2026 فبراير 20 - تم تعديله في [التاريخ]

قوالب جاهزة أمرّها قالب السُّكّر !

افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 19 فبراير 2026


العلم - محمد بشكار

لم أعد أقرأ بعض المقالات وثيقة الأحرف بالمناسبة، لا لشيء، إلا لأنها تدوير للسان في فمٍ أدْردٍ بنفس الكلام، فمثلا كلما حلّ شهر الصيام، ترتفع القفة من أذنيها شِعاراً، ينادي بإسقاط الهمزة عن الألف، فماذا ننتظر لننخرط في بكاء جماعي، هل تلقون الدمع أم أكون أول من يلقي، خصوصا أن رمضان هذه السنة، بارد غزير الأمطار، ولكنه من جهة الشمس غير المشرقة خجلا، ساخن بغلاء الأسعار
!      

بالمناسبة لا أحب أن أكتب عن المناسبة، لكنني في بلدي مَحْفوفٌ على مدار السنة، بما لا يُعد ولا يُحْصى من المناسبات، فما السبيل لأن أجعل المناسبة لا تكتبني !

نحن شعبٌ يحب المناسبات في كل شيء، لا نلبس أو ننْتعل أو نتزيّى  بحوائج جديدة، إلا في الأعياد، أما في باقي الأيام فَنَرْكَن أناقتنا في دولاب النسيان، لا نُصلِّي غفيرا إلا الجمعة أو تراويح رمضان، وكأن السماء إدارةٌ لا تتلقى الحسنات إلا في الأشهر الحُرُم، لا نتبادل الهدايا إلا في أعياد الحُبِّ، حين يدور العام على مشاعرنا القاحلة ويبدأ موسم جَنْي أو قطْف الورد، لا نأكل اللحم قبل الإفطار وبعده وقبل الغذاء وبعده وقبل العشاء وبعده حتى تشرق الشمس، إلا في عيد الأضحى فانظروا للبشر في المستشفيات كيف أضحى !

نحن شعبٌ لا يَحُولُ ضميرنا الغائب دون الحضور في كل المناسبات، سواء الوطنية بالوطنية الصادقة في مراكمة الثروات والعقارات، والدينية بالخشوع المهيب والملفوف في جلباب أبيض، والرياضية بالروح الرياضية، تلك التي تُعَبِّر وهي تتدافع بالجسم السليم أن العقل غير سليم!

نحن شعبٌ لا يَحُول ضميرنا الغائب دون الحضور لأداء الواجب في مناسبات العزاء، خصوصاً إذا كان الميِّت مِمَّن شَملنا فضله إرثاً، أو طلبا للكُسكس، أو كان الميِّت قتيلا قُيِّدتْ روحه المزهوقة ضد مجهول، فالمجرم حتما في الجنازة يبكي لا يُخْلِفُ مثل هذه المناسبة!

نحن شعبٌ هَوَتْ قُدرتنا الشرائية حَضيضاً، لذلك نُحب المناسبة حين تنزل المحلات التجارية بالأثمنة تخفيضاً، حين نتوهم أن شركات التعبئة، تزيد حبل ثرثرتنا في الهاتف طولا بدقائق مضاعفة، بينما تنصب لجيوبنا أخطر الأفخاخ، نحب المناسبة، حين تُجيِّش شركات السكن الإجتماعي أجود المطربين ليُغَنُّوا إشهارا للمناسبة، فيشتري الناس بيوتا بالملايين، وهي ما زالت رسْماً هندسيا على الورق، فإذا هُمْ أحياء مدفونون في قبورٍ بطوابق !

طيلة يقظتنا نعيش في غفلةٍ نائمين، حتى تصنع عبقرية الأزمة المناسبة، فنهُبُّ مفجوعين مما حدث وتناقلتْه كل قنوات العالم، بالصوت والصورة الملطخة بدماء الضحايا، هكذا نُمسي على مناسبة، ولا نكاد ننتهي من احتفاليتها إما بالغناء أو البكاء، حتى نصحو على أخرى لن نحتاج لإحيائها وبعثها من رميم، إلا لتكرار نفس الكلام الذي قيل منذ أربعين سنة، وكيف نشعر بالفَرْق، ما دُمنا مقيمين في زمن جامد، فيا لها من قوالب جاهزة تقتل بمرارتها كل إبداع، رغم أن الغالبية المعطوبة، لا تعرف في القوالب إلا السكر، فمن يريد تخفيضات في الأفكار لا يفوِّتْ المناسبة !

ولا أنسى أن أزجي شكرا لرمضان، لأنه أعاد ساعة الله، إلى عقاربها غير الخاضعة لتقاويم البورصة، أعاد الشمس إلى موعدها ليس تحت جنح الظلام، انظر إلى التلاميذ كيف يستيقظون الآن نشيطين إلى المدرسة ماشطين، ألم تر إلى النهار، كيف يملأ في ساعة الخروج الأبصار، فلله درك يا رمضان، كم أنت كريم غير منّاع للخير أو لئيم !

ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 19 فبراير 2026




في نفس الركن