2026 يناير 13 - تم تعديله في [التاريخ]

كأس إفريقيا والمواطنة العابرة للحدود


مؤرخ ورئيس كرسي الأندلس بأكاديمية المملكة
العلم الإلكترونية - بقلم عبد الواحد أكمير
 
ما تتبعناه من خلال شبكات التواصل الاجتماعي حول الأجواء المرافقة لمباريات كأس إفريقيا المقامة في المغرب، يكشف أن كرة القدم تتجاوز كونها مجرد منافسة رياضية، لتغدو تعبيراً عن تحولات اجتماعية وثقافية عميقة.
 
في المدرجات وخارجها، يبرز أبناء المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، المولودون في المغرب، وهم يشجعون منتخبات بلدانهم الأصلية عندما تلعب، ويشجعون المنتخب المغربي عندما يلعب. يرتدون حينا قميص بلدهم الأصلي، وحينا آخر قميص المغرب. يتحدثون الدارجة المغربية بطلاقة، ويتكلمون الفرنسية بلكنة بلدانهم الأصلية. وكما هي لغتهم مزدوجة، فثقافتهم كذلك مزدوجة؛ فقد تعلموا في مدارسنا، وتشبعوا بمناهجها، ونهلوا من كتبها المدرسية في التاريخ والجغرافيا، وغدا رموز تاريخ المغرب رموزهم هم كذلك، وفي نفس الوقت بقيت الرموز التاريخية لبلدانهم الأصلية مصدر اعتزازهم. يقولون لك بثقة: "أنا سنغالي ـ مغربي" أو "أنا كونغولي ـ مغربي". لقد حصل هذا التحول بعد أن أصبح المغرب بلد هجرة وليس محرد بلد عبور. 
     
يعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما عرفته أوروبا في مراحل سابقة، حين كان أبناء المهاجرين المغاربة يعيشون انتماء مزدوجاً بين بلد الإقامة وبلد الأصل، وكانت كرة القدم إحدى أبرز ساحات التعبير عن هذا الانتماء المركّب. وفي هذا السياق، يبرز أشرف حكيمي نموذجا دالا؛ فاللاعب الذي وُلد في أحد الأحياء الشعبية بضواحي مدريد، داخل أسرة مهاجرة ذات إمكانات محدودة، لم يقطع صلته لا بمكان النشأة ولا بجذور العائلة. فقد اختار أن يشتري النادي الذي بدأ فيه مساره الكروي طفلا، دعماً لأبناء مدينة "خيتافي" التي شهدت بداياته، وفي الوقت نفسه أسس مدرسة لكرة القدم تحمل اسمه في مدينة القصر الكبير، مسقط رأس عائلته، تشجيعا لمواهبها المحلية.
 
إن هذا التداخل بين مسارين، ومساحتين، وانتماءين، يجسد معنى المواطنة الثقافية العابرة للحدود، التي جعلت من كرة القدم ليس مجرد لعبة، بل انخراط ثقافي والتزام أخلاقي وإنساني.



في نفس الركن