*بقلم: الدكتور لحسن الياسميني*
حقيقة الخطاب ليست معنى معطى قبلياً، كما قد يتبادر إلى الذهن لأول مرة، وكأن العلاقة بين الأسماء والكلمات من جهة، والموضوعات الشيئية أو المسميات من جهة ثانية، هي علاقة قائمة، بل إن هذه الحقيقة تولد حال نشوء العلاقة التخاطبية بين المتكلم والسامع.
يقول محي الدين ابن عربي: «مخاطِب خاطب غيره بحكم الكتاب، فقامت حقيقة المخاطِب في ذات المخاطَب صورةً تعطي ولا تخطئ. فمتى مال المخاطِب ذرةً عن حقيقة إياه، تغيرت حقيقة سواه، فظهر منحرفاً عن الكتاب، فوقع الإنكار في الجواب، فحصل الخلاف والجدل، وسقط القول والعمل لتغيّر الحقيقتين المطلوبتين في الاثنين، التي هي غاية المخاطبين. فانحرف الثاني لانحراف المقدَّم، فإن تكافآ في الانحراف سقط الإنصاف، والذي ترك هواه عاد إلى إياه، فارتفع الخلاف بالخلاف».
(محيي الدين بن عربي، شجون المسجون وفنون المفتون، دار سعد للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1999، ص. 116.)
ومعنى هذا القول أنه عندما يخاطب متكلم مخاطباً آخر بحقيقة من الحقائق، فإن هذه الحقيقة التي ينطق بها المتكلم ترتسم في ذهن المخاطَب وفي خاطره، فتعطي صورة عن حقيقة ما يريده المتكلم إبلاغه، لكن متى حاد المتكلم عن نفسه ولو مقدار ذرة، وعن حقيقة ما ينطق به، تغيرت الحقيقة عند المتكلم، فظهر المتكلم منحرفاً عن الحقيقة التي يريد إبلاغها، ومن ثم يقع الإنكار في الجواب عند المخاطَب، فيحصل الخلاف بينهما، ويحصل الجدل، وتضيع الحقيقة، ويسقط القول والعمل؛ لأن الحقيقة عند المتكلم والمخاطَب قد تغيرت، وهي الحقيقة المطلوبة عند الاثنين.
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور طه عبد الرحمن عن نشوء الحقيقة بين المتخاطبين ما يلي: «فما تكلم أحد إلا وأشرك معه المخاطَب في إنشاء كلامه، كما لو كان يسمع كلامه بأذن غيره، وكأن الغير ينطق بلسانه، فيكون بذلك إنشاء الكلام من لدن المتكلم، وفهمه من لدن المخاطب عمليتين لا انفصال لإحداهما عن الأخرى. بل ما إن يشرع المتكلم في النطق حتى يقاسمه المخاطَب دلالته، لأن هذه الدلالة التخاطبية لا تنزل ألفاظها على السامع نزول المعنى على المفردات في المعجم، وإنما تنشأ وتتكاثر وتتقلب وتتعرف من خلال العلاقة التخاطبية، متجهة شيئاً فشيئاً إلى تحصيل الاتفاق عليها بين المتكلم ونظيره المخاطَب، بعد أن تكون قد تدرجت في مجاوزة اختلاف مقتضيات مقاميهما، واختلاف طرق عقدهما للدلالات».
(طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، 2014، ص. 50.)
وفي ذات السياق، يخلص روبرت براندوم إلى القول بأن معنى جملة ما يتوقف على المتكلم والسامع معاً. ففي رأيه أن مضمون، أو معنى جملة ما عند المتكلم شيء، لكنه قد يعني عند متكلم آخر شيئاً آخر، فالتخاطب هو الذي يذيب هذا التباعد بين المتكلم والمخاطَب في العلاقة التخاطبية الرامية إلى التبليغ.
(لحسن الياسميني، معيارية المعرفة واتباع القواعد عند مدرسة بيتسبورغ وروبرت براندوم، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، الرباط، جامعة محمد الخامس، 4 نوفمبر 2022.)