2026 يونيو/جوان 19 - تم تعديله في [التاريخ]

كتاب جديد ينبش في التاريخ الاقتصادي لـ "طنجة الدولية"

بعنوان "طنجة: الاقتصاد والمجتمع في العهد الدولي 1923-1956"، صدر كتاب جديد للباحث والدكتور نبيل الطويهري، ليكون امتداداً لنبشه الأكاديمي الرصين في تاريخ "ذات البحرين".


الدكتور نبيل الطويهري أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس
العلم الإلكترونية - بقلم نبيل الطويهري
 
تُغري طنجة دائماً بالحديث عنها. لطالما كانت هذه المدينة، بجغرافيتها الساحرة، مادة دسمة لإنتاج أكاديمي وصحفي لا ينضب. لكن، خلف بريق "طنجة الدولية" وصورها "الكوسموبوليتية" الحالمة التي طالما سوّقتها الروايات وأدبيات الاستشراق، يختبئ تاريخ آخر؛ تاريخ ظل منسياً في رفوف الأرشيفات الوطنية والأجنبية. إنه التاريخ الاقتصادي لمدينة لم تكن تُدبّر محلياً، بل بـ"ريموت كونترول" خاضع بالكامل لأطماع وتوازنات قوى دولية متعددة.
 
منذ منتصف القرن التاسع عشر، تحولت طنجة إلى قبلة للمُعمرين والتجار الأجانب، وحملت آنذاك اسماً دالاً: "جنينة الفرنجة". لكن هذه الجنينة سرعان ما تحولت إلى ساحة صراع استراتيجي محموم بين القوى الإمبريالية، توج باتفاق دجنبر 1923، ليفرض على المدينة نظاماً دولياً فريداً وخاصاً، طوّق عنقها لأكثر من ثلاثة عقود (1923-1956م).
 

إن تفكيك الشفرة الاقتصادية لطنجة خلال هذه الحقبة، يكشف عن حقيقة مفادها: أن الفلسفة الاستعمارية لم تكن معنية يوماً بتنمية المدينة، بقدر ما كانت مهووسة بـ"تهيئة المجال" لامتصاص خيراتها وتسهيل استغلالها. لقد سُخّرت القوانين والتشريعات، وجُنّدت البنيات التحتية من موانئ وسكك حديدية لخدمة تكتلات مالية أوروبية احتكرت الامتيازات الجمركية والإعفاءات الضريبية، مستندة إلى "جيش" من العمال المغاربة الذين استُنزفت قواهم بأرخص الأثمان.
 
إن الدرس الأبرز الذي يقدمه لنا هذا الكتاب، هو أن المساوئ الحقيقية للبناء الاقتصادي الاستعماري لم تظهر بكل فجاجتها إلا مع بزوغ فجر الاستقلال عام 1956. فبمجرد رحيل الإدارة الدولية، طفت على السطح أزمة خانقة كادت تعصف بالمدينة؛ فرّت الرساميل الأجنبية والذهب نحو الخارج، وأعلنت الشركات الكبرى إفلاسها، وتوقفت الحركة المينائية تقريباً. كان المشهد أشبه بسياسة "أرض محروقة" اقتصادياً، مما وضع الدولة المغربية الفتية آنذاك أمام تحدٍّ يقتضي التدخل العاجل لإنقاذ المدينة وإعادة تأهيلها، وإدماجها في نسيجها الوطني بعد عقود من العزل والتدويل.
 

واليوم، ونحن نعاين طنجة المتجددة بأوراشها الكبرى المهيكِلة؛ من المركب المينائي "طنجة المتوسط"، إلى القطار فائق السرعة، وصولاً إلى المناطق الصناعية والتكنولوجية العالمية، ندرك تماماً أن هذه القفزة التنموية لم تكن وليدة الصدفة أو الطفرة المفاجئة. إنها، في العمق، نتيجة مخاض تاريخي عسير ومقاومة اقتصادية نجح فيها مغرب الاستقلال في إعادة ترتيب "البيت الطنجي"، وتحويل المدينة بذكاء من مجرد "مختبر مالي أجنبي" ومصب للرساميل الوافدة، إلى قاطرة حقيقية ومستدامة للاقتصاد الوطني والعالمي.
 
وبشكل عام، هذا العمل ليس مجرد قراءة في الماضي، بل هو "كتالوج" حقيقي لفهم كيف تصنع الجغرافيا السياسية مصير المدن، وكيف يولد الحاضر من رحم معارك اقتصادية طواها النسيان.
 




في نفس الركن