هل للدلالة أو لدلالة الكلمات معنى سابق عن الاستعمال؟
الدكتور لحسن الياسميني
*بقلم: الدكتور لحسن الياسميني*
هذا سؤال تفرعت أجوبته وتعددت بين فلاسفة اللغة والمناطقة، وعلى رأسهم أرسطو، واللسانيين الذين اهتموا بهذا الموضوع وتعددت رؤاهم إلى حد التناقض. ويوضح هذا المقال الذي نعرض فيه رأي الفيلسوف كواين وجهة نظره التي تعتبر نقاشًا لهذه الإشكالية، كما تثير هي نفسها نقاشًا حول مدى مصداقيتها.
يحتل الفيلسوف الأمريكي ويلارد فان أورمان كواين، W. V. O. Quine (1908–2000)، مكانة بارزة في الفلسفة التحليلية الأمريكية، وقد انشغل، إلى جانب المنطق وفلسفة اللغة، بمشكلة المعنى والترجمة. وتظهر معالم تصوره لهذه المشكلة بصورة خاصة في مقاله «وهم الدلالة»، حيث يوجه نقده إلى التصور الذي يتعامل مع المعنى باعتباره شيئًا ثابتًا ومستقلًا عن الاستعمال اللغوي. غير أن نقد كواين لا يعني إنكار علاقة اللغة بالعالم أو إنكار وجود الأشياء والكليات؛ وإنما ينصب على الاعتقاد بوجود معنى قائم بذاته، أو فكرة مشتركة، تتطابق معها التعبيرات اللغوية وتتجاوز اختلاف اللغات واستعمالاتها.
يبدأ كواين، إذن، من التمييز بين الدلالة بوصفها وظيفة للغة في الاستعمال وبين الدلالة التي تُفهم باعتبارها كيانًا أو مضمونًا ثابتًا يقف وراء التعبير اللغوي. فاللغة العادية ترتبط بوضعيات مختلفة وتثير لدى المتكلمين استجابات مختلفة، ومن هذه الناحية يمكن الحديث عن دلالة للغة. لكن المشكلة تظهر عندما ننتقل من هذا المستوى التجريبي إلى افتراض وجود «فكرة للمعنى» أو هوية لغوية تتجاوز اللغة نفسها، بحيث تصبح أشكال اللغة مجرد حوامل لهذه الدلالة المفترضة. وهنا تحديدًا يتحدث كواين عن «وهم الدلالة».
ويربط كواين هذا الوهم بتاريخ فلسفي طويل، ولا سيما بالتمييز بين الجوهر والعرض، أو بين ما هو داخلي وما هو خارجي. فالتصور الأرسطي، مثلًا، يجعل «العاقل» صفة جوهرية للإنسان، في حين يكون كونه ذا قدمين صفة عرضية. غير أن كواين يرى أن الفلسفة نقلت هذا التمييز من الأشياء إلى الكلمات، أي إنها قايضت جوهر الأشياء بمعنى الكلمات. وبذلك أصبحت فكرة «الإنسان» أو مثاله، بالمعنى الأفلاطوني، تؤدي وظيفة المعنى الذي يُفترض أن تكون الكلمات حاملة له.
ومن هنا تأتي الخطوة الأساسية في نقد كواين: أن الدلالة ليست جوهرًا قائمًا في الكلمات ذاتها. فإذا كانت الكلمات تمتلك معنى في ذاتها، فإن ذلك لا يكون ممكنًا إلا بالعودة إلى نظرية المثل أو الماهيات، أي إلى تصور يجعل وراء كل تعبير لغوي مضمونًا ثابتًا ومستقلًا. لذلك يرفض كواين البحث عن الدلالة في هذا المستوى الميتافيزيقي، ويتجه بدلًا من ذلك إلى البحث عن أساسها في الخبرة والاستعمال والسلوك اللغوي. فالحديث عن دلالة الكلمات، في نظره، ذو طابع أمبريقي، في حين أن الحديث عن الأفكار والمثل والجواهر لا يحمل الطابع التجريبي نفسه.
وهكذا يصبح اكتساب اللغة مدخلًا أساسيًا لفهم الدلالة. فنحن لا نولد ومعاجمنا اللغوية جاهزة، وإنما نكتسب اللغة من خلال سلسلة غير محدودة من الاستجابات للمثيرات الحسية. وتكمن الدلالة، وفق هذا المنظور، في العادات التي تربط السلوك الكلامي بالمثيرات الحسية والظروف الخارجية. ولذلك لا ينبغي البحث عن معنى الكلمة في كيان ذهني أو جوهر مفارق للاستعمال، وإنما في شبكة الاستجابات والعادات التي تتكون لدى المتكلمين أثناء ممارستهم اللغة.
غير أن كواين لا يتوقف عند الكلمة المفردة؛ إذ يعطي الجملة مكانة مركزية في فهم المعنى. فنحن نتعلم الكلمات الجديدة من خلال الجمل التي ترد فيها، وهذه الجمل تتغير باختلاف السياقات والاستعمالات. ولذلك يصبح من الممكن القول إن معنى الجملة هو الذي يسمح لنا بفهم أجزائها، وليس العكس بالضرورة. ومن هنا يوجه كواين اهتمامه نحو معنى الجملة (sens) في مقابل الدلالة المنسوبة إلى الكلمة (signification)، وهو انتقال مهم لأنه يجعل اللغة وحدة استعمالية وسياقية بدلًا من كونها مجرد مجموع من الكلمات التي تحمل كل واحدة منها معنى ثابتًا.
ويترتب على ذلك أن المتكلم نفسه لا يحتاج إلى معرفة الأصل الذي تكوّن منه قاموسه اللغوي؛ فاللغة بالنسبة إليه وسيلة للتواصل يمارسها بصورة يومية. لذلك يقول كواين إنه لا يهتم بأصل اللغة لدى كل فرد، وإنما يهتم باللغة في استعمالها اليومي، وبالسلوك اللغوي بوصفه اشتغالًا ووظيفة للمنبهات. وهذا يعني أن الدلالة لا تُفهم خارج الممارسة اللغوية الفعلية، وإنما من خلال ما يفعله المتكلمون باللغة في ظروف محددة.
ويبلغ هذا التصور ذروته في الترجمة الجذرية (traduction radicale)، أي الحالة التي يواجه فيها عالم اللغة لغة مجهولة لا تربطها باللغة المعروفة التي يتحدث بها أي صلة مباشرة. ففي هذه الحالة لا يستطيع المترجم الرجوع إلى قاموس أو إلى معنى مشترك سابق على اللغات، بل لا يملك إلا سلوك المتكلمين والظروف التي يستعملون فيها عباراتهم. ولذلك تصبح الترجمة اختبارًا فعليًا لنظرية المعنى نفسها.
ومن أشهر أمثلة كواين في هذا السياق مثال «غافاغاي» (Gavagai). فعندما يرى الإثنولوجي متكلمًا بدائيًا يطلق هذه العبارة لحظة مرور أرنب، قد يبدو له أن «غافاغاي» تعني «أرنب». لكن هذا الاستنتاج ليس محسومًا؛ إذ يمكن أن تشير العبارة إلى الأرنب كله، أو إلى جزء منه، أو إلى مرحلة منه، أو إلى شيء آخر مرتبط بالمشهد. وحتى الإشارة إلى الأرنب بالإصبع لا تحسم المسألة، لأن الإشارة نفسها قد تتعلق بالشيء كله أو بجزء منه.
وهنا تظهر المشكلة الأعمق: لكي يقرر المترجم أن غافاغاي = أرنب، فإنه يفترض مسبقًا أن المتكلم الآخر ينظر إلى العالم بالطريقة نفسها التي ننظر بها إليه، وأن بنيته المفهومية مماثلة لبنيتنا. لكن كواين يرفض التسليم بهذا الافتراض؛ فقد يكون لدى المتكلم البدائي تصور مختلف للأشياء وبنية مفهومية مختلفة للعالم. ومن ثم لا يكفي أن يكون لدينا الشيء نفسه أمام أعيننا لكي نضمن أن العبارة التي يستعملها المتكلم الآخر تحمل الدلالة نفسها التي تحملها كلمتنا.
لذلك تصبح لا تحديدية الترجمة نتيجة طبيعية لهذا التصور. فالترجمة لا تكشف عن معنى ثابت وموجود مسبقًا خلف الكلمات، وإنما تقوم على بناء فرضيات حول ما يقوله المتكلم الآخر، اعتمادًا على استجاباته ومواقفه والظروف التي يتكلم فيها. ولهذا يستعين المترجم بالجمل المناسباتية أو الظرفية، والجمل الدائمة، والجمل الملاحظة، من أجل بناء علاقة بين العبارات في اللغة المجهولة والعبارات في اللغة المعروفة.
وتكتسب الجملة الملاحظة والجملة المناسباتية أهمية خاصة هنا. فالجملة المناسباتية، مثل «إنها تمطر»، لا تكون صادقة أو كاذبة بصورة مطلقة، وإنما تتوقف على المناسبة والظرف الذي قيلت فيه. أما الجمل الدائمة، مثل «باريس توجد في فرنسا»، فلا يتوقف صدقها على المناسبة التي قيلت فيها. وتتيح الجمل الملاحظة والظروف المصاحبة لها للمترجم أن يستدل على الطريقة التي ترتبط بها العبارات بالمثيرات وباستجابات المتكلمين.
وعليه، يمكن تلخيص التحول الذي يحدثه كواين في نظرية المعنى في الانتقال من البحث عن معنى قائم بذاته إلى البحث عن شروط استعمال التعبير اللغوي. فالدلالة ليست شيئًا معطى بصورة مسبقة، وليست جوهرًا تختزنه الكلمات، وإنما تتشكل من خلال السياق، ومن خلال استعدادات المتخاطبين وعادات استجاباتهم للمنبهات والعبارات اللغوية. وهذا هو ما يجعل المعنى، في النهاية، مرتبطًا بالممارسة اللغوية وليس بكيان ميتافيزيقي مستقل عنها. وهذه الصياغة تنسجم مع الخيط الناظم الذي يجمع في المادة بين وهم الدلالة، ونقد الجوهر، والأساس الأمبريقي للدلالة، واكتساب اللغة، واستعمالها، ثم الترجمة بوصفها نموذجًا لفهمها.
وبذلك لا يكون كواين قد أنكر الدلالة (signification) بقدر ما رفض تحويلها إلى وحدة ثابتة ومشتركة تتجاوز كل اختلاف لغوي وسياقي. فالمشكلة ليست في أن اللغة ترتبط بالعالم أو بأن الكلمات تستعمل للإشارة إلى الأشياء، وإنما في الانتقال غير المشروع من هذا الارتباط العملي إلى افتراض وجود «معنى» مستقل يفسر هذا الارتباط. ومن هنا فإن «وهم الدلالة» هو، في جوهره، وهم الاعتقاد بأن وراء الاستعمالات اللغوية المتعددة كيانًا دلاليًا ثابتًا يمكن اكتشافه كما نكتشف جوهر الأشياء.
*المرجع المعتمد في المادة:*
Quine, Willard Van Orman, Le Mythe de la signification, cité dans La philosophie analytique, Éditions de Minuit, Paris, 1990.
خصوصًا الصفحات 139–154.