2026 مارس 18 - تم تعديله في [التاريخ]

كونفدرالية مغاربية بدل الأحلام الموأودة.. عبده حقي



انتشرت في الفضاء الرقمي الموريتاني دعوة مفاجأة وغير مألوفة، لكنها كثيفة الدلالات: “نحو الكونفدرالية المغربية-الموريتانية”. ليست مجرد وسم عابر على منصات التواصل الاجتماعي، بل هي في عمقها تعبير عن قلق جيوسياسي، وتوقٍ شعبي إلى إعادة تخيّل المجال المغاربي خارج خرائط الجمود السياسي.

إن تلك التدوينة على الفيسبوك التي بين أيدينا ليست مجرد منشور عابر؛ إنها وثيقة سياسية مصغّرة تكشف عن تحوّل في المزاج العام داخل جزء من النخبة والفاعلين المدنيين في موريتانيا. دعوة صريحة لفتح نقاش “جدي” حول الانضمام الكامل إلى المغرب، ضمن إطار وحدوي مدني وتنموي. هذا الخطاب، وإن بدا للبعض طوباوياً، فإنه يعكس في العمق أزمة نموذج إقليمي فشل في تحقيق الحد الأدنى من التكامل، مقابل تصاعد نماذج بديلة تُبنى من الأسفل، من المجتمع لا من الدولة.

ما يلفت الانتباه في هذا الطرح هو طبيعته العملية، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة. الحديث عن إلغاء التأشيرات، ورفع الرسوم الجمركية، ومنح حق التملك والإقامة، ليس مجرد تفاصيل تقنية، بل هو جوهر أي مشروع اندماجي حقيقي. إنه انتقال من خطاب “الوحدة العاطفية” إلى هندسة “الوحدة المصلحية”، حيث يصبح المواطن محور التكامل، لا ضحيته.

ومن زاوية التحليل السياسي، يمكن قراءة هذه المبادرة في سياق أوسع: إعادة ترتيب التوازنات في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل. فموريتانيا، التي ظلت لعقود تتحرك في منطقة رمادية بين المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، تجد نفسها اليوم أمام تحولات أمنية واقتصادية عميقة، خاصة مع تصاعد التهديدات في الساحل، وتراجع فعالية الأطر الإقليمية التقليدية. في هذا السياق، يبدو التقارب مع المغرب، بما يمتلكه من استقرار نسبي وخبرة اقتصادية ودبلوماسية، خياراً مغرياً لبعض الأصوات الموريتانية.

ولا يمكن أيضا تجاهل بعدٍ آخر بدأ يطفو على سطح النقاش، وهو ما يُعبَّر عنه داخل بعض الأوساط الشعبية الموريتانية من تفهّم، بل ودعم، لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء باعتباره مخرجاً واقعياً للنزاع، يفتح الباب أمام الاستقرار الإقليمي ويعزز فرص التنمية المشتركة. إن هذا التوجّه، حتى وإن لم يتحول إلى موقف رسمي جامع، يعكس تحوّلاً في تمثلات جزء من الرأي العام، الذي بات يرى في الحلول البراغماتية مدخلاً لتجاوز حالة الجمود، وربط المستقبل الاقتصادي للمنطقة بخيارات أكثر انسجاماً مع منطق المصالح.

في هذا الإطار، تبرز موريتانيا ليس فقط كجار جغرافي للمغرب، بل كامتداد جيوستراتيجي حاسم نحو غرب إفريقيا. فهي بوابة طبيعية نحو عمق إفريقي واعد، ومفصل يربط بين الفضاء المغاربي ومنطقة الساحل والمحيط الأطلسي. ومن ثم، فإن أي مشروع للتكامل المغربي-الموريتاني لا يمكن فصله عن رؤية أوسع لإعادة إحياء فكرة “المغرب الكبير”، ولكن هذه المرة من بوابة الجنوب، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع التحديات الأمنية، وحيث يمكن بناء تكتل إقليمي قادر على التفاعل مع التحولات الدولية المتسارعة.

لكن الأمر لا يخلو من تعقيدات واضحة . فالدعوة إلى “الانضمام الكامل” ليست مجرد قرار اقتصادي، بل هي مسألة سيادية بامتياز، تلامس الهوية الوطنية، والتوازنات الداخلية، والعلاقات الخارجية. لذلك فإن الجدل الذي أثارته الحملة الفيسبوكية داخل الأوساط السياسية الموريتانية أمر طبيعي، بل ضروري. فالمؤيدون يرون فيها فرصة تاريخية للاندماج في فضاء اقتصادي أوسع، والاستفادة من التجربة المغربية في مجالات البنية التحتية والاستثمار. أما المعارضون، فيخشون من ذوبان الخصوصية الوطنية، أو من اختلال ميزان القوة داخل أي كيان كونفدرالي محتمل.

غير أن ما يمنح هذه المبادرة وزناً إضافياً هو بعدها الرمزي العميق . فهي تستحضر، بشكل أو بآخر، فكرة “المغرب الكبير” التي ظلت حبيسة البيانات الرسمية والقمم المؤجلة. لكنها هذه المرة لا تأتي من فوق، من مؤسسات الاتحاد المغاربي المعطلة، بل من تحت، من فضاء رقمي عابر للحدود، ومن فاعلين مدنيين يحاولون كسر حالة هذا الانتظار الممل والمزمن.

هنا تحديداً تكمن المفارقة: في الوقت الذي تعجز فيه بعض الأنظمة عن تحقيق الحد الأدنى من التنسيق، يجرؤ المجتمع الرقمي على اقتراح صيغ أكثر تقدماً، حتى وإن بدت راديكالية. وكأن التاريخ يعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: هل تصنع الدول الوحدة، أم تصنعها الشعوب أولاً؟

من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه الدعوة عن التحولات التي يعرفها المغرب نفسه، كقوة إقليمية صاعدة في إفريقيا. فالمملكة، التي استثمرت خلال العقدين الأخيرين في عمقها الإفريقي، عبر مشاريع اقتصادية وبنيوية ودبلوماسية، باتت تُقدَّم، في بعض الخطابات، كنموذج للاستقرار والتنمية في محيط مضطرب. هذا “الرأسمال الرمزي” هو ما يجعل فكرة الاندماج معها قابلة للنقاش، ولو نظرياً، خاصة في ظل بحث دول المنطقة عن شركاء قادرين على تحقيق توازن بين الأمن والتنمية.

لكن السؤال الجوهري يبقى هو: هل يمكن أن تتحول هذه الدعوة من حملة رقمية إلى مشروع سياسي واقعي؟ إن التجارب التاريخية تعلمنا أن مشاريع الوحدة لا تنجح فقط بحسن النوايا، بل تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة، وإلى توافقات داخلية عميقة، وإلى قراءة دقيقة للتوازنات الإقليمية والدولية.

ومع ذلك، فإن قيمة هذه المبادرة لا تقاس فقط بإمكانية تحققها، بل أيضاً بقدرتها على كسر الصمت، وإعادة فتح النقاش حول مستقبل المنطقة. فهي تضع أمام النخب السياسية سؤالاً محرجاً للغاية: لماذا فشلت مشاريع الاندماج التقليدية؟ وهل يمكن التفكير في صيغ جديدة، أكثر مرونة وواقعية، مثل الكونفدراليات أو الشراكات المتقدمة؟

أخيرا، قد لا تتحقق “الكونفدرالية المغربية-الموريتانية” غداً أو بعد غد، لكن مجرد طرحها بهذا الشكل العلني يكشف عن تحوّل في الوعي السياسي، وعن رغبة في تجاوز الحدود الذهنية قبل الجغرافية. إنها، في جوهرها، دعوة لإعادة تخيّل المنطقة، ليست كفضاء للانقسامات، بل كإمكانية مفتوحة للتكامل.

وهكذا، تتحول تدوينة على الفيسبوك إلى منصة لأسئلة كبرى: عن السيادة، والهوية، والتنمية، ومستقبل الجغرافيا المغاربية، وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه موريتانيا كحلقة وصل استراتيجية في إعادة بعث حلم المغرب الكبير من بوابته الإفريقية.

وربما، في زمن الأزمات، تكون أكثر الأفكار جرأة هي تلك التي تولد على الهامش، قبل أن تجد طريقها إلى المركز.




في نفس الركن