2026 مارس 25 - تم تعديله في [التاريخ]

"كلام عابر": تحول النص والمعنى والوجود في الهيرمينوطيقا والتأويل عند بول ريكور


العلم - د. لحسن الياسميني

أنهيت أخيرًا ترجمة كتاب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: خمس دراسات هيرمينوطيقية  (Paul Ricoeur) Cinq études’herméneutiques:  الصادر عن دار النشر Labor et Fides بسويسرا سنة 2013، ولم أترك الفرصة تمر دون تسجيل بعض الملاحظات حول هذه الدراسة المهمة في مجال التأويل والهيرمينوطيقا، وكذلك إلقاء نظرة عامة على مفهوم التأويل ومفهوم الهيرمينوطيقا والتمييز الذي يقيمه ريكور بينهما، رغم أن كثيرًا من الدارسين يخلط بين المفهومين ويعتبر الهيرمينوطيقا مجرد تأويل للنصوص، في حين أن العلاقة بينهما أعمق وأكثر تعقيدًا من هذا التبسيط.

ترتبط الهيرمينوطيقا في جذورها التاريخية بالفلسفة اليونانية القديمة، حيث ارتبطت بفعل التفسير والشرح، خاصة تفسير النصوص الشعرية والدينية، ويعود أصل الكلمة إلى الفعل اليوناني hermeneuein  الذي يعني يفسر أو يوضح أو يترجم، ويرتبط اسمها بالإله هرمس Hermes  الذي  كان رسول الآلهة ومترجم رسائلها إلى البشر. وقد استُخدمت الهيرمينوطيقا في العصور القديمة والوسطى أساسًا لتفسير النصوص الدينية، خاصة الكتاب المقدس، حيث كان الهدف هو فهم المعنى الظاهر والمعنى الباطن للنصوص الدينية، وهو ما أدى إلى ظهور التفسير الرمزي والتفسير المجازي للنصوص.

تطورت الهيرمينوطيقا في العصر الحديث مع الفيلسوف الألماني فريدريش شلايرماخر (Friedrich Schleiermacher)، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للهيرمينوطيقا الحديثة، حيث حاول أن يؤسس علمًا عامًا للفهم لا يقتصر على تفسير النصوص الدينية فقط، بل يشمل كل النصوص اللغوية. ويرى شلايرماخر أن فهم النص لا يقتصر على فهم الكلمات، بل يتطلب إعادة بناء العملية الذهنية للمؤلف، أي إعادة إنتاج الفعل الفكري الذي أدى إلى كتابة النص. ويؤكد أن الفهم يتحقق عبر حركة دائرية بين فهم الجزء وفهم الكل، وهو ما عرف لاحقًا بالدائرة الهيرمينوطيقية، حيث لا يمكن فهم الجزء إلا من خلال الكل، ولا يمكن فهم الكل إلا من خلال الجزء.

يوسع بعد ذلك الفيلسوف الألماني فيلهلم ديلتاي (Wilhelm Dilthey) مفهوم الهيرمينوطيقا عندما يميز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، حيث يرى أن العلوم الطبيعية تقوم على التفسير السببي، بينما تقوم العلوم الإنسانية على الفهم، لأن موضوعها هو الإنسان والتاريخ والثقافة. ويرى ديلتاي أن فهم النصوص التاريخية والأدبية يقتضي إعادة بناء التجربة الإنسانية التي أنتجت النص، أي أن الفهم هو إعادة إنتاج الحياة النفسية والتاريخية للإنسان. ومن هنا أصبحت الهيرمينوطيقا عند ديلتاي منهجًا لفهم التاريخ والثقافة والحياة الإنسانية، وليس مجرد تفسير لغوي للنصوص.

تتحول الهيرمينوطيقا تحولًا فلسفيًا عميقًا مع الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (Martin Heidegger) في كتاب الوجود والزمان  Sein und Zeit، حيث لم تعد الهيرمينوطيقا منهجًا لتفسير النصوص فقط، بل أصبحت فلسفة للوجود الإنساني نفسه، لأن الإنسان، في نظر هايدغر، كائن يفهم العالم قبل أن يفسره علميًا. ويرى أن الفهم ليس نشاطًا معرفيًا فقط، بل هو طريقة وجود الإنسان في العالم، وأن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي المجال الذي يظهر فيه معنى الوجود.

يطور بعد ذلك الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير (Hans-Georg Gadamer) هذا التصور في كتاب الحقيقة والمنهج  Wahrheit und Methode، حيث يرى أن الفهم ليس إعادة بناء نية المؤلف، بل هو حوار تاريخي بين القارئ والنص، حيث يلتقي أفق القارئ بأفق النص داخل ما يسميه اندماج الآفاق. ويعني ذلك أن كل قراءة هي قراءة تاريخية، لأن القارئ ينتمي إلى زمن مختلف عن زمن النص، ومع ذلك يستطيع فهمه عبر الحوار التأويلي. ومن هنا يصبح الفهم عملية تاريخية مستمرة، وليس عملية إعادة بناء الماضي فقط.

يحاول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur) في كتاب Cinq études d’herméneutique أن يبني فلسفة للتأويل تجمع بين هذه الاتجاهات المختلفة، حيث لا يختزل التأويل في نية المؤلف كما عند شلايرماخر، ولا في التجربة التاريخية فقط كما عند ديلتاي، ولا في أنطولوجيا الوجود كما عند هايدغر، ولا في الحوار التاريخي فقط كما عند غادامير، بل يحاول بناء فلسفة للنص تقوم على استقلال النص عن مؤلفه وعلى انفتاح النص على قراءات متعددة.

يناقش ريكور في هذا السياق مسألة استقلال النص عن مؤلفه، وهي الفكرة التي اشتهر بها الناقد الفرنسي رولان بارث: موت المؤلف (Roland Barthes) في مقاله La mort de l’auteur، حيث يرى بارث أن النص لا يحمل معنى واحدًا مرتبطًا بنية المؤلف، بل هو نسيج من الاقتباسات الثقافية، وأن القارئ هو الذي يمنح النص معناه. ومع ذلك، لا يقبل ريكور القطيعة الكاملة مع المؤلف، بل يحاول التوفيق بين استقلال النص والسياق التاريخي الذي أنتجه.

يرى ريكور أن النص الأدبي لا يعكس الواقع فقط، بل يفتح عالماً ممكناً أمام القارئ، أي أن الأدب يعيد تشكيل الواقع من خلال الخيال واللغة والسرد. فالنص الأدبي، في نظره، لا يصف العالم كما هو، بل يقترح طرقًا جديدة لفهم العالم والذات، ولهذا تصبح القراءة تجربة وجودية تغير فهم الإنسان لنفسه وللعالم.

يظهر من خلال هذا المسار الفلسفي أن مشروع ريكور ليس قطيعة مع الهيرمينوطيقا السابقة، بل هو تركيب بين هيرمينوطيقا شلايرماخر النفسية، وهيرمينوطيقا ديلتاي التاريخية، وهيرمينوطيقا غادامير الفلسفية، وأنطولوجيا هايدغر، وفلسفة التاريخ عند هيغل. ولذلك يمكن القول إن ريكور كان فيلسوف تركيب أكثر منه فيلسوف تأسيس، إذ أعاد تنظيم التراث الهيرمينوطيقي داخل فلسفة للنص والرمز والسرد والهوية.

ينتهي هذا التحليل إلى اعتبار الهيرمينوطيقا عند ريكور فلسفة للإنسان قبل أن تكون منهجًا لتفسير النصوص، لأن الإنسان يعيش داخل عالم من الرموز والنصوص والتقاليد، ولا يستطيع فهم نفسه إلا عبر تأويل هذه الرموز. وبذلك يصبح التأويل ليس نشاطًا لغويًا فقط، بل نشاطًا وجوديًا وتاريخيًا وثقافيًا يربط النص بالذات والعالم والتاريخ، ويجعل من القراءة فعلًا لفهم الإنسان لذاته من خلال اللغة والنصوص والتاريخ.



في نفس الركن