2022 يونيو/جوان 6 - تم تعديله في [التاريخ]

"كوشلر" يرصد من الرباط خطر التكنولوجيا على الإنسان

"التقنية والعلم في العالم المعاصر" موضوع محاضرة تخلد لذكرى الراحل المفكر "محمد سبيلا"


العلم الإلكترونية - أنس الشعرة

قدم الفيلسوف النمساوي "هانز كوشلر" محاضرة بعنوان: التقنية والعلم في العالم المعاصر، تخليدا للذكرى الأولى لوفاة الفيلسوف المغربي الراحل: "محمد سبيلا"، صباح يوم الأربعاء، برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية-باب الرواح- ، إذ عبر بداية عن اعتزازه بتواجدهِ في المغرب، وباحتضان شعبة الفلسفة بالرباط، لمداخلته في فضاء الكلية، وقد أوضح منذ البداية، أهمية هذا الموضوع في حياتنا المعاصرة، وأوعزَ إلى أن مهمة الفلسفة الآن نقد فلسفة التكنولوجيا، المتمثلة في التفكير في أصل الطبيعة وفي استخدام وتغيير الإنسان لها، آي فيما يتعلق بفهمِ الإنسان لواقعه المعيش في حد ذاته.

وركز الفيلسوف النمساوي على تطور التكنولوجيا الحديثة التي تعد تحديًا خاصًا للفلسفة، طالما أن الإجراء التقني لم يعد يمثل تدخلات في البيئة الطبيعية أو إعادة تشكيلها للأغراض الإنسانية فقط، بل أيضا، في التقنيات الطبية والتكنولوجيا، التي تؤثر بشكل مباشر على النزاهة الجسدية والنفسية للأشخاص، فالوعي الدقيق بالترابط بينَ الإنسان والعالم، أمر حاسم للفهمِ والنقدِ الفلسفيين للتكنولوجيا، وهو تفاعل يكتسب معَ تطور التكنولوجيا الحديثة، تعقيدا جديدا.

وقد طرح الفيلسوف النمساوي أسئلة هامة، متعلقة بالتكنولوجيا التي يتم تطويرها بمساعدة التجارب العلمية، التي توسع أفق المعرفة لدينا ليسَ فقط فيما يتعلق بالبيئة اليومية، بل أيضا فيما يتعلق بالواقع، من قبيل هل تصبح الأسئلة الفلسفية التقليدية حول أصل وجودنا زائدة عن الحاجة بسبب التفكير في قوانين الطبيعة والتكنولوجيا الذي أتاحه هذا، للظواهر الطبيعية التي لم يكن منَ الممكنِ السيطرة عليها من قبل؟

ويضيف قائلا: ما لا يتطابق مع العقل الجمعي للإنسانية والشعور بالمسؤولية السياسية، من وجهة نظر أخلاقية، كان من الأجدر صرف هذه المبالغ المالية الهائلة على التنمية الاقتصادية والقضاء على الفقر. أيضا التلاعب بالإنسان من خلال التكنولوجيا، خاصة في مجالات الطب والهندسة الوراثية، ما يمس كثيرًا بكرامة الإنسان وهويته الذاتية؛ فالتدخلات في الجينوم الإنساني والقتل الرحيم، والأشكال الاصطناعية لتكاثر البشر والإنجاب، وزراعة الأعضاء، هي تقنيات يجب التشكيك في جدواها على المستوى الأخلاقي والإنساني بالدرجة الأولى، ذلكَ أن الأمر يتعلق بعواقب التشكيل التكنولوجي للعالم على فهم الإنسان لذاته، ولكن قبل كل شيء على فهمه للطبيعة البشرية، فالسؤال المتكرر دومًا، متعلق بتداعيات الظروف البيئية على الإنسان، وهي ظروف غيرها الإنسان بيده. فالوضع الحالي للإنسان يتحدث عن كونه أضحى كائنا مصطنعًا، لا يمكنه البقاء إلا في ظل ظروف بيئية محددة للغاية، يشكلها ويتحكم فيها بنفسه، فالطبيعة لم تعد بالنسبة للإنسان سوى كائن مضاد، قابل للسيطرة والتشكل.

ويؤكد أن التكنولوجيا طمست جميع الحدود الجغرافية، بيد أن هذا الانتشار التكنولوجي أدى إلى استعمار ثقافي جديد، فالتأثيرات التكنولوجية على الثقافات أدت إلى محو الحدود، والأطر المحلية لهذه الثقافات، ذلك أن تكنولوجيا البيانات يمكن تضخيمها بشكل كبير وفي أي اتجاه، ومثال هذا الاستعمال المتدفق منصتا Facebook و Twitter، اللتان تحولتا إلى مسارات بديلة عن حياتنا الفردية والجَمعية، بل الأمر تحول إلى تأليه من نوع خاص، تأليه التكنولوجيا، وهو ما كانَ يحذر منه الفيلسوف الألماني "هايدغر" في أنّ الإنسان المعاصر سيسقط ضحيةَ تأليه التقنية، فالروبوتات الآلية التي حلت محلّ الإنسان، هي تطبيق خطير على مستقبل الإنسان الذي ستغمرهُ التكنولوجيا، وقد أوضح "إيلون ماسك" في إحدى مقابلاته أنّ الخطر الماحق بإنسان المستقبل يكمن في فقدان السيطرة على العمليات التي ينتجها بنفسه، وهي عمليات تصبح إلى حد ما تلقائية، لأن الإنسان ببساطة يفقد مسار التفاعلات المعقدة بشكل متزايد ولا يمكنه رد الفعل بسرعة كافية.

وعبّر الفيلسوف النمساوي، عن أن حلم الإنسان باندماجه بالآلة، سائر نحو التحقق، وهو نوع من تجاسرهِ على طبيعته، التي يود بها الخلود، كي ينجو منَ الموت، بيدَ أن الزمن بتدفقه المادي غير المحدود لا يصبح أبدا خلودا، من جهة المبدأ فيما يتعلق بحقيقة زواله، لا فرق بينَ ثانية واحدة ومليار سنة، فالخلود ليسَ استمرارية اعتباطية، بل هو على وجه الحقيقة انعدام الزمن.

وفي نهاية المحاضرة، لم يفت الفيلسوف النمساوي، التركيز على مهمة الفلسفة اليوم، التي تكمن في إخطار منظري التكنولوجيا وتنبيههم، بأنه لا ينبغي على التكنولوجيا الحديثة إسقاطنا في لا عقلانية تعيدنا وراء إنجازات التنوير، وهذا بالضبط ما يهدد النوع البشري، بواسطة التكنولوجية، فهذهِ الغطرسة هي من أسقطته في شراك الجائحة وهي ذاتها، التي تقوده باستمرار إلى حروب قد تحمل بين طياتها يومًا ما دماره إن لم يكن زواله.



في نفس الركن