الاجتماعي. ومن هنا لا ينظر المؤلف إلى الاقتصاد باعتباره مجالًا تقنيًا منفصلًا، بل باعتباره عنصرًا مؤثرًا في التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي والديمقراطي.
ومن أبرز نقاط قوة الكتاب وضع الظواهر الاقتصادية في سياقها التاريخي والفكري. فالكاتب يرفض اعتبار النظريات الاقتصادية حقائق ثابتة أو محايدة، ويستعرض تطور المدارس الاقتصادية، من المركنتيلية والاقتصاد الكلاسيكي إلى النيوكلاسيكية والمدرسة النمساوية والكينزية. ويؤكد أن طريقة فهمنا للاقتصاد تتأثر بالنماذج الفكرية التي نستخدمها لتفسير الواقع. ولذلك، فإن السياسة الاقتصادية لا يمكن أن تكون تقنية محضة، لأن اختيار المؤشرات والنماذج والتفسيرات ينطوي دائمًا على افتراضات وقيم وأولويات سياسية.
ويتجلى هذا النقد كذلك في موقفه من الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فالناتج الداخلي الخام، والدين، والعجز، والإنتاجية، والقدرة الشرائية، والتجارة الخارجية ليست حقائق مستقلة عن طريقة إنتاجها وتأويلها. وبالتالي، فإن الانتقال من المؤشر الاقتصادي إلى القرار السياسي ليس عملية آلية؛ إذ إن الأرقام تحتاج دائمًا إلى تفسير، والنماذج لا تمثل الواقع بصورة كاملة، وإنما تقدم قراءة محددة له.
أما في مسألة الدولة والسوق، فيرفض الكاتب التصور الذي يضعهما في علاقة تعارض مطلق. فالسوق نفسها تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وبنية تحتية وتمويل وآليات للتنسيق والضبط. لذلك يؤكد المؤلف أن إنتاج الثروة لا يعتمد فقط على المنافسة، بل أيضًا على التعاون والتنظيم والاستثمار الاستراتيجي. ومن هذا المنطلق يدافع عما يسميه «الإرادية الاقتصادية» ودور الدولة في توجيه الاستثمار، ودعم الابتكار، وحماية القدرات الإنتاجية، ووضع سياسة صناعية طويلة المدى، حيث إن الإرادة الواعية للحكومات وأصحاب القرار قادرة على توجيه مسار الاقتصاد وتغيير الواقع والتغلب على الأزمات، متجاوزةً بذلك ما يسمى القوانين التلقائية للسوق أو الحتميات الاقتصادية.
ويقترح المؤلف اعتماد ما يشبه «كولبيرية القرن الحادي والعشرين» أو «الكولبيرية الجديدة»، وهو مفهوم مستوحى من فكر جان باتيست كولبير، وزير مالية فرنسا في عهد لويس الرابع عشر خلال القرن السابع عشر، ويعبر عن العودة المعاصرة لسياسات تدخل الدولة المباشر في الاقتصاد، وتوجيه التنمية الصناعية والتكنولوجية لحماية السيادة الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويؤكد غينو أن المقصود ليس العودة الحرفية إلى النموذج التاريخي، بل إعادة الاعتبار لدولة قادرة على التدخلات الاستراتيجية والتنسيق. ويرتبط هذا التصور بنقده لـ«الاتحاد الأوروبي والعولمة»، حيث يرى أن التطور الأوروبي أضعف جزءًا من قدرة الدول على استخدام أدواتها الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الصناعة والطلب العام والحماية التجارية والاستراتيجية الاقتصادية طويلة المدى. كما يرفض اعتبار العولمة مسارًا حتميًا ينبغي الخضوع له، ويقدمها باعتبارها «عملية تاريخية مفتوحة» يمكن للسياسة والمجتمعات التأثير في اتجاهاتها. لذلك يدافع عن أوروبا أكثر قدرة على حماية قاعدتها الإنتاجية وتحفيز الاستثمار وإعادة التصنيع.
ومن الجوانب المهمة في الكتاب أيضًا تصوره «الديناميكي للزمن الاقتصادي». فهو ينتقد النظريات التي تنظر إلى الاقتصاد باعتباره سلسلة من حالات التوازن القابلة للتنبؤ. فالمستقبل، في رأيه، يتسم بعدم اليقين، وتتغير فيه التقنيات والسلوكيات والمؤسسات، كما يمكن للأزمات أن تتسبب في نتائج غير متوقعة. لذلك لا ينبغي إسقاط الماضي آليًا على المستقبل، لأن القرارات الحالية نفسها تساهم في تشكيل المسارات المقبلة. وهذا ما يفسر تحفظه على التقديرات الاقتصادية الدقيقة للسياسات العامة عندما تقوم على فرضيات مستقبلية غير يقينية.
ولا يقتصر بديل الكاتب على رفض التقشف، بل يقترح اقتصادًا يركز على الاستثمار والابتكار ورأس المال البشري والطلب المحلي والقدرة الشرائية. فالمشكلة ليست في الإنفاق من حيث المبدأ، وإنما في نوعيته وغاياته. ويعتبر الاستثمار المنتج أكثر أهمية من التخفيض العشوائي للنفقات، كما يدعو إلى توظيف أفضل للائتمان والاستثمار العمومي، وتطوير الكفاءات على المدى الطويل. ويرتبط بذلك نقده لفكرة «قتل التكاليف» (Cost Killing)، أي التخفيض الجذري للتكاليف، لأن رفع الإنتاجية لا يعني خفض التكلفة فقط، بل يشمل الجودة والابتكار والسلامة والموثوقية والاستجابة للاحتياجات.
وتكمن الأصالة الحقيقية للكتاب في هذا التساؤل: هل ينبغي للاقتصاد أن يملي شروطه على السياسة، أم يتعين على السياسة استعادة قدرتها على التأثير في الاقتصاد؟ بالنسبة للكاتب، إن الإجابة لا تقبل الشك؛ فالأمر لا يتعلق بإلغاء السوق ولا بالعودة إلى نظام توجيهي شامل، بل بإعادة التوازن بين السوق والدولة والمؤسسة والمجتمع. وهكذا، لا يُقاس النجاح الاقتصادي بمؤشرات النمو أو التوازنات المحاسبية فحسب، بل يجب تقييمه أيضًا من خلال قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه، والاستثمار في مستقبله، ومنح مواطنيه أسبابًا مقنعة للأمل. والحقيقة أن هذا الطموح هو ما يضفي على الكتاب أهميته السياسية والفكرية الرئيسية.
ومع ذلك، تكشف القراءة النقدية لمضمون الكتاب عن بعض حدوده. فهو يحمل طابعًا جدليًا وسياسيًا وانتقائيًا واضحًا، ويستخدم أعمال عدد كبير من الاقتصاديين والمفكرين لتدعيم أطروحته، بما قد يؤدي أحيانًا إلى تبسيط بعض الخلافات بين المدارس الاقتصادية. كما أن المؤلف يمنح سياسات التقشف وزنًا كبيرًا في تفسير الأزمات الأوروبية، بينما تتداخل في الواقع عوامل أخرى، منها التحولات التكنولوجية، والشيخوخة الديموغرافية، وضعف الإنتاجية، والعولمة، وتحولات سلاسل القيمة، والسياسات النقدية والمالية. كما أن بعض مقترحاته، ولا سيما في مجال السياسة الصناعية والتمويل والحماية الاقتصادية، تثير أسئلة تتعلق بمدى قابليتها للتطبيق مؤسساتيًا وماليًا.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات، يحتفظ الكتاب بقيمة فكرية مهمة، لأنه يعيد طرح أسئلة أساسية حول من يتخذ القرار الاقتصادي، وبأي قيم، وما حدود الدولة والسوق، وكيف يمكن التوفيق بين الكفاءة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والسيادة والاستثمار طويل الأمد. ومن هنا يمكن القول إن الكتاب أقرب إلى «مقال في الفلسفة السياسية للاقتصاد» منه إلى دراسة اقتصادية تقنية.
وخلاصة الرسالة المركزية للكاتب هي أن الاقتصاد ليس منظومة من القوانين الجامدة التي تفرض على المجتمعات الخضوع لها، بل مجال تتقاطع فيه الاختيارات السياسية والتاريخ والمصالح وعدم اليقين. ولذلك يرفض التضحية بالحاضر باسم مستقبل غير مضمون، ويدعو إلى استعادة دور القرار السياسي في توجيه الاقتصاد، وإلى بناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والسوق والمجتمع، تقوم على الثقة والاستثمار والاستراتيجية، بدلًا من الاستسلام للحتمية الاقتصادية.
*عبد الفتاح الصادقي: إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية*
اقتصاد التضحية وسؤال الكلفة الاجتماعية للنمو