*العلم الإلكترونية: محمد اليطفتي*
ليس من قبيل المبالغة القول إن الشواطئ ليست مجرد فضاءات للترفيه والاستجمام، وإنما هي عنوان لمدى احترام المدينة لنفسها، ومقياس حقيقي لنجاعة المؤسسات المكلفة بتدبير الشأن المحلي. فحين يختل النظام داخل الفضاءات العمومية، وتتراجع النظافة، وتنتشر مظاهر العشوائية، فإن الأمر لا يتعلق بتفاصيل هامشية، بل بمؤشرات تستوجب الوقوف عندها بكل مسؤولية، لأن صورة المدينة تبنى من تفاصيلها اليومية قبل أن تبنى من مشاريعها الكبرى.
هذا هو الواقع الذي أصبح يطبع كورنيش طنجة خلال هذا الموسم الصيفي. فالمدينة التي تحولت، بفضل الرؤية الملكية المتبصرة، إلى قطب اقتصادي وصناعي وسياحي من الطراز الأول، والتي استقطبت استثمارات وطنية ودولية ضخمة، تجد نفسها أمام مشهد لا ينسجم إطلاقاً مع مكانتها. نفايات متناثرة في عدد من المواقع، انتشار غير منظم للباعة الجائلين، احتلالات عشوائية للفضاءات العمومية، واكتظاظ يفتقد إلى الحد الأدنى من التنظيم، في صورة تسيء إلى مدينة قدمت الدولة من أجلها استثمارات بمليارات الدراهم.
إن طنجة اليوم ليست مدينة عادية، بل أصبحت عنواناً لنجاح النموذج التنموي المغربي، وبوابة المملكة نحو أوروبا وإفريقيا، ووجهة تستقطب ملايين الزوار سنوياً. ولذلك، فإن أي اختلال في تدبير فضاءاتها العمومية لا يسيء إلى المدينة وحدها، بل ينعكس على صورة المغرب ككل.
ومن الإنصاف، قبل أي حديث عن مكامن الخلل، أن نشيد بالمجهودات الكبيرة التي تبذلها ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تحت القيادة الميدانية للسيد الوالي، الذي جعل من تتبع الأوراش الكبرى، وتحسين المشهد الحضري، والحفاظ على جاذبية المدينة، أولوية دائمة. فمن يتابع دينامية الولاية خلال السنوات الأخيرة يدرك حجم الحضور الميداني، وسرعة التفاعل مع مختلف القضايا، والحرص المستمر على مواكبة المشاريع التنموية التي غيرت وجه طنجة، وجعلتها واحدة من أكثر المدن المغربية دينامية.
لقد أثبتت الولاية، في أكثر من محطة، أنها تؤمن بأن التنمية ليست مجرد تشييد للبنيات التحتية، بل هي أيضاً جودة في الخدمات، وانضباط في الفضاء العام، واحترام للقانون، وتنسيق دائم بين مختلف المتدخلين. وهي مقاربة تستحق التقدير، لأنها تعكس فلسفة الدولة في تدبير المدن الكبرى.
غير أن هذا الجهد، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يبلغ غاياته كاملة إذا ظل التدبير الجماعي عاجزاً عن مواكبته بالوتيرة نفسها. فهنا يكمن جوهر الإشكال.
فالمجلس الجماعي لطنجة، وهو المؤسسة المنتخبة التي منحها القانون اختصاصات واضحة في مجالات النظافة، وتدبير الفضاءات العمومية، والمحافظة على الملك الجماعي، وتنظيم مختلف الأنشطة داخل المدينة، مطالب اليوم بتقديم حصيلة ميدانية تقنع المواطنين قبل أن تقنع المتابعين للشأن المحلي.
وأمام ما يعيشه كورنيش طنجة من اختلالات، يصبح من المشروع التساؤل: أين هي المقاربة الاستباقية؟ وأين هي برامج المراقبة اليومية؟ وأين هو التنسيق مع مختلف المتدخلين؟ وأين هي الإجراءات التي كان يفترض اتخاذها قبل بداية الموسم الصيفي، بدل انتظار تفاقم الوضع؟
إن المواطن لا يبحث عن تبادل الاختصاصات بين المؤسسات، ولا تعنيه النقاشات القانونية حول حدود مسؤولية هذا الطرف أو ذاك. ما يهمه هو أن يجد فضاءً عمومياً نظيفاً، ومنظماً، وآمناً، يحترم كرامته وحقه في الاستفادة من مرافق عمومية ذات جودة.
ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تتحول الواجهة البحرية لطنجة إلى سوق مفتوح للعشوائية، أو أن تصبح الأرصفة والممرات العمومية مجالاً للفوضى، في الوقت الذي تتوفر فيه المدينة على الإمكانيات البشرية واللوجستية الكفيلة بتجاوز هذه الاختلالات، متى توفرت الإرادة وحسن التدبير.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن هذه المظاهر تتكرر كل موسم، وكأنها أصبحت أمراً عادياً، رغم أن تدبير الموسم الصيفي ينبغي أن يخضع لبرامج دقيقة، وخطط استباقية، وتعبئة شاملة لمختلف المصالح، حتى تستقبل المدينة زوارها في أحسن الظروف.
لقد نجحت الدولة في بناء ميناء طنجة المتوسط، وفي تطوير شبكة الطرق، وتأهيل البنيات التحتية، وإنجاز مشاريع كبرى جعلت من طنجة نموذجاً وطنياً في التنمية. لكن الحفاظ على هذه المكتسبات يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من نظافة الشارع، وتنظيم الشاطئ، واحترام الملك العمومي، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
إن التنمية ليست بنايات شاهقة فقط، وإنما أيضاً قدرة المؤسسات المحلية على صيانة ما تحقق، وتحويل الاستثمار العمومي إلى جودة ملموسة في الحياة اليومية.
ومن هذا المنطلق، فإن المجلس الجماعي لطنجة مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة النظر في أولوياته، وتعزيز حضوره الميداني، وتفعيل آليات المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل مختلف المرافق التابعة لاختصاصه، لأن استمرار هذه الاختلالات لا يخدم صورة المدينة، ولا ينسجم مع حجم التطلعات التي يعقدها سكان طنجة على مؤسساتهم المنتخبة.
ولا شك أن المواطن الطنجي، الذي تابع خلال العقدين الأخيرين حجم التحولات الكبرى التي عرفتها مدينته، ينتظر من مجلسه الجماعي أن يكون في مستوى هذه الدينامية، وأن يتحول إلى شريك حقيقي في تنزيل الرؤية التنموية للدولة، لا أن يصبح مصدر انتقادات متكررة بسبب اختلالات يمكن معالجتها بالتدبير الجيد، واليقظة الميدانية، والقرار الحازم.
إن طنجة تستحق أكثر من ذلك. تستحق كورنيشاً يضاهي أجمل الواجهات البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وشاطئاً نظيفاً ومنظماً يليق بمدينة عالمية، ومجلساً جماعياً يواكب طموح الدولة، ويترجم انتظارات الساكنة إلى واقع ملموس.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول هذه الملاحظات إلى منطلق لتصحيح المسار، لأن نجاح طنجة ليس نجاح مؤسسة دون أخرى، بل هو نجاح وطن بأكمله. وإذا كانت ولاية الجهة تواصل القيام بأدوارها في التنسيق والمواكبة والحفاظ على الدينامية التنموية، فإن المجلس الجماعي مدعو اليوم إلى الارتقاء بأدائه، حتى تظل طنجة، كما أرادها جلالة الملك، مدينة للتميز، وعنواناً للحكامة، ونموذجاً للتنمية المستدامة، لا أن تُختزل صورتها في مشاهد كان بالإمكان تجنبها بحسن التدبير، وقوة الحضور، واستشعار حجم المسؤولية.