*بقلم: بوشعيب حمراوي*
هناك فرق كبير بين أن تكون قوي الموقف وأن تكون فقط قادرًا على فرض موقفك، وبين أن تمتلك قوة الحجة وأن تمتلك وسائل الضغط التي تجعل الآخرين يتراجعون أمامك. وقد يبدو الفرق بسيطًا في اللفظ، لكنه في الواقع من أكثر الفروق تأثيرًا في حياتنا اليومية وفي تدبير المؤسسات والمجالس والإدارات والجمعيات والأحزاب والنقابات، بل وحتى في علاقات الناس بعضهم ببعض.
كثير من القرارات التي تتحول إلى واقع ليست بالضرورة أفضل القرارات، وكثير من المبادرات التي تجد طريقها إلى التنفيذ ليست بالضرورة الأكثر استحقاقًا، وكثير من الأشخاص الذين يحصلون على مطالبهم ليسوا دائمًا أصحاب الحقوق الأقوى. ففي مجتمعات ومؤسسات لا تكون فيها القواعد واضحة بما يكفي، أو لا يتم فيها الاحتكام الصارم إلى القانون والمعايير الموضوعية، يمكن أن يظهر نوع آخر من «القوة» لا علاقة له بالحجة ولا بالحق ولا بالكفاءة.
إنها قوة الضغط..وقوة الإلحاح..وقوة العلاقات..وقوة الصوت المرتفع..وقوة العدد.
وما يسميه المغاربة، ببلاغتهم الشعبية المختصرة، «الجبهة» و«الصنطيحة» و«التغوفيل».و «تخراج العينين »....
وهي كلمات دارجة قد تبدو ساخرة، لكنها تصف أحيانًا واقعًا حقيقيًا ومؤلمًا: شخص لا يملك الحجة الأقوى، لكنه يملك الجرأة الكافية لكي يكرر الطلب عشرات المرات، ويرفع صوته، ويطرق كل الأبواب، ويبحث عمن يتدخل لصالحه، ويرفض أن يقبل بالجواب الذي يقبله غيره، إلى أن ينجح في النهاية في الحصول على ما لم يكن ليستحقه لو احتكم الجميع إلى قاعدة واحدة.
وهنا يبدأ الخلل. عندما يصبح الإلحاح أقوى من الاستحقاق. يمكن أن يتقدم مواطنان إلى إدارة واحدة.
الأول يحمل ملفًا كاملاً، يحترم المسطرة، ينتظر دوره، ويعتقد أن الوثائق والقانون كفيلان بحماية حقه.
أما الثاني فقد يكون ملفه أضعف، لكنه لا ينتظر، ولا يقبل الرفض، ولا يتوقف عن السؤال والاتصال والزيارة، وقد يبحث عن مسؤول أو منتخب أو وسيط يعرفه، وقد يهدد بالاحتجاج أو التشهير أو إثارة الضجيج.
فإذا حصل الثاني على ما يريد فقط لأن المسؤول أراد التخلص من ضغطه، بينما ظل الأول ينتظر لأن طبعه هادئ ويحترم القانون، فإن المؤسسة تكون قد بعثت إلى الناس برسالة خطيرة جدًا: الحق وحده لا يكفي. عليك أن تعرف كيف تفرض نفسك.
وهذه الرسالة أخطر من القرار نفسه، لأنها تساهم تدريجيًا في صناعة مواطن يعتقد أن احترام الإجراءات نوع من السذاجة، وأن الصراخ أكثر فعالية من الوثيقة، وأن الوساطة أقوى من القانون، وأن «الصنطيحة» يمكن أن تفتح أبوابًا لا تفتحها الحجة.
وحين يصبح هذا الاعتقاد جماعيًا، لا نعود أمام حالات فردية، وإنما أمام ثقافة كاملة تعيد إنتاج نفسها.
الإدارة التي تستجيب للضغط تعاقب المواطن الهادئ
من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الإدارات أن تسعى إلى حل المشكلة الأسرع بدل اتخاذ القرار الأعدل.
المواطن المزعج يريد جوابًا الآن؟. لنمنحه ما يريد حتى يغادر.
الشخص الذي يطرق الباب يوميًا يسبب الحرج؟.. لنجد له مخرجًا.
صاحب العلاقات اتصل أكثر من مرة؟.. لنبحث له عن استثناء.
لكن ماذا عن المواطن الذي لم يرفع صوته؟.. ماذا عن الذي لم يعرف أحدًا؟.. ماذا عن الذي وثق في المؤسسة واحترم الإجراءات؟
هذا المواطن يصبح، من حيث لا تدري الإدارة، هو المعاقب الحقيقي. لأنه اكتشف أن من احترم النظام انتظر، ومن ضغط تجاوزه.
ومن هنا نفهم أن المساواة ليست فقط أن يخضع الجميع للقانون، بل أن يثق الجميع بأن القانون سيطبق حتى على من يصرخ أكثر.
قوة الموقف ليست وقاحة
علينا كذلك ألا نخلط بين قوة الموقف وبين العناد أو العدوانية.
صاحب الموقف القوي ليس من يرفض التراجع مهما ظهرت أمامه من حقائق، وليس من يرفع صوته لكي يمنع الآخرين من الكلام، وليس من يعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة.
قوة الموقف الحقيقية تبدأ عندما يعرف الإنسان لماذا اتخذ موقفه.
ما منطقه؟.. ما سنده؟. ما الأدلة التي يقوم عليها؟. هل يخدم المصلحة العامة أم المصلحة الشخصية؟. هل يستطيع الدفاع عنه بهدوء أمام من يخالفه؟
وهنا تأتي قوة الحجة. فالحجة القوية لا تحتاج دائمًا إلى الصوت المرتفع، لأنها تستطيع أن تقف وحدها.
الوثيقة تتكلم... القانون يتكلم... الأرقام تتكلم. .القرينة تتكلم.. والمنطق يتكلم.
أما عندما تغيب هذه كلها، فيبدأ البعض في البحث عن بدائل أخرى: الضغط، الشخصنة، التخويف، الإحراج أو الاستقواء بالأغلبية.
داخل المجالس… حين يصبح رفع الأيدي أقوى من النقاش
المشكل يصبح أكثر خطورة عندما ينتقل من العلاقات الفردية إلى المؤسسات والمجالس. فداخل المجالس المنتخبة، ومجالس الإدارات، والجمعيات، والهيئات والنقابات، تطرح أحيانًا قضايا لا يكون النص القانوني بشأنها واضحًا، أو تكون القاعدة القانونية قابلة للتأويل، أو يتعذر في لحظة معينة العثور على النص المنظم للمسألة. وهنا يمكن أن يقع خطأ شائع: بدل البحث. وبدل الاستشارة. وبدل العودة إلى النصوص. وبدل تجميع القرائن. وبدل مناقشة الحجج. يتم اللجوء مباشرة إلى التصويت.
لدينا أغلبية؟.. إذن نحسم الموضوع. لكن هل الأغلبية دليل؟.. بالطبع لا.الأغلبية آلية لاتخاذ القرار، وليست مصنعًا للحقيقة.
قد يصوت عشرة أشخاص لصالح رأي معين، ويعارضه شخصان فقط يملكان وثائق وحججًا أكثر دقة. النتيجة الحسابية محسومة: عشرة مقابل اثنين. لكن الحقيقة لا تخضع للحساب نفسه.
العشرة ربحوا التصويت، لكن هذا لا يعني أن حجتهم أصبحت أقوى من حجة الاثنين. الأغلبية تحسم القرار لكنها لا تصنع الحقيقة.
الديمقراطية تحتاج إلى الأغلبية، ولا يمكن لأي مجلس أن يعمل دون آلية للحسم. لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول الأغلبية من آخر مرحلة في النقاش إلى بديل عن النقاش.
الأصل أن نسأل أولًا: ماذا يقول القانون؟.. ما هي السوابق؟.. ما هي الوثائق المتوفرة؟.. ما هي الحجج؟.. ما أثر القرار؟.. من سيتضرر؟من سيستفيد؟.. هل يخدم المصلحة العامة؟
ثم يناقش الأعضاء ويختلفون ويقترحون ويعدلون. وإذا تعذر بعد ذلك الوصول إلى توافق، يأتي التصويت كآلية للحسم.
أما أن تبدأ المناقشة وتنتهي بجملة غير معلنة مفادها: «لدينا العدد الكافي ولا نحتاج إلى إقناعكم»، فإننا نكون قد أفرغنا التداول الديمقراطي من جزء كبير من معناه.
لأن المجلس ليس آلة لعد الأيدي المرفوعة. المجلس فضاء للتفكير قبل التصويت. قد تربح الأقلية الحجة وتخسر التصويت.
من أكثر الأشياء التي ينبغي ترسيخها داخل مؤسساتنا أن خسارة التصويت لا تعني دائمًا خسارة النقاش.
يمكن لعضو واحد أن يكون على صواب أمام عشرين عضوًا.
ويمكن لأقلية أن تقدم اعتراضًا عقلانيًا تثبت الأيام لاحقًا أنه كان صحيحًا.
ويمكن لأغلبية أن تتخذ قرارًا ثم يتضح بعد أشهر أو سنوات أنه كان مكلفًا أو خاطئًا أو مخالفًا للمصلحة العامة.
لذلك فإن قيمة العضو داخل المجلس لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي يستطيع جمعها، وإنما كذلك بقوة ما يستطيع تقديمه من رأي وحجة ووثيقة وبديل.
وقد تخسر الأقلية التصويت اليوم، لكنها تربح احترام التاريخ إذا ثبت أنها كانت صاحبة الموقف الأصوب.
كما قد تربح الأغلبية القرار اليوم، لكنها تخسر الكثير إن عجزت غدًا عن الدفاع عنه.
«الصنطيحة» الفردية و«الصنطيحة» المؤسساتية
هناك تشابه يستحق التأمل. فرد يفرض مطلبه بالضجيج. وأغلبية تفرض قرارها بالعدد.
الأول يقول ضمنيًا: سأضغط عليك إلى أن تتراجع.
والثانية قد تقول: لدينا أصوات أكثر، فلا حاجة لإقناعك.
في الحالتين تختفي الحجة أو تتراجع إلى المرتبة الثانية.
وإذا أصبح هذا السلوك مألوفًا، فإننا ننتقل من حكم المعايير إلى حكم موازين القوة.
وهنا يمكن للضعيف صاحب الحق أن يخسر، بينما ينتصر الأقوى نفوذًا أو الأكثر عددًا أو الأكثر إزعاجًا.
وهذا ليس ما نريده من مؤسسات يفترض أنها قامت أساسًا لكي تحمي الإنسان من منطق القوة.
لكن المجتمعات التي تريد بناء مؤسسات عادلة وقوية لا ينبغي أن تترك أبوابها تُفتح بقوة الجبهة؛ بل بقوة الحق، وقوة القانون، وقوة الموقف… وقبل ذلك كله قوة الحجة.