2026 يوليو/جويلية 15 - تم تعديله في [التاريخ]

قضية علي لمرابط.. التضامنُ يسبق القضاء ومنصات التواصل تتحول إلى محاكم موازية في غياب قرينتي البراءة أو الإدانة


*العلم الإلكترونية: بوشعيب حمراوي*

أعادت قضية الصحفي المغربي علي لمرابط، التي استأثرت باهتمام واسع داخل المغرب وخارجه، فتح نقاش عميق يتجاوز شخص المعني بالأمر، ليلامس قضايا أكثر أهمية تتعلق بدولة القانون، وحرية الصحافة، وقرينة البراءة أو الإدانة، واستقلال القضاء، وحدود النقاش العمومي في العصر الرقمي. فهذه القضية، بما عرفته من تطورات متسارعة، كشفت مرة أخرى كيف يمكن لملف قضائي أن يتحول، في غضون ساعات، إلى قضية رأي عام، وكيف تصبح منصات التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة لإصدار الأحكام، وتبادل الاتهامات، وبناء القناعات، قبل أن تستكمل العدالة مسارها الطبيعي.

لقد انطلقت التفاعلات الأولى مباشرة بعد الإعلان عن توقيف علي لمرابط، حيث سارعت فئات مختلفة إلى إعلان مواقف متباينة؛ فمنها من اعتبر الأمر استهدافًا لصحفي معروف بمواقفه، ومنها من رأى في التوقيف تطبيقًا عاديا للقانون. وبين هذين الموقفين، ضاع في كثير من الأحيان صوت التريث، وغابت الدعوة إلى انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات والإجراءات القانونية، لتحل محلها مواقف جاهزة، وأحكام مسبقة، ومرافعات إعلامية ورقمية سبقت ما قد تقوله مؤسسات العدالة.

  صدر بلاغ أول عن النيابة العامة أوضح أن توقيف علي لمرابط جاء تنفيذًا لبرقيات بحث، وأن الأمر يتعلق باشتباه في أفعال يعاقب عليها القانون، مع التأكيد على أن الإجراءات تمت تحت إشراف النيابة العامة، واحترام الضمانات القانونية، وقرينة البراءة. ثم جاءت التطورات اللاحقة لتؤكد مرة أخرى أهمية عدم استباق القضاء. فقد أعلنت النيابة العامة، في بلاغ ثانٍ، أنه بعد تقديم المعني بالأمر أمامها، واستنطاقه وفق الضوابط القانونية، وتمتيعه بكافة الحقوق والضمانات التي يكفلها القانون، بما في ذلك عرضه على فحص طبي، تقرر إطلاق سراحه، وإرجاع المحجوزات التي كانت بحوزته، مع استكمال البحث وإجراء الخبرات التقنية اللازمة، على أن يتم ترتيب الآثار القانونية المناسبة بعد انتهاء هذه الإجراءات. وهو تطور يعكس أن المسطرة القضائية ما تزال مفتوحة، وأن الملف لم يصل بعد إلى نهايته القانونية، بما يجعل أي حكم نهائي، بالإدانة أو بالبراءة، سابقًا لأوانه.

إن هذه التطورات، في حد ذاتها، تقدم درسًا بليغًا في أهمية احترام الزمن القضائي، لأن الإجراءات القانونية بطبيعتها قد تعرف مستجدات متلاحقة، ولا يمكن اختزالها في لحظة التوقيف، كما لا يمكن اختزالها في قرار إطلاق السراح، فكل إجراء له دلالته القانونية الخاصة، ولا يغني أحدها عن الآخر، ولا يحسم وحده في مآل القضية.

فالذي يستحق التأمل ليس فقط مضمون هذا الملف، وإنما الطريقة التي أصبح المجتمع يتفاعل بها مع القضايا التي تشغل الرأي العام. فما إن يعلن عن توقيف شخصية معروفة، حتى تنطلق في الوقت نفسه حملات التأييد وحملات الإدانة، ويتسابق كثيرون إلى بناء مواقفهم انطلاقًا من الانتماءات الفكرية أو السياسية أو من القناعات المسبقة، أكثر مما يستندون إلى الوقائع الرسمية أو إلى ما قد تكشف عنه التحقيقات لاحقًا.

لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، تؤدي دور "المحاكم الموازية"؛ حيث تُوزع صكوك البراءة والإدانة، ويُمارس الضغط على الرأي العام، وربما حتى على المؤسسات، بينما لا تزال الجهات القضائية والأمنية تباشر اختصاصاتها وفق الضمانات والإجراءات التي يحددها القانون.

وفي خضم هذا الزخم، تضيع أحيانًا المبادئ التي يفترض أن تشكل أرضية مشتركة بين الجميع، مهما اختلفت مواقفهم. فحرية الصحافة قيمة دستورية لا غنى عنها في أي مجتمع ديمقراطي، لكنها لا تمنح حصانة مطلقة من المساءلة القانونية إذا ثبت، وفق حكم قضائي، ارتكاب أفعال يجرمها القانون. وفي المقابل، فإن فتح بحث قضائي، أو اتخاذ إجراء قانوني، أو حتى وضع شخص تحت الحراسة النظرية، لا يعني إطلاقًا إدانته، لأن قرينة البراءة ليست منحة من الرأي العام، وإنما ضمانة دستورية وقانونية تظل قائمة إلى أن يصدر حكم نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.

ومن هنا، فإن هذه المقالة لا تهدف إلى الدفاع عن علي لمرابط أو إلى إدانته، كما لا تهدف إلى الانتصار لأي مؤسسة أو مهاجمتها، وإنما تنطلق من هذه القضية باعتبارها نموذجًا يعكس ظاهرة آخذة في الاتساع داخل مجتمعاتنا، وهي ظاهرة استباق القضاء وتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة لإصدار الأحكام، حيث تختلط حرية التعبير بالتسرع، ويختلط التضامن المشروع بإصدار الأحكام، ويختلط النقد الواجب للمؤسسات بالتشكيك فيها دون أدلة، كما تختلط المطالبة بالعدالة بمحاولة الحلول محلها.

إن بناء دولة القانون لا يتحقق فقط بوجود قضاء مستقل وأجهزة أمنية تعمل في إطار القانون، بل يحتاج أيضًا إلى مجتمع يؤمن بأن العدالة لا تُبنى بالانطباعات، ولا بالوسوم الرائجة، ولا بحملات التأييد أو الرفض، وإنما بالأدلة، والإجراءات، واحترام الاختصاصات. كما يحتاج إلى إعلام مهني، ونخب مسؤولة، ورأي عام يدرك أن احترام القضاء لا يمنع من نقده، وأن الدفاع عن الحريات لا يكون بإصدار أحكام خارج أسوار المحاكم، بل بحماية المبادئ التي تكفل للجميع، دون استثناء، حق الدفاع، وحق المحاكمة العادلة، وحق المجتمع في معرفة الحقيقة عندما تستكمل العدالة مسارها.

دولة القانون لا تُبنى بالعواطف... ولا تُهدم بالشعارات

  إن أول ما يميز الدول التي اختارت أن تجعل من القانون مرجعيتها العليا، هو أنها لا تسمح للعواطف بأن تحل محل النصوص، ولا للضجيج الإعلامي بأن يحل محل القضاء، ولا للانطباعات الشخصية بأن تصبح أدلة قانونية. فالدولة الحديثة لا تقيس العدالة بحجم التعاطف مع هذا الشخص أو ذاك، ولا بعدد المنشورات التي تؤيده أو تعارضه، وإنما بما يثبت أمام الجهات المختصة من وقائع وأدلة، وما تكفله القوانين من ضمانات لجميع الأطراف.

ولعل من أخطر ما أفرزته الثورة الرقمية، أن النقاش حول القضايا القضائية أصبح في كثير من الأحيان يبدأ من النتيجة قبل الوقائع، ومن الحكم قبل التحقيق، ومن الاصطفاف قبل المعرفة. وما إن يُعلن عن توقيف شخصية معروفة أو فتح بحث في قضية تشغل الرأي العام، حتى تنقسم الساحة إلى معسكرين متقابلين: فريق يرى في المتابع ضحية قبل أن يطلع على ملف القضية، وفريق آخر يعتبره مدانًا قبل أن تبدأ المحاكمة. وبين هذين الموقفين يغيب الصوت الأكثر اتزانًا، وهو صوت القانون.

إن العدالة لا يمكن أن تقوم على منطق "أنا مع هذا الشخص" أو "أنا ضد تلك المؤسسة". فالحقوق لا تُقاس بالأشخاص، وإنما بالمبادئ. وإذا قبلنا اليوم أن يُدان شخص فقط لأن الرأي العام لا يحبه، فإننا نكون قد هدمنا قرينة البراءة. وإذا قبلنا في المقابل أن يُحصَّن شخص من أي مساءلة فقط لأنه صحفي أو سياسي أو ناشط أو صاحب شعبية، فإننا نكون قد هدمنا مبدأ المساواة أمام القانون.

بين التضامن المشروع واستباق القضاء

  ليس كل تضامن خطأ، وليس كل صمت فضيلة. فمن حق أي مواطن أو صحفي أو حقوقي أن يطالب بأن يحظى أي متابع بمحاكمة عادلة، وأن تُصان كرامته، وأن تُحترم حقوق دفاعه، وأن تُطبق عليه جميع الضمانات التي يكفلها الدستور والقانون. وهذا ليس دفاعًا عن شخص بعينه، بل دفاع عن دولة القانون نفسها.

لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين المطالبة بمحاكمة عادلة، وبين الجزم ببراءة شخص قبل انتهاء التحقيقات، أو اعتبار أي إجراء قانوني دليلًا على وجود استهداف، أو الانتقال مباشرة إلى الطعن في نزاهة القضاء أو الأجهزة الأمنية دون الاستناد إلى معطيات أو أحكام أو وقائع ثابتة.

فالاحتجاج حق، والنقد حق، والتعبير عن الرأي حق، لكن هذه الحقوق تصبح أكثر قوة ومصداقية عندما تُمارس بروح المسؤولية، بعيدًا عن إطلاق الأحكام أو تحويل كل قضية إلى ساحة استقطاب سياسي أو إعلامي.

المؤسسات ليست معصومة... لكنها ليست متهمة سلفًا

  إن الدفاع عن استقلال القضاء لا يعني الادعاء بأن القضاء لا يخطئ، كما أن احترام الأجهزة الأمنية لا يعني اعتبار كل إجراء تقوم به صحيحًا بصورة مطلقة. فكل مؤسسة بشرية قابلة للنقد والمراجعة والتصويب متى توفرت الوقائع والأدلة والآليات القانونية.

لكن في المقابل، فإن تحويل الشك إلى يقين، أو الاتهام إلى حقيقة قبل انتهاء المساطر القانونية، يضر بالمؤسسات وبالثقة العامة في العدالة. فكما أن الفرد يتمتع بقرينة البراءة، فإن المؤسسات كذلك لا ينبغي أن تُدان في وعي المجتمع لمجرد تداول روايات متناقضة أو حملات رقمية أو مواقف مسبقة.

إن المجتمعات الديمقراطية لا تُقاس بغياب الخلاف، وإنما بكيفية إدارة الخلاف. وأحد أهم مظاهر النضج الديمقراطي أن يُترك للقضاء المجال ليؤدي وظيفته، وأن يبقى النقاش العمومي ملتزمًا بالمسؤولية، لا بالتسرع، وبالحجة، لا بالاصطفاف.

ولعل أهم ما يمكن أن نتعلمه من القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام هو أن نرتقي بالنقاش من مستوى الاصطفاف إلى مستوى المبدأ، ومن منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن ردود الفعل الآنية إلى ثقافة قانونية تؤمن بأن العدالة لا تستقيم إلا إذا احترم الجميع أدوارهم وحدودهم.

حرية الصحافة... حق دستوري ومسؤولية قانونية وأخلاقية

  لا يختلف اثنان على أن حرية الصحافة ليست مجرد امتياز تمنحه الدولة للصحفيين، بل هي حق دستوري، وركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي يضمن الحق في الوصول إلى المعلومة، ويكرس الشفافية، ويجعل من الإعلام سلطة رقابية تواكب أداء المؤسسات وتسلط الضوء على الاختلالات وتدافع عن مصالح المجتمع. لذلك، كلما كانت الصحافة حرة ومستقلة ومهنية، كان المجتمع أكثر قدرة على تصحيح أخطائه، وتعزيز ثقافة المساءلة، وحماية الحقوق والحريات.

غير أن الاعتراف بحرية الصحافة لا يعني أن هذه الحرية مطلقة أو أنها تعفي الصحفي من المسؤولية القانونية والأخلاقية. فالحقوق، مهما بلغت أهميتها، تقترن دائمًا بواجبات، والحرية لا تستقيم إلا عندما تمارس في إطار احترام القانون، وصيانة حقوق الآخرين، والالتزام بقواعد المهنة وأخلاقياتها. ولهذا فإن معظم الدساتير والتشريعات الديمقراطية، كما المواثيق الدولية ذاتها، تجمع بين حماية حرية التعبير وبين حماية الأفراد والمؤسسات من القذف والتشهير والادعاءات غير المؤسسة إذا ثبتت أمام القضاء.

إن الصحفي المهني ليس من يكتب كل ما يصل إليه أو يروج كل ما يسمعه، وإنما هو من يتحرى، ويدقق، ويوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأشخاص في حماية سمعتهم وكرامتهم، وبين واجب كشف الحقيقة وواجب احترام القانون. فالسبق الصحفي لا يبرر نشر معلومات غير متحقق منها، والجرأة في النقد لا تعني تجاوز الحدود التي رسمها القانون أو مواثيق الشرف المهني.

وفي المقابل، ينبغي التمييز بوضوح بين العمل الصحفي المشروع وبين الأفعال التي قد يجرمها القانون إذا ثبتت أمام القضاء. فليس كل انتقاد لمؤسسة أو مسؤول أو سياسة عامة يعد قذفًا أو تشهيرًا، كما أن ليس كل ما يُنشر تحت عنوان "حرية التعبير" يدخل تلقائيًا في نطاق الحماية القانونية. إن الفيصل في ذلك ليس الانطباعات ولا المواقف المسبقة، وإنما النصوص القانونية، والوقائع الثابتة، وتقدير القضاء المستقل.

ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينبغي أن يتحول إلى رفض مبدئي لأي مساءلة قانونية تطال صحفيًا، كما أن مباشرة أي متابعة قانونية لا ينبغي أن تُفسَّر تلقائيًا على أنها استهداف للصحافة أو تضييق على حرية التعبير. فالدولة التي تحترم القانون مطالبة في الوقت نفسه بحماية الصحفي أثناء ممارسته المشروعة لمهنته، وبضمان حقه في محاكمة عادلة إذا كان محل متابعة، وبضمان حق المجتمع أيضًا في أن تطبق القوانين على الجميع دون استثناء أو حصانة.

إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم الجميع هو المساواة أمام القانون. فالصحفي لا يفقد حقوقه بسبب مهنته، لكنه أيضًا لا يكتسب حصانة استثنائية بسببها. والسلطة العمومية مطالبة، من جهتها، بأن تفرق دائمًا بين النقد الصحفي المشروع، مهما كان قاسيًا، وبين الأفعال التي يرى القانون أنها تشكل تجاوزًا يستوجب البحث أو المتابعة، مع احترام الضمانات الدستورية والإجرائية كاملة.

ولذلك، فإن مستقبل الصحافة لا يصنعه الصدام الدائم مع المؤسسات، كما لا تصنعه الصحافة المهادنة التي تتخلى عن دورها الرقابي، وإنما تصنعه صحافة مهنية، مستقلة، مسؤولة، تؤمن بأن الحرية ليست نقيض القانون، بل إن القانون العادل هو الضامن الحقيقي لاستمرار الحرية. فالصحافة التي تنتصر للحقيقة، وتلتزم بالدقة، وتحترم أخلاقيات المهنة، وتقبل الاحتكام إلى القضاء عند النزاع، هي الصحافة التي تكسب ثقة المجتمع وتحافظ على مكانتها باعتبارها سلطة أخلاقية ومعرفية، لا مجرد وسيلة للتأثير أو الاستقطاب.

المحاكمات الرقمية...  منصات التواصل  تتحول إلى قاعات محاكم بلا قضاة ولا ملفات ولا ضمانات

  لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولًا عميقًا في طريقة تداول الأخبار وصناعة الرأي العام. فبعد أن كانت المعلومة تمر عبر مؤسسات إعلامية تخضع، بدرجات متفاوتة، لقواعد التحرير والتحقق والمسؤولية المهنية، أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر رواية، أو تعليقًا، أو اتهامًا، أو حكمًا، ليصل في دقائق إلى مئات الآلاف، وربما الملايين، دون أن يمر بأي عملية تدقيق أو مراجعة.

ولا شك أن هذا التحول منح المجتمع مساحة واسعة للتعبير، لكنه في المقابل أفرز ظاهرة مقلقة تتمثل في ما يمكن تسميته بـ "المحاكمات الرقمية"؛ حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات لإصدار الأحكام، وتبادل الاتهامات، وتشكيل القناعات، قبل أن تبدأ الجهات المختصة عملها أو تستكمل إجراءاتها.

إن أخطر ما في هذه المحاكمات أنها لا تقوم على القواعد التي تقوم عليها العدالة. فلا يوجد فيها قاضٍ محايد، ولا دفاع، ولا مواجهة بين الأدلة، ولا احترام للمسطرة، ولا إمكانية لتصحيح الخطأ بالوسائل القانونية. إنها محاكم يحكم فيها الانفعال أحيانًا، والانتماء الفكري أو السياسي أحيانًا أخرى، وسرعة انتشار المعلومة أكثر مما يحكم فيها ميزان القانون.

ومن هنا، يصبح الرأي العام معرضًا لأن يبني مواقفه على معلومات ناقصة، أو روايات أحادية، أو تسريبات غير مؤكدة، أو اجتهادات شخصية، فيتحول الشك إلى يقين، والاحتمال إلى حقيقة، والرأي إلى حكم نهائي. وعندما يحدث ذلك، لا يتضرر الشخص المعني وحده، بل تتضرر أيضًا صورة العدالة، لأن كثيرًا من الناس يبدأون في التعامل مع ما يتداول رقميًا باعتباره الحقيقة الكاملة، بينما قد تكشف التحقيقات أو المحاكمات لاحقًا معطيات مختلفة تمامًا.

إن خطورة المحاكمات الرقمية لا تكمن فقط في احتمال ظلم الأفراد، وإنما أيضًا في إضعاف الثقة بالمؤسسات. فحين تُختزل القضايا في وسوم وشعارات ومنشورات متداولة، يصبح من السهل على البعض أن يصدر أحكامًا على القضاء قبل أن يتكلم، أو على الأجهزة الأمنية قبل أن تنتهي من البحث، أو حتى على المتابعين قبل أن تتاح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم.

ولا يعني هذا أن يمتنع المواطنون أو الصحفيون أو الحقوقيون عن مناقشة القضايا التي تشغل الرأي العام، فالنقاش الحر جزء من الحياة الديمقراطية. لكن هناك فرقًا بين تحليل الوقائع المعلنة، واستباق نتائج التحقيق أو المحاكمة. وهناك فرق بين المطالبة بالشفافية واحترام الحقوق، وبين الجزم بالإدانة أو البراءة دون سند قضائي.

كما أن الإعلام المهني مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بألا ينساق وراء منطق السباق على التفاعل والمشاهدات، لأن قيمة الإعلام لا تقاس بعدد النقرات، وإنما بقدرته على تقديم المعلومة الدقيقة والمتوازنة. فالصحفي الذي يحترم مهنته لا يكتفي بنقل ما يتداوله الناس، بل يتحقق، ويقارن، ويمنح جميع الأطراف حق الرد، ويحرص على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الوقائع الثابتة والادعاءات التي لا تزال محل بحث.

إن المجتمع الذي يريد قضاءً مستقلاً، وإعلامًا حرًا، ودولة قانون قوية، يحتاج في الوقت نفسه إلى ثقافة قانونية تؤمن بأن العدالة لا تُصنع على الشاشات، ولا تُختزل في التعليقات، ولا تُقاس بعدد المؤيدين أو المعارضين. فالعدالة الحقيقية تحتاج إلى الوقت، وإلى الأدلة، وإلى الإجراءات، وإلى قضاة يحتكمون إلى القانون لا إلى اتجاهات الرأي العام. 

ولعل أكبر تحدٍ يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس فقط محاربة الأخبار الزائفة، بل أيضًا ترسيخ قناعة جماعية بأن الكلمة، مهما كانت مؤثرة، لا ينبغي أن تتحول إلى حكم قضائي، وأن الرأي، مهما كان واسع الانتشار، لا يمكن أن يحل محل المحكمة. وعندما ننجح في ترسيخ هذه الثقافة، سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع يحترم الحرية، ويحمي العدالة، ويوازن بين حق التعبير وواجب الإنصاف.

حق النقد مكفول .. لكن التشكيك في المؤسسات يحتاج إلى أدلة

  لا يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية دون الإقرار بأن النقد حق مكفول و أصيل للمواطن، وللصحفي، وللمثقف، وللحقوقي، وللسياسي، بل إن النقد المسؤول يشكل أحد أهم أدوات الإصلاح، لأنه يكشف الاختلالات، وينبه إلى مواطن الخلل، ويدفع المؤسسات إلى مراجعة أدائها وتطويره. فالمؤسسات العمومية ليست معصومة من الخطأ، ولا توجد سلطة في أي دولة حديثة فوق المساءلة أو فوق النقد البناء.

غير أن هناك فرقًا جوهريًا بين النقد والتشكيك، وبين المساءلة وإصدار الأحكام، وبين طرح الأسئلة وتقديم الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة. فالنقد يستند إلى الوقائع والأدلة والمنطق، ويهدف إلى التقويم والإصلاح، أما التشكيك المجرد فإنه يبني مواقفه على الظنون والانطباعات، وقد يؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات دون سند موضوعي.

إن استقلال القضاء، على سبيل المثال، لا يعني أنه بمنأى عن النقد العلمي والقانوني، فالأحكام القضائية يمكن مناقشتها وتحليلها وانتقادها وفق الضوابط القانونية والفكرية، كما أن التشريعات نفسها قابلة للتعديل والتطوير. لكن قبل صدور الأحكام، وأثناء مباشرة الأبحاث والتحقيقات، يصبح من الضروري التمييز بين حق التعليق وواجب عدم التأثير على سير العدالة.

والأمر نفسه ينطبق على الأجهزة الأمنية. فهي مؤسسات تضطلع بمهام دقيقة تتعلق بحماية الأمن العام وتنفيذ القانون، وتخضع في عملها لمراقبة القضاء والقانون. ومن حق المواطنين والإعلام مراقبة أدائها، والمطالبة بالشفافية كلما اقتضى الأمر، لكن ليس من الإنصاف أن تتحول كل عملية بحث أو توقيف إلى دليل على سوء النية، أو أن تُفسَّر كل متابعة على أنها استهداف، قبل أن تتضح الوقائع وتقول العدالة كلمتها.

إن بناء الثقة في المؤسسات لا يتحقق بالصمت عن الأخطاء، كما لا يتحقق بإطلاق الاتهامات دون بينة. فالثقة الحقيقية تقوم على معادلة دقيقة: مؤسسات تعمل في إطار القانون، ومجتمع يراقبها بعين النقد المسؤول، وقضاء مستقل يحسم في النزاعات، وإعلام مهني ينقل الوقائع دون تهويل أو تهوين.

ومن المؤسف أن بعض النقاشات العمومية أصبحت تقع في ثنائية ضيقة: فإما تأييد مطلق للمؤسسات مهما كانت الوقائع، وإما تشكيك مطلق فيها مهما كانت المعطيات. والحقيقة أن دولة القانون لا تحتاج إلى هذا ولا إلى ذاك، بل تحتاج إلى مواطنين يؤمنون بأن احترام المؤسسات لا يعني تقديسها، وأن مساءلتها لا تعني هدمها، وأن إصلاحها يبدأ من احترام اختصاصاتها والاحتكام إلى الآليات التي يقرها القانون.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يفقد ثقته في مؤسساته دون دليل، لأن ذلك يفتح الباب أمام الإشاعة، ويغذي الاستقطاب، ويضعف هيبة القانون، ويجعل الأحكام تصدر في الفضاء الرقمي بدل أن تصدر داخل المؤسسات المخول لها ذلك. وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله المؤسسات هو أن تعتبر نفسها بمنأى عن الرقابة والنقد، لأن غياب المساءلة يفتح الباب أمام الأخطاء والتجاوزات.

ولهذا، فإن التوازن هو الأساس. فالنقد حق لا ينازع فيه أحد، لكنه يكتسب قيمته عندما يكون قائمًا على الوقائع، ومحكومًا بأخلاقيات الحوار، وموجهًا نحو الإصلاح لا نحو الهدم. أما التشكيك المجرد، الذي لا يستند إلى دليل ولا ينتظر نتائج المساطر القانونية، فإنه لا يخدم العدالة، ولا يخدم الحريات، ولا يخدم حتى القضايا التي يدّعي الدفاع عنها.

إن المجتمع الذي يريد مؤسسات قوية لا يطالبها فقط بالشفافية، بل يطالب نفسه أيضًا بالإنصاف. والإنصاف يقتضي ألا نمنح الثقة العمياء لأي طرف، وألا ننزعها من أي طرف دون دليل، وأن نؤمن بأن الحقيقة القضائية لا تُبنى على الانطباعات، وإنما على الوقائع الثابتة، والأدلة، والضمانات القانونية، والأحكام التي تصدر باسم القانون.

المهنية قبل الاصطفاف... مسؤولية الإعلام والحقوقيين والنخب في حماية النقاش العمومي

  في المجتمعات الديمقراطية، لا تُقاس قوة الإعلام بقدرته على صناعة الضجيج، وإنما بقدرته على صناعة الوعي. كما لا تُقاس قيمة الصحفي بعدد المتابعين أو المشاهدات أو المنشورات الرائجة، وإنما بمدى التزامه بالحقيقة، واحترامه لأخلاقيات المهنة، وقدرته على الفصل بين الخبر والرأي، وبين الوقائع الثابتة والتأويلات الشخصية.

إن القضايا التي تشغل الرأي العام تمثل دائمًا اختبارًا حقيقيًا لمهنية الإعلام، لأنها تضع الصحفي أمام مسؤولية مزدوجة؛ مسؤولية إخبار المواطنين بكل ما يستحق النشر، ومسؤولية حماية النقاش العمومي من الانزلاق نحو الإثارة أو الاستقطاب أو إصدار الأحكام المسبقة. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل ما يروج في الفضاء الرقمي، ولا يجعل من عدد المشاركات معيارًا للحقيقة، بل يبحث، ويتحقق، ويقارن بين المصادر، ويضع كل معلومة في سياقها الصحيح.

وإذا كانت حرية الصحافة تفرض على الصحفي أن يكون جريئًا في مساءلة السلطة، فإنها تفرض عليه أيضًا أن يكون أكثر جرأة في مساءلة نفسه، وفي مراجعة مصادره، وفي مقاومة إغراء السبق الإعلامي عندما يكون ثمنه الدقة والمصداقية. فالسبق الذي يقوم على معلومة غير مكتملة قد يحقق انتشارًا مؤقتًا، لكنه قد يهدم سنوات من الثقة التي بناها الصحفي أو المؤسسة الإعلامية.

ولا تقتصر المسؤولية على الصحفيين وحدهم، بل تمتد إلى الحقوقيين، والمحامين، والسياسيين، والباحثين، وصناع المحتوى، وكل من يملك قدرة على التأثير في الرأي العام. فالكلمة التي تصدر عن شخصية ذات حضور وتأثير لا تبقى مجرد رأي، بل قد تتحول إلى عنصر مؤثر في تشكيل القناعات العامة، ولذلك تصبح المسؤولية الأخلاقية أكبر كلما اتسعت دائرة التأثير.

إن الدفاع عن الحقوق والحريات لا يتحقق بإلغاء دور القضاء، كما أن الدفاع عن هيبة المؤسسات لا يتحقق بإسكات الأصوات الناقدة. بل إن المجتمع المتوازن هو الذي يسمح بوجود نقاش حر ومسؤول، يراقب أداء المؤسسات، ويطالب بالشفافية، وفي الوقت نفسه يحترم المساطر القانونية، ويترك للجهات المختصة أداء وظائفها بعيدًا عن الضغوط والانفعالات.

ومن المؤشرات المقلقة في السنوات الأخيرة، أن بعض النقاشات العمومية أصبحت تُدار بمنطق "من ليس معي فهو ضدي". فمن يدعو إلى احترام قرينة البراءة قد يُتهم بأنه يدافع عن المتابع، ومن يدعو إلى احترام المؤسسات قد يُتهم بأنه يبرر كل ما تقوم به، ومن ينتظر نتائج القضاء قد يُتهم بالتردد أو الحياد السلبي. والحقيقة أن هذا التصنيف الثنائي يضر بالنقاش الديمقراطي، لأنه يدفع الناس إلى الاصطفاف بدل التفكير، وإلى تبني المواقف بدل مناقشة المبادئ.

إن المهنية الحقيقية تقتضي أن نميز دائمًا بين الوقائع والآراء، وبين الخبر والتحليل، وبين المعلومة المؤكدة والادعاء، وبين النقد المسؤول والحكم المسبق. كما تقتضي الاعتراف بأن الحقيقة في القضايا المعقدة لا تُختزل في منشور، ولا في مقطع فيديو، ولا في وسم متداول، وإنما تُبنى تدريجيًا من خلال الوقائع والأدلة والإجراءات القانونية.

ولذلك، فإن الإعلام الذي يخدم المجتمع ليس هو الإعلام الذي يلهث وراء الاستقطاب، وإنما الإعلام الذي يهدئ النقاش حين يشتد، ويصحح المعلومات حين تختلط، ويعيد البوصلة إلى المبادئ عندما تتغلب الانفعالات. وهو الإعلام الذي يدرك أن رسالته ليست الانتصار لطرف، بل الانتصار للحقيقة، وأن حماية الثقة في المجتمع تبدأ بحماية الثقة في الكلمة.

إن المستقبل يحتاج إلى صحافة ترفع منسوب الوعي، لا منسوب الانقسام؛ وإلى حقوقيين يدافعون عن المبادئ قبل الأشخاص؛ وإلى سياسيين يغلّبون مصلحة المؤسسات على المكاسب الظرفية؛ وإلى نخب تؤمن بأن قوة الديمقراطية لا تكمن في كثرة الأصوات، بل في جودة النقاش، واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى القانون. فعندما تنتصر المهنية على الاصطفاف، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية الحريات، وصيانة العدالة، وتعزيز الثقة في مؤسساته، وهي الغاية التي ينبغي أن تتقدم على كل اعتبار آخر.

دولة القانون مسؤولية الجميع... والعدالة لا تُصنع بالتصفيق ولا بالتشكيك

  إن بناء دولة القانون ليس مسؤولية القضاء وحده، ولا مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، ولا مسؤولية الصحافة أو المشرع أو المجتمع المدني وحدهم، وإنما هو مشروع جماعي تتقاطع فيه أدوار الجميع. فكلما احترمت المؤسسات القانون في ممارسة اختصاصاتها، وكلما احترم المواطنون والمؤثرون والإعلاميون والمؤسسات المدنية حدود أدوارهم، اقترب المجتمع أكثر من تحقيق العدالة التي ينشدها الجميع.

ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها النقاش العمومي أن يجعل العلاقة بين الحرية وهيبة المؤسسات علاقة صراع، وكأن الدفاع عن حرية الصحافة يقتضي بالضرورة التشكيك في القضاء، أو أن الدفاع عن القضاء يقتضي التضييق على حرية التعبير. والحقيقة أن هذه ثنائية زائفة؛ فالدولة الديمقراطية لا تقوم إلا بحماية الحريتين معًا: حرية التعبير من جهة، وحق المجتمع في عدالة مستقلة ونزيهة من جهة أخرى.

فالصحافة الحرة تحتاج إلى قضاء مستقل يحميها عندما تتعرض للظلم، كما يحتاج القضاء إلى إعلام مهني ينقل الوقائع بأمانة، ويساعد على ترسيخ الثقافة القانونية، بعيدًا عن الإثارة والتأويلات غير المؤسسة. كما تحتاج الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون إلى ثقة المجتمع، وهي ثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالالتزام الصارم بالقانون، والشفافية، والخضوع للمحاسبة متى ثبت وقوع أي تجاوز.

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع نفسه مطالب بأن يتحلى بالصبر القانوني. فالعدالة ليست سباقًا في سرعة إصدار الأحكام، وإنما هي مسار تحكمه قواعد وإجراءات وضمانات. وقد يبدو هذا المسار بطيئًا أحيانًا، لكنه بُني بهذه الكيفية لحماية الجميع، حتى لا يتحول الاتهام إلى إدانة، ولا الشبهة إلى حكم، ولا الرأي إلى حقيقة قضائية.

إن احترام قرينة البراءة لا ينبغي أن يكون شعارًا يُرفع عندما يتعلق الأمر بمن نتفق معه، ثم يُنسى عندما يتعلق بمن نختلف معه. فهي مبدأ قانوني وأخلاقي لا يتجزأ، يحمي الجميع دون استثناء. وبالمثل، فإن احترام المؤسسات لا ينبغي أن يكون موقفًا انتقائيًا، بل ثقافة تقوم على منحها الثقة التي تستحقها في أداء مهامها، مع الاحتفاظ الكامل بحق مراقبتها ونقدها ومساءلتها بالوسائل المشروعة.

كما أن من واجب النخب الفكرية والإعلامية والسياسية أن تسهم في تهدئة النقاش العام لا في تأجيجه، وأن تساعد المواطنين على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين الخبر والرأي، وبين الوقائع المؤكدة والفرضيات، لأن المجتمعات لا تتقدم بالاستقطاب، وإنما تتقدم بتعزيز الوعي والثقة في المؤسسات واحترام القانون.
 
عندما ينتصر المبدأ على الأشخاص... ينتصر الوطن

   لقد أصبحت سرعة تداول الأخبار أكبر من أي وقت مضى، لكن سرعة انتشار الخبر لا تعني بالضرورة سرعة الوصول إلى الحقيقة. فالحقيقة القضائية لا تُولد في التعليقات، ولا في الوسوم، ولا في البيانات المتبادلة، وإنما تُبنى من خلال البحث، والأدلة، والضمانات، والمحاكمة العادلة، ثم الحكم الذي يصدر وفق القانون.

إن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها الإعلام، والحقوقيون، والسياسيون، والمثقفون، للرأي العام، ليست أن يدفعوا الناس إلى الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، وإنما أن يرسخوا ثقافة احترام القانون، وأن يذكروا الجميع بأن العدالة لا تتحقق بالصوت الأعلى، ولا بالضغط الأكبر، ولا بعدد المؤيدين أو المعارضين، وإنما بقوة الحجة، وسلامة الإجراءات، واستقلال القضاء.

لقد آن الأوان لأن نغادر ثقافة "المحاكمات الرقمية"، وأن ننتقل إلى ثقافة "النقاش المسؤول". فالنقد يظل ضرورة، والرقابة المجتمعية تظل حقًا، وحرية الصحافة تبقى من أهم مكتسبات أي دولة حديثة، لكن كل ذلك يفقد قيمته إذا تحول إلى وسيلة لاستباق القضاء أو للتشكيك في المؤسسات دون سند، أو لإصدار أحكام نهائية قبل أن تستكمل العدالة مسارها.

إن دولة القانون لا تُبنى بتقديس المؤسسات، كما لا تُبنى بهدمها، وإنما تُبنى باحترامها، ومراقبتها، ومحاسبتها عند الاقتضاء، وبالإيمان بأن القانون يجب أن يسري على الجميع دون تمييز، وأن الحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة.

وحين ننجح في ترسيخ هذه الثقافة، سنكون قد انتصرنا لحرية الصحافة دون أن نفرط في هيبة القضاء، ودافعنا عن قرينة البراءة دون أن نعطل تطبيق القانون، وعززنا الثقة في مؤسسات الدولة دون أن نغلق باب النقد المسؤول. وعندها فقط، لن يكون الرابح شخصًا أو مؤسسة، بل سيكون الرابح الأكبر هو الوطن، ودولة القانون، وثقة المواطن في عدالة بلاده، وهي الثروة التي لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم من دونها.



في نفس الركن