حين تفقد المصادفة براءتها وعذريتها
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
قد تكون المصادفة واردة في السياسة، كما هي واردة في الإعلام. وقد تتشابه المواقف أحيانًا دون أن يجمع بينها تنسيق أو اتفاق مسبق. لكن حين يتكرر المشهد بالكيفية نفسها، وتتقاطع الأزمنة ذاتها، وتُستدعى الملفات نفسها، وتعود المنابر ذاتها، وتُعاد صياغة الاتهامات المفضوحة نفسها كلما اقترب المغرب من محطة وطنية كبرى أو حقق مكسبًا دبلوماسيًا أو اقتصاديًا أو رياضيًا، فإن الأمر لا يعود مجرد تزامن عابر، بل يصبح ظاهرة تستحق الرصد والتحليل والتفكير.
هذا ما يعيشه المغرب خلال الأشهر الأخيرة. وعلى المغاربة أن يدركوا أن الأمر لا يعدو أن يكون مخططا لاستهداف أمن واستقرار بلدهم. فبقدر ما تتسارع وتيرة الأوراش الكبرى، وتتوسع دائرة الشراكات الدولية، وتسير المملكة في اتجاه إنهاء ملف الصحراء المغربية، وإجهاض كل مخططات الخصوم والانفصاليين والخونة. ويقترب موعد الاحتفال بعيد العرش المجيد، بقدر ما ترتفع في المقابل حدة ضجيج يسعى إلى تقديم المملكة في صورة مغايرة، عبر إعادة إحياء ملفات مزيفة قديمة، أو تضخيم وقائع معزولة، أو إنتاج روايات تُبنى في كثير من الأحيان على الانتقاء و التحوير و التأويل أكثر مما تُبنى على الإحاطة الكاملة بالوقائع و النزاهة في السرد و الحكاية و التحرير.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض النقد أو التضييق على حرية التعبير، فالمغرب ليس استثناءً من الدول التي تُناقش سياساتها العمومية وتُنتقد اختياراتها. كما أن أي دولة تحترم نفسها مطالبة بالإنصات إلى النقد الجاد والاستفادة منه. لكن هناك فرقًا واضحًا بين النقد الذي يبحث عن الإصلاح، وبين خطاب يقوم على التشهير، أو يعيد تدوير الاتهامات الباطلة في كل مرة يحقق فيها المغرب تقدمًا على أكثر من واجهة.
لقد أصبح من اللافت أن بعض المنابر والحسابات والمنصات المأجورة لا تستحضر المغرب إلا عند البحث عن مادة مثيرة للجدل، أو عند اقتراب مناسبة وطنية ذات حمولة رمزية كبيرة، أو عندما ينجح في تعزيز موقعه الإقليمي والدولي. وكأن إنجازاته لا تستحق الاهتمام، بينما تُمنح الأولوية لكل رواية يمكن أن تثير الشكوك أو تغذي الانطباعات السلبية أو تشوش على صورة المملكة في الخارج.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن هذا المحتوى لا يقتصر على نقل الأخبار أو عرض وجهات نظر مختلفة، وإنما يتجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى صناعة سردية متكاملة، تُبنى على التكرار، واستدعاء الملفات ذاتها، وربط أحداث متفرقة بخيط واحد، بما يوحي للمتلقي بأن المغرب يعيش أزمة دائمة، وأن مؤسساته فاقدة للمصداقية، رغم أن الواقع الميداني، ومسار العلاقات الدولية، وحجم الاستثمارات، والمواقف الرسمية لعدد متزايد من الدول، تقدم صورة أكثر تعقيدًا وتوازنًا.
ومن حق أي متابع أن يتساءل: لماذا تتكثف هذه الحملات كلما اقترب عيد العرش؟ ولماذا تعود بعض الملفات الزائفة إلى الواجهة في اللحظة نفسها التي يحقق فيها المغرب مكاسب دبلوماسية أو اقتصادية جديدة؟ وهل نحن أمام مجرد مصادفات متكررة، أم أمام استثمار سياسي وإعلامي في توقيت محسوب؟ إنها أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالشعارات، بل بالرصد، والتحليل، ومقارنة الوقائع، وقراءة السياقات.
عيد العرش... أكثر من مناسبة وطنية
من يختزل عيد العرش في احتفال بروتوكولي لا يدرك مكانته في الوعي الجماعي للمغاربة. فهو ليس مجرد موعد رسمي، وإنما مناسبة وطنية تجدد فيها الأمة ارتباطها بثوابتها، وتستحضر مسار دولة استطاعت، عبر قرون، أن تحافظ على استمراريتها ومؤسساتها، رغم التحولات التي عرفها العالم.
ولهذا، فإن أي محاولة للتشويش على هذه المناسبة لا تُقرأ فقط باعتبارها نقاشًا حول حدث سنوي، بل يراها كثير من المغاربة استهدافًا لرمزية مؤسسة تشكل، في نظرهم، أحد أعمدة استقرار الدولة ووحدتها واستمرارها. ومن هنا تكتسب الحملات التي تتزامن مع هذه المناسبة دلالات سياسية وإعلامية تتجاوز مضمونها المباشر.
ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول السياسات والاختيارات، لكن من غير الطبيعي أن يتحول كل اقتراب من عيد العرش إلى موسم لإعادة تدوير الاتهامات، وكأن هناك من يرفض أن تمر هذه المناسبة في أجواء يطغى عليها الحديث عن المنجزات، أو تقييم الأوراش الكبرى، أو استحضار المكاسب التي راكمتها المملكة خلال الفترة الأخيرة.
الارتزاق يوحد أعداء المغرب لضرب كل نجاح
من يتابع ما يجري خلال الأشهر الأخيرة يصعب عليه أن يتجاهل مفارقة لافتة؛ فكلما أعلن المغرب عن خطوة جديدة في مسار تعزيز حضوره الدولي، أو اقترب من توقيع شراكة استراتيجية، أو راكم دعماً إضافياً لقضيته الوطنية الأولى، أو استعد للاحتفال بعيد العرش، عاد إلى الواجهة الخطاب نفسه، والملفات نفسها، والاتهامات نفسها، وكأن هناك من لا يرى في المغرب إلا ما يريد أن يراه، ولا يبحث إلا عما يمكن أن يعكر صورته أو يشوش على منجزاته.
ولم يعد الأمر مقتصراً على تقارير صحفية أو تدوينات متفرقة، بل أصبح يمتد إلى حملات رقمية متزامنة، تتبادل فيها بعض المنابر والمواقع والحسابات المضامين نفسها، وتعيد نشر الروايات ذاتها، وتستعمل العناوين نفسها، حتى يكاد المتلقي يعتقد أنه أمام غرفة تحرير واحدة، لا أمام مؤسسات إعلامية يفترض أن لكل واحدة منها استقلاليتها وخطها التحريري.
وليس المطلوب هنا اتهام الجميع أو وضع كل وسائل الإعلام في سلة واحدة، فهناك صحافة مهنية تحترم أخلاقيات المهنة، وهناك صحفيون يمارسون النقد المسؤول، وهناك مؤسسات إعلامية تقدم معالجات متوازنة. لكن، في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل وجود محتوى أصبح يعيش على الإثارة، ويقتات من إعادة تدوير الملفات، ويبحث عن أكبر قدر من الضجيج، ولو كان ذلك على حساب الدقة والإنصاف واحترام قواعد العمل الصحفيز
لقد عادت خلال الفترة الأخيرة ملفات ظن كثيرون أنها استنفدت كل ما يمكن أن يقال فيها، لتطرح من جديد بالصياغة نفسها تقريباً، ومن دون معطيات جديدة أو أحكام قضائية أو وثائق حاسمة تغير ما كان معروفاً. وكأن الهدف لم يعد البحث عن الحقيقة، بل إبقاء تلك الملفات حية في الذاكرة الجماعية، واستعمالها كلما اقتضت الظرفية السياسية أو الإعلامية ذلك.
الصحراء المغربية... كل تقدم دبلوماسي يقابله تصعيد إعلامي مأجور
لعل أكثر الملفات التي تكشف هذا الواقع هو ملف الصحراء المغربية. فكلما حققت المملكة تقدماً دبلوماسياً جديداً، أو تعزز التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، أو صدرت مواقف رسمية داعمة لمغربية الصحراء، أو توسعت دائرة الشراكات الدولية بالأقاليم الجنوبية، ارتفعت في المقابل وتيرة الخطاب المضاد، وعادت بعض المنابر إلى استحضار الرواية نفسها، متجاهلة كثيراً من التحولات التي يعرفها هذا الملف على المستويين السياسي والدبلوماسي.
إن من حق أي جهة أن تدافع عن موقفها السياسي، لكن ليس من حقها أن تتجاهل الوقائع الجديدة، أو أن تقدم للرأي العام صورة ناقصة، أو أن تتعامل مع النزاع وكأنه لم يعرف أي تطور خلال السنوات الأخيرة. فالمهنية تقتضي نقل جميع المعطيات، لا اختيار ما يخدم رواية واحدة وإقصاء كل ما يخالفها.
استهداف المؤسسة الملكية... استهداف لرمزية الدولة
ومن الملاحظ أيضاً أن المؤسسة الملكية أصبحت، في كثير من هذه الحملات، هدفاً مباشراً أو غير مباشر، رغم أنها تمثل بالنسبة للمغاربة أكثر من مجرد مؤسسة دستورية. فهي رمز لاستمرارية الدولة، وضامن لوحدتها، وقائد لأبرز التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة في مجالات التنمية، والدبلوماسية، والاستثمار، والبنيات التحتية، والشراكات الدولية
ولذلك، فإن التركيز المتكرر على شخص الملك أو على المؤسسة الملكية، كلما اقترب عيد العرش أو تحقق إنجاز وطني مهم، لا يمكن عزله عن محاولة التشويش على رمز يحظى بمكانة خاصة داخل المجتمع المغربي.
وهذا لا يمنع من مناقشة السياسات العمومية أو تقييم الاختيارات الوطنية، لكنه يفرض في المقابل احترام الحقيقة، والابتعاد عن الشخصنة، وعدم تحويل النقاش العمومي إلى حملات تستهدف الرموز والمؤسسات.
في زمن الذكاء الاصطناعي... أصبح الكذب أكثر سرعة من الحقيقة
لقد تغيرت طبيعة المعارك الإعلامية. فلم تعد تحتاج إلى مطابع ضخمة أو قنوات تلفزية عابرة للقارات، بل أصبحت تُدار أحياناً من خلف شاشات صغيرة أو هواتف ذكية، باستعمال حسابات مجهولة، وصور وفيديوهات مقتطعة، ومقاطع خارج سياقها، وتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج محتوى يبدو مقنعاً للوهلة الأولى، قبل أن يتبين لاحقاً أنه مضلل أو ناقص أو مفبرك.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمعركة لم تعد فقط معركة خبر، بل أصبحت معركة انطباع. وما يُزرع في ذهن المتلقي خلال دقائق قد يحتاج إلى أشهر أو سنوات لتصحيحه، خصوصاً عندما يتكفل آلاف الحسابات بإعادة نشر المحتوى نفسه، حتى يبدو وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
لهذا، فإن حماية صورة المغرب لم تعد مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبحت مسؤولية الإعلام الوطني، والجامعة، والباحث، والمجتمع المدني، والمواطن الواعي، لأن معركة الصورة والفيديو والتحرير ..لا تقل أهمية اليوم عن معارك الاقتصاد والدبلوماسية والاستثمار.
مؤسف: الإعلام الوطني ينتظر الضربة ليفكر في الرد
وأمام هذا الواقع، لا يجوز أن ينصب اهتمامنا كله على من يهاجم المغرب، بينما نتجاهل سؤالًا أكثر أهمية: هل قمنا نحن بما يكفي لحماية صورة وطننا والدفاع عنها؟
الجواب، بكل صراحة، هو أن المغرب، رغم ما حققه من مكاسب سياسية ودبلوماسية واقتصادية وتنموية خلال السنوات الأخيرة، لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذه المكاسب إلى قوة إعلامية قادرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة، وبأدواته الحديثة، وبمنطق الأرقام والوثائق والوقائع.
نفتقد إلى الدبلوماسية الإعلامية التي تمكننا من الترافع عن الهوية المغربية والدفاع عن الوحدة الترابية ورموز المملكة وما يتم تحقيقه في كل المجالات وطنيا، عربيا، افريقيا ودوليا..
للأسف لا يزال جزء مهم من إعلامنا الوطني يتحرك بمنطق رد الفعل، فينتظر انتشار الإشاعة حتى يبدأ في نفيها، وينتظر خروج التقرير حتى يكتب الرد عليه، وينتظر اتساع دائرة التشهير حتى يبدأ في البحث عن الوثائق المضادة. وفي كثير من الأحيان يكون الرأي العام الدولي قد كوّن انطباعه، وأصبحت الرواية الأولى أكثر رسوخًا من الحقيقة نفسها.
إن المعارك الإعلامية الحديثة لا تُربح بسرعة الرد فقط، بل تُربح بالاستباق، وبإنتاج المعرفة، وبامتلاك قواعد البيانات، وبالتحقيقات الاستقصائية، وبالحضور داخل المنصات الدولية، وبالقدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغته وثقافته ومنطقه.
فما الفائدة من كتابة عشرات المقالات باللغة العربية إذا كانت الحملات تستهدف أساسًا القارئ الفرنسي أو الإسباني أو الإنجليزي أو الأمريكي؟ وما جدوى الردود المحلية إذا كان الاتهام قد انتشر أصلًا في الإعلام الدولي ومنصات التواصل العالمية؟
إن المغرب بحاجة إلى إعلام هجومي بالمفهوم المهني للكلمة؛ إعلام لا ينتظر الاتهامات حتى يرد عليها، بل يصنع المبادرة، ويقدم الحقائق قبل أن يصنع الآخرون الأكاذيب، ويكشف التناقضات بالأدلة، ويقدم النموذج المغربي كما هو، بإنجازاته واختلالاته، دون مبالغة في التمجيد ولا استسلام لحملات التشويه.
نريد من المجلس الوطني للصحافة أن يحدث منصة إعلامية للترافع والدفاع عن المملكة وثوابتها ورموزها ومكتسباتها.
المجتمع المدني... الدبلوماسية الموازية الغائبة
ولا تقل مسؤولية المجتمع المدني عن مسؤولية الإعلام. فالعالم تغير، وأصبحت الجمعيات، ومراكز التفكير، والجامعات، والباحثون، والحقوقيون، ورجال الأعمال، والفنانون، والرياضيون، والجالية المغربية بالخارج، جميعهم جزءًا من الدبلوماسية الموازية التي تؤثر في صناعة الصورة الدولية للدول.
لكن المؤسف أن هذا الحضور المغربي لا يزال محدودًا، ومتقطعًا، وموسميًا في كثير من الأحيان. فبمجرد انتهاء ندوة أو مؤتمر أو مناسبة وطنية، يعود الصمت، بينما يواصل الآخرون العمل ليل نهار داخل الجامعات الأجنبية، ومراكز القرار، والمنظمات الدولية، والمنصات الرقمية، ووسائل الإعلام المؤثرة.
لقد أصبح الدفاع عن الوحدة الترابية، وعن صورة المغرب، وعن نموذجه التنموي، وعن مؤسساته، يحتاج إلى عمل علمي ومهني دائم، وليس إلى ردود فعل موسمية أو بيانات ظرفية.
نريد دبلوماسية أكاديمية وأخرى طلابية داخل الجامعات المغربية، ونريد دبلوماسية تلاميذية داخل المؤسسات التعليمية بمختلف أسلاكها. ونري دبلوماسية نقابية وحقوقية وحزبية وسياسية... نريد أن يتحول الكل إلي سفراء لبلدهم داخل وخارج المملكة.
فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُربح بالشعارات وحدها، بل بالبحث، والتوثيق، والترجمة، والإقناع، والحضور المستمر داخل الفضاءات التي تُصنع فيها مواقف الرأي العام الدولي.
الوطن لا يحميه الانفعال... بل تحميه قوة الحقيقة
قد تستمر حملات التشهير، وقد تتغير عناوينها ووسائلها، وقد تظهر في كل مرة وجوه جديدة تحمل الخطاب نفسه، لكن ذلك لن يغير حقيقة أساسية، وهي أن صورة الدول لا تُبنى بمنشور على منصة رقمية، ولا تُهدم بتقرير صحفي أو فيديو قصير، وإنما تُبنى بما تحققه على أرض الواقع من استقرار، وتنمية، ومؤسسات قوية، وعلاقات دولية متوازنة، وثقة يكتسبها الوطن يومًا بعد يوم. ووحدة قوية ومتينة بين كل مكوناتها.
إن المغرب، وهو يستعد للاحتفال بعيد العرش المجيد، لا يحتاج إلى الانشغال بكل ضجيج يُثار حوله، بقدر ما يحتاج إلى تحويل هذا الضجيج إلى حافز لمزيد من اليقظة والعمل، وإلى الاستثمار في إعلام وطني قوي، قادر على أن يكون شريكًا في حماية المصالح العليا للمملكة، لا مجرد متفرج على ما يُكتب عنها.
كما يحتاج إلى مجتمع مدني أكثر حضورًا في معارك الترافع، وإلى نخب أكاديمية وثقافية وإعلامية تدرك أن الدفاع عن الوطن لا يبدأ عند وقوع الأزمة، بل يبدأ قبلها، ببناء المعرفة، وصناعة الصورة، وكسب ثقة الرأي العام، وتقديم الحقائق بلغات العالم، وبالوسائل التي يفهمها العالم.
إن عيد العرش سيظل، كما كان دائمًا، مناسبة وطنية لتجديد أواصر البيعة والوفاء بين العرش والشعب، واستحضار ما تحقق من منجزات، ومساءلة ما يحتاج إلى إصلاح، واستشراف ما ينتظر المغرب من تحديات وآفاق.
أما الذين يختارون كل سنة تقريبًا أن يجعلوا من هذه المناسبة موسمًا لإعادة تدوير الاتهامات، أو مناسبة لإثارة الضجيج الإعلامي، فإن أفضل رد عليهم لن يكون بالسباب ولا بالانفعال، وإنما بدولة تواصل البناء، ومؤسسات تواصل العمل، وإعلام يسبق الإشاعة بالحقيقة، وقضاء يحمي الحقوق، ومجتمع يؤمن بوطنه، ويثق في قدرته على مواجهة حملات التشويه بالوثيقة، والعقل، والقانون.
فالأوطان لا تُهزم بكثرة ما يُقال عنها، وإنما قد تُهزم إذا عجز أبناؤها عن الدفاع عنها بالعلم، والمعرفة، والاحتراف، والعمل المتواصل.
وهذه، في تقديري، هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها المغرب اليوم: أن يجعل من الحقيقة أقوى من الإشاعة، ومن المعلومة أدق من الدعاية، ومن قوة مؤسساته وإنجازاته الجواب الأكثر إقناعًا على كل من يحاول أن يحول نجاحاته إلى مواسم للتشهير، أو مناسبات للتشويش، أو أدوات للتأثير في صورته ومكانته بين الأمم.
من المستفيد من محاولة تشويه صورة المغرب؟
في عالم السياسة لا يكفي أحيانًا تتبع الأحداث، بل يصبح من الضروري قراءة تزامنها وسياقاتها. وخلال الأشهر الأخيرة، تزامنت موجات من الجدل الإعلامي حول المغرب مع لحظات شهدت فيها المملكة تحركات دبلوماسية واقتصادية مهمة، وتعزيزًا لشراكاتها الدولية، وتواصلًا للدعم الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب الاستعدادات المتواصلة لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها احتفالات عيد العرش ومشاريع مرتبطة بمونديال 2030.
وهذا التزامن يطرح، في نظر كثير من المتابعين، أسئلة سياسية مشروعة: هل هو مجرد انعكاس للاهتمام الإخباري؟ أم أن نجاح المغرب يجعله أكثر عرضة للتدقيق والجدل والتشكيك؟ أم أن بعض الفاعلين يجدون في كل محطة مفصلية فرصة لإعادة طرح ملفات رخيصة سبق تداولها على نطاق واسع؟
لن نحتاج إلى البحث والتنقيب من أجل الرد على هذه الأسئلة، لأن محور الشر المجند من طرف العالم الآخر، وكل من يتغذون من نفط وغاز الأشقاء داخله. لم يعودوا يشتغلون في السر، بعد أن افتضحت مخططاتهم وأجهضت محاولاتهم اليائسة لضرب أمن واستقرار المغرب.
المؤكد أن المعركة أصبحت جزءًا من التنافس غير الشريف بين الدول، وأن الرواية الرقمية باتت السلاح الأول، لأنها تؤثر في الانطباعات العامة، وفي مناخ الاستثمار، وفي الثقة، وفي كيفية قراءة التحولات الجيوسياسية. ولهذا فإن التعامل مع هذه الحملات لا ينبغي أن يكون بردود فعل انفعالية، بل ببناء خطاب إعلامي مهني، وتوفير المعلومة الدقيقة، والاستمرار في تقوية المؤسسات، لأن الحقائق المتماسكة تبقى أكثر قدرة على الصمود من الضجيج العابر.
المغرب لا يخشى الحقيقة... بل ينتصر بها
قد تستمر حملات التشهير، وقد تتبدل عناوينها، وتتغير وجوه أصحابها، وتتنوع المنصات التي تتبناها، لكن شيئًا واحدًا يبقى ثابتًا: المغرب لم يكن يومًا دولة تُقاس بمنشور على منصة رقمية، أو بعنوان مثير في صحيفة، أو بمقطع فيديو يُصنع على عجل بحثًا عن نسب المشاهدة. إنه دولة عريقة، بمؤسساتها، وتاريخها، ورصيدها الحضاري، وخياراتها الاستراتيجية، وموقعها الإقليمي والدولي، وبقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى محطات جديدة للبناء.
غير أن قوة الدولة، مهما بلغت، لا تعفيها من واجب حماية صورتها، ولا تعفي إعلامها، وجامعاتها، ومراكز أبحاثها، ومجتمعها المدني، وكفاءاتها داخل الوطن وخارجه، من مسؤولية الترافع عن الحقيقة، وتقديم الرواية المغربية بلغة العصر، وبمنطق الحجة والوثيقة، وبالأرقام والوقائع، لا بالاكتفاء بردود الفعل المتأخرة.
لقد دخل العالم زمنًا أصبحت فيه معركة الصورة لا تقل أهمية عن معركة الاقتصاد، ولا تقل خطورة عن معركة الأمن، ولا تقل تأثيرًا عن معركة الدبلوماسية. ومن لا يمتلك روايته، سيجد غيره يكتبها عنه، ومن لا يحسن مخاطبة العالم، سيترك الآخرين يصوغون صورته وفق مصالحهم ورؤيتهم.
ولهذا، فإن الاحتفال بعيد العرش لا ينبغي أن يكون فقط مناسبة لاستحضار المنجزات، وإنما أيضًا لحظة وطنية لتقييم قدرتنا على حماية صورتنا، وتطوير إعلامنا، وتأهيل نخبنا، وتقوية دبلوماسيتنا الموازية، حتى يصبح الدفاع عن الوطن عملاً مؤسساتيًا متواصلًا، لا رد فعل ظرفيًا تفرضه حملات موسمية أو موجات تشهير عابرة.
سيظل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، ماضيًا في ترسيخ موقعه الإقليمي والدولي، ومواصلة أوراشه التنموية، والدفاع عن وحدته الترابية، وتوسيع شراكاته الاستراتيجية. وستظل هناك أصوات تؤيد، وأخرى تعارض، وثالثة تنتقد، وهذا أمر طبيعي في عالم السياسة والإعلام. لكن ما لا يمكن اعتباره طبيعيًا هو أن يتحول كل تقدم مغربي إلى مناسبة للتشكيك، وكل محطة وطنية إلى موسم لإعادة تدوير الاتهامات، وكل نجاح إلى مادة لحملات تحاول حجب ما يجري على أرض الواقع. فالضجيج قد يملأ الشاشات لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يمحو طريقًا شُيّد، أو ميناءً أُنجز، أو مدينةً تغيرت، أو شراكةً وُقعت، أو موقعًا دبلوماسيًا تعزز، أو اعترافًا دوليًا ترسخ.
إن أفضل رد على حملات التشهير ليس الانفعال، ولا الدخول في سباق مع كل إشاعة، ولا استنزاف الزمن في مطاردة كل حساب مجهول، بل بناء دولة أقوى، وإعلام أكثر مهنية، ومجتمع مدني أكثر حضورًا، ونخب أكثر قدرة على الترافع، ومؤسسات لا تترك فراغًا للمعلومة الكاذبة. فالوطن لا تحميه كثرة الشعارات، ولا تحصنه المبالغة في المديح، وإنما تحميه الحقيقة حين تُوثق، والمؤسسات حين تشتغل، والمواطن حين يعي، والإعلام حين يتحمل مسؤوليته.
وقد تنشط مصانع التشهير كلما اقترب عيد العرش، وقد تعيد تدوير الأكاذيب نفسها، وقد تبدل العناوين والوجوه والمنصات، لكنها لن تستطيع تغيير حقيقة واحدة: المغرب لا يتقدم بما يُقال عنه، ولا يتراجع بما يُكتب ضده؛ المغرب يتقدم بما يبنيه، وبما يراكمه، وبما ينجزه، وبالثقة التي تجمع عرشه بشعبه.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين المغرب ومن يهاجمه، بل بين الحقيقة والكذب، وبين العمل والضجيج، وبين دولة تبني مستقبلها ودباب رقمي ومنابر مشبوهة لا تملك سوى التشويش عليه. وفي هذه المعركة، قد يكون صوت الكذب على للحظة، لكن الحقيقة هي التي تبقى، والمغرب هو الذي يواصل المسير.