*بقلم: بوشعيب حمراوي*
دخلت قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير في مدينة بولونيا الإيطالية منعطفًا جديدًا، بعدما تأكد، اليوم الثلاثاء 11 غشت 2026، أن الشرطيين اللذين شاركا في عملية تثبيته يوم 19 يوليوز الماضي عادا إلى مزاولة عملهما، ولكن ليس ضمن الدوريات الميدانية التي كانا يعملان بها، وإنما في مهام مكتبية داخل مفوضية Bolognina-Pontevecchio، في وقت لا يزال فيه التحقيق القضائي مفتوحًا ولم يصدر بعد التقرير النهائي للطب الشرعي الذي يفترض أن يحسم في السبب الدقيق للوفاة ومدى ارتباطه بطريقة التثبيت أو بعملية الإنعاش أو بعوامل صحية وسمية أخرى.
وتكتسي هذه العودة أهمية خاصة لأنها تأتي قبل انتهاء الخبرات الطبية والتقنية، إلا أنها، من الناحية القانونية، لا تعني تبرئة الشرطيين ولا إغلاق الملف؛ فالنيابة العامة في بولونيا فتحت تحقيقًا في شبهة القتل غير العمد وفق الآلية القانونية الجديدة المعروفة بـ«45 bis»، ويشمل الملف الشرطيين وأربعة من عناصر الصليب الأحمر الذين حضروا عملية التدخل والإسعاف، مع التأكيد في التغطيات القضائية الإيطالية على أن تسجيلهم في هذه المرحلة تم في إطار «التأشيرات الأولية» وليس باعتبارهم متهمين بصورة نهائية.
19 يوليوز… تدخل أمني انتهى بالموت
بدأت القضية يوم 19 يوليوز الماضي في شارع إيتالو سفيفو بحي بيلسترو في بولونيا، بعدما تلقت الشرطة اتصالات من مواطنين تفيد بوجود رجل في حالة اضطراب شديد، يركض في المنطقة ويصرخ طالبًا النجدة ويقول إن هناك من يريد قتله، وهو ما دفع دورية للشرطة إلى الانتقال إلى المكان. وبعد تدخل العناصر الأمنية جرى تثبيت عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر 42 سنة، على الأرض وتقييده، قبل أن تتدهور حالته ويفقد الوعي ويفارق الحياة رغم محاولات الإنعاش.
وسرعان ما تحولت الواقعة من حادث محلي إلى قضية رأي عام، خصوصًا بعد انتشار مقاطع فيديو تُظهر فقير وهو مثبت على الأرض ويطلب المساعدة، ما أثار أسئلة حول طريقة التثبيت ومدة بقائه في تلك الوضعية ومدى انتباه الموجودين إلى تدهور حالته الصحية. لكن النيابة الإيطالية شددت منذ البداية على ضرورة إعادة بناء المشهد كاملًا وعدم الاكتفاء بالمقاطع القصيرة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
التشريح… دم في الرئتين وآثار ضغط ولكن لا نتيجة نهائية بعد
وفي 24 يوليوز أُجري تشريح لجثمان عبد الرحيم فقير في مستشفى سانت أورسولا ببولونيا، بعد فحص بالأشعة المقطعية للعظام. وكشفت المعطيات الأولية التي نقلتها وكالة ANSA عن وجود دم حديث داخل الرئتين وآثار ضغط، وهي نتائج فتحت الباب أمام عدة فرضيات دون أن تحسم سبب الوفاة.
ويبحث الخبراء تحديدًا فيما إذا كانت آثار الضغط مرتبطة بالقوة المستعملة أثناء تثبيت فقير وهو على قيد الحياة، أم أنها نتجت بعد توقف القلب خلال محاولات الإنعاش، كما يجري التحقق مما إذا كان الدم الموجود في الرئتين مرتبطًا بالضغط أو بعوامل أخرى محتملة. ولهذا طلبت النيابة إجراء فحوص نسيجية وسمية، وفحص التاريخ الصحي للفقيد، وتقييم الإصابات المحتملة، وطريقة استخدام القوة ورذاذ الفلفل، ومدى سلامة إجراءات الإنعاش، ومنحت الخبراء أجلًا يصل إلى 90 يومًا لاستكمال المهمة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الحديث عن «الاختناق بالضغط» ظل إلى حدود اليوم فرضية قيد التحقيق وليس سببًا طبيًا نهائيًا مثبتًا للوفاة، ولذلك تبقى نتائج التقرير النهائي للطب الشرعي واحدة من أهم حلقات الملف المنتظرة.
40 دقيقة من الـBodycam قد تحمل مفتاح الحقيقة
وإلى جانب الخبرة الطبية، تتجه الأنظار بقوة إلى الأدلة المصورة، إذ تمتلك النيابة تسجيلًا تبلغ مدته نحو 40 دقيقة من كاميرا مثبتة على جسم قائد الدورية، إضافة إلى ما لا يقل عن 15 مقطع فيديو التقطها شهود وكاميرا ثابتة في الحي.
وتكتسي هذه المادة أهمية استثنائية لأنها لا تحتوي على الصورة فقط، وإنما على الصوت والتفاعلات التي جرت بين فقير والشرطيين والمسعفين والشخص المدني الذي ساعد في تثبيته، وتبدأ منذ لحظة وضعه على الأرض وتمتد إلى ما بعد وفاته.
والجديد اليوم الثلاثاء أن مختبر RIS للكارابينييري في روما أنجز نسخة جنائية رقمية من تسجيل الـBodycam تمهيدًا لفحصه تقنيًا، مع العمل خصوصًا على تحسين الصوت وتنقيته من الضجيج المحيط، حتى يصبح بالإمكان تحديد الكلمات والنداءات والتعليمات التي قيلت خلال الدقائق الحاسمة وربطها بالتسلسل الزمني للأحداث.
وهذه النقطة قد تصبح بالغة الأهمية؛ لأن التحقيق لن يبحث فقط في كيفية تثبيت فقير، وإنما أيضًا في متى ظهرت علامات الخطر عليه، وماذا قال، وماذا أجابه الشرطيون والمسعفون، ومتى لوحظ توقفه عن الاستجابة، ومتى بدأت إجراءات الإنقاذ.
احتجاجات تجاوزت الجالية المغربية وتحولت إلى قضية رأي عام إيطالية
وفاة عبد الرحيم فقير لم تبق حبيسة أروقة القضاء، بل أخرجت آلاف الأشخاص إلى الشوارع للمطالبة بالحقيقة والعدالة، وشارك في التحركات مغاربة مقيمون في إيطاليا إلى جانب إيطاليين ومهاجرين ونقابيين وطلبة ونشطاء.
وشهدت بولونيا تجمعًا كبيرًا طالبت خلاله عائلة فقير بـ«العدالة والحقيقة والكرامة» ورفضت خطاب الكراهية، قبل أن تتحول تحركات لمجموعات أخرى لاحقًا إلى مواجهات مع قوات الأمن وأعمال تخريب تبرأت منها عائلة الفقيد. كما شهدت روما تجمعًا شارك فيه طلبة ونقابيون ونشطاء للمطالبة بكشف الحقيقة.
وتحولت القضية كذلك إلى موضوع سجال سياسي في إيطاليا، خصوصًا بعد تصريحات وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي الذي قال إن مشاهد الفيديو، وفق تقييمه، تظهر صحة تصرف قوات الأمن، بينما بقي الحسم القضائي من اختصاص النيابة والخبراء.
المغرب يدخل على الخط… الحقيقة والعدالة مع احترام القضاء الإيطالي
من جهته، تابع المغرب القضية رسميًا منذ أيامها الأولى. فقد دعا سفير المملكة في روما يوسف بلا إلى كشف جميع ملابسات وفاة عبد الرحيم فقير في إطار احترام الحقيقة والعدالة والكرامة الإنسانية، كما دعا أفراد الجالية المغربية في إيطاليا إلى التحلي بالمسؤولية وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، والتعبير عن مطالبهم في إطار احترام النظام العام.
كما أكدت القنصلية العامة للمغرب في بولونيا استمرار متابعة القضية بتنسيق وثيق مع السفارة المغربية في روما، وقامت القنصل العام خديجة ناضور بزيارة أسرة الفقيد، مؤكدة تعبئة المصالح الدبلوماسية والقنصلية المغربية لمواكبة الأسرة وتقديم المساعدة اللازمة لها.
ودخل مجلس الجالية المغربية بالخارج بدوره على خط الملف، معلنًا متابعته لتطوراته ومطالبًا بكشف الحقيقة كاملة، وهو ما عزز الحضور المؤسساتي المغربي إلى جانب التحرك الدبلوماسي والقنصلي.
الثلاثاء 11 غشت… عودة الشرطيين لا تعني نهاية القضية
المستجد الذي أعاد القضية اليوم إلى الواجهة هو عودة الشرطيين إلى الخدمة داخل مفوضية Bolognina-Pontevecchio، ولكن في مهام داخلية مكتبية وليس ضمن دوريات الشارع. وقال محاميهما غابرييلي بوردوني إن إبقاءهما في خدمة داخلية بدل إعادتهما مباشرة إلى الدوريات يمكن اعتباره خيارًا مناسبًا لاستئناف تدريجي لنشاطهما المهني.
لكن هذه العودة الإدارية لا ينبغي الخلط بينها وبين القرار القضائي؛ فالنيابة لم تعلن براءة أحد، والتقرير النهائي للطب الشرعي لم يصدر، وتحليل الـBodycam بدأ مرحلة تقنية جديدة، والتحقيق في شبهة القتل غير العمد لا يزال مفتوحًا.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: لماذا عاد الشرطيان إلى العمل؟ بل: ماذا ستكشف الأربعون دقيقة الكاملة التي سجلتها الـBodycam؟ وماذا ستقول الفحوص النسيجية والسمية؟ وهل كانت طريقة تثبيت عبد الرحيم فقير سببًا أو عاملًا في وفاته؟ وهل تم التعامل مع تدهور حالته الصحية في الوقت والطريقة المناسبين؟
إلى أن تجيب النيابة العامة في بولونيا وخبراء الطب الشرعي عن هذه الأسئلة، ستظل عودة الشرطيين إلى مكاتبهما قرارًا وظيفيًا مؤقتًا لا حكمًا قضائيًا بالبراءة، وستظل قضية عبد الرحيم فقير مفتوحة بين تقرير طبي لم يكتمل، وأربعين دقيقة من الصورة والصوت يجري تفكيكها ثانية بثانية، وأسرة وجالية ورأي عام إيطالي ينتظرون جوابًا واحدًا واضحًا: كيف مات عبد الرحيم فقير، ومن يتحمل المسؤولية إن ثبت وجودها؟