☰
2026 شتنبر 29 - تم تعديله في [التاريخ]

لا مستقبل للمغرب دون إنصاف المغاربة… الحكومة المقبلة أمام امتحان جيب المواطن والمال والثروة

الأسعار تضغط على الأسر، والدخل لا يواكب كلفة الحياة. فهل تنتقل الحكومة المقبلة من تخفيف آثار الهشاشة إلى معالجة أسبابها، وتضع العمل والعدالة الضريبية والمحاسبة في قلب أولوياتها؟


بين اتساع المشاريع وضيق المحفظة يبقى إنصاف المواطن امتحان الحكومة المقبلة

الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*

ليست كل الحقائق موجودة في الجداول، ولا تُختصر حياة المواطنين في نسب مئوية، مهما بلغت دقة المؤسسات التي تنتجها. قد تقول الأرقام إن التضخم تراجع، وقد يسجل مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفاعًا أو انخفاضًا محدودًا من شهر إلى آخر، لكن للمواطن مؤشره الخاص الذي لا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليقرأه: ما الذي بقي في جيبه بعد أداء ثمن الخبز والخضر واللحوم والزيت، وفواتير الماء والكهرباء، ومصاريف النقل والعلاج وتعليم الأبناء وكراء السكن أو أقساطه؟

في غشت 2026، سجلت المندوبية السامية للتخطيط ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 0,8% مقارنة بيوليوز، وارتفع مؤشر أسعار المواد الغذائية بنسبة 0,9%. وشملت الزيادات الشهرية الأسماك وفواكه البحر، والحليب والجبن والبيض بنسبة 2,8% لكل مجموعة، واللحوم بنسبة 2,2%.

لكن الرقم الذي يستحق أن تتوقف عنده كل حكومة وكل حزب وكل مسؤول لا يوجد في نشرة الأسعار وحدها. ففي الفصل الثاني من سنة 2026، صرحت 78,3% من الأسر المغربية بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهرًا السابقة، فيما انخفض مؤشر ثقة الأسر إلى 60,1 نقطة، مقارنة بـ64,4 نقطة في الفصل السابق.

فماذا ننتظر بعد ذلك لنضع القدرة الشرائية في صدارة أولويات المغرب؟

◊ إلى الحكومات السابقة: كم مرة طلبتم من المواطن أن يصبر؟

من حق الحكومات السابقة أن تقدم حصيلتها، وأن تتحدث عن الاستثمارات والبنيات التحتية والأوراش الكبرى والحماية الاجتماعية والدعم والإصلاحات، لكن من حق المواطن أيضًا أن يسألها: لماذا ظل دخلي يلهث خلف الأسعار؟ لماذا تحولت زيارة السوق الأسبوعي إلى عملية حسابية مرهقة؟ ولماذا أصبح موظف أو أجير أو مهني له دخل قار يشعر أنه يتراجع اجتماعيًا رغم أنه يعمل كل يوم؟

وكم مرة قيل للمغاربة إن الأزمة ظرفية، وإن الأسعار ستستقر، وإن السوق سيستعيد توازنه؟

قد يكون التضخم اليوم أقل مما كان عليه في سنوات الذروة، لكن تراجعه لا يعني أن الأسعار عادت بالضرورة إلى مستوياتها السابقة؛ فالغلاء الذي تراكم لا يُمحى بمجرد تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار.

والمواطن لا يأكل «نسبة التضخم»، ولا يؤدي فاتورة الكهرباء بالمؤشرات، ولا يشتري اللحم والخضر بالناتج الداخلي الخام. إنه يعيش بما يتقاضاه وبما يستطيع شراءه بذلك الدخل. وهنا يوجد جوهر المشكلة.

◊ الدعم ضروري لمن لا يستطيع… لكنه ليس مشروع مجتمع للقادرين على العمل

الحماية الاجتماعية واجب تجاه المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة ومن تعجزهم ظروف قاهرة عن توفير دخل كريم لأنفسهم، ولا يمكن ترك هؤلاء لمصيرهم. لكن لا ينبغي أن يتحول الدعم إلى الجواب الدائم عن كل مشكلة اجتماعية، أو أن يصبح عدد المستفيدين منه المعيار الوحيد لنجاح السياسات الاجتماعية.

فالأسر التي تضم طاقات بشرية قادرة على العمل تحتاج، إلى جانب الحماية عند الضرورة، إلى التعليم والتكوين والعمل والتمويل والمواكبة وفرص الإنتاج.

نريد دولة تساعد الإنسان على كسب قوته بعمله المشروع وعرق جبينه، لا أن يبقى منتظرًا تحويلًا ماليًا كل شهر. والمعيار الحقيقي لنجاح سياسة الدعم لا يقتصر على عدد من أُدرجوا في لوائح المستفيدين، بل يشمل أيضًا عدد الأسر التي غادرت دائرة الحاجة لأنها أصبحت قادرة على إعالة نفسها بكرامة. ذلك هو التمكين.

◊ وماذا عن الموظف والأجير والمهني الذي لا يطلب إعانة؟

هناك مغاربة لا يريدون دعمًا أصلًا. يريد الموظف راتبًا يضمن حياة محترمة لأسرته، ويريد الأجير أجرًا يعكس قيمة عمله وكلفة الحياة، ويريد الحرفي والتاجر الصغير والمهني أن يعيش من مهنته دون أن تبتلع المصاريف وغلاء المدخلات معظم ما يجنيه.

لهذا لا يمكن للحكومة المقبلة أن تحصر نقاش القدرة الشرائية في التحويلات المالية للفئات الهشة. يجب أن يصبح السؤال: كيف نرفع المداخيل الحقيقية للمغاربة؟ كيف تتطور الأجور والرواتب بما يحافظ على قيمتها أمام كلفة المعيشة؟ وكيف ندعم دخل المهنيين والمقاولات الصغيرة ونوسع الطبقة الوسطى بدل أن نترك جزءًا منها ينزلق تدريجيًا نحو الهشاشة؟ هذه أسئلة لا تقل أهمية عن سؤال الدعم.

◊ «من أين لك هذا؟»… يجب أن تصبح ممارسة مؤسساتية لا شعارًا

لا يمكن الحديث عن إنصاف المغاربة بينما يشعر المواطن بأن هناك من تتضخم ثروته بسرعة لا يفسرها راتب أو عمل أو نشاط اقتصادي ظاهر.

يتوفر المغرب على منظومة للتصريح الإجباري بالممتلكات دخلت حيز التنفيذ سنة 2010، ولا تقتصر على الوزراء والبرلمانيين، بل تشمل فئات من المنتخبين والموظفين والأعوان العموميين. وتتولى المحاكم المالية تلقي التصريحات المعنية وتتبعها ومراقبتها وفق الاختصاصات المحددة قانونًا.

لكن الأهم ليس وجود التصريح في الملف؛ الأهم هو ما يُفعل به. إذا تولى مسؤول وظيفة عمومية أو انتخابية بثروة معلومة، وغادرها بعد سنوات بثروة تضاعفت مرات، فهل تملك المؤسسات الوسائل الكافية للمقارنة والتحقق ومعرفة مصدر الزيادة؟

نحتاج إلى «من أين لك هذا؟» فعلية: تصريح دقيق ودوري، ومراقبة فعالة للممتلكات، ومقارنة بينها وبين المداخيل المشروعة، وإحالة ما يستدعي البحث على الجهات المختصة، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

ليس امتلاك الثروة جريمة؛ فالثروة المشروعة الناتجة عن العمل والاستثمار والإبداع يجب حمايتها وتشجيعها. أما الفساد والرشوة واستغلال النفوذ ونهب المال، فشأن آخر يستوجب المساءلة متى ثبت بالأدلة ووفق القانون.

◊ لا يكفي أن يدخل ناهب المال السجن… أين المال؟

هذه واحدة من القضايا التي ينبغي أن تتحول إلى أولوية. فما الفائدة للمجتمع من إدانة شخص اختلس أو بدد ملايين الدراهم إذا بقيت الأموال بعيدة عن أصحابها أو عن خزينة الدولة لسنوات؟ العقوبة ضرورية، لكن استرجاع المال جزء من العدالة.

الأموال العمومية يجب أن تعود إلى الدولة، والأموال الخاصة يجب أن تعود إلى أصحابها متى ثبتت حقوقهم وفق الأحكام والمساطر القانونية.

وينطبق ذلك أيضًا على ضحايا الاحتيال في العقارات والمشاريع الوهمية والاستثمارات وغيرها. قد يجمع مواطن ثمن شقة طوال عشرين سنة، ثم يفقد مدخراته في عملية احتيال؛ فماذا تعني له عدالة تستمر سنوات فيما أمواله مجمدة أو مبددة؟

دخل القانون رقم 03.23، القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025. والمطلوب اليوم هو أن تقترن الإمكانات القانونية بنجاعة التنفيذ: تتبع أسرع للأموال، وإجراءات تحفظية عند توافر شروطها، ومحاكمات داخل آجال معقولة، وتنفيذ فعلي للأحكام، مع ضمان حقوق جميع الأطراف.

فالعدالة المتأخرة جدًا قد تتحول، بالنسبة إلى الضحية، إلى عدالة ناقصة.

◊ لماذا لا يدفع الأكثر ثراءً أكثر؟

هناك سؤال لا يمكن تأجيله: إذا كان المواطن محدود أو متوسط الدخل يؤدي الضرائب غير المباشرة كلما اشترى سلعة أو خدمة، وتُقتطع الضريبة من أجور فئات واسعة عند المنبع، فلماذا لا يصبح النقاش حول مساهمة أكبر للدخول والثروات الأعلى جزءًا طبيعيًا من إصلاح المالية العمومية؟

يعرف النظام الضريبي المغربي أصلًا تصاعدية في الضريبة على الدخل، ويبلغ السعر الهامشي الأعلى في جدولها العام 37%. لكن المطلوب سياسيًا واجتماعيًا هو فتح نقاش أوسع حول العدالة الضريبية، ومدى تناسب مساهمة أصحاب الدخول والثروات الكبيرة جدًا مع قدراتهم الفعلية.

ليس الهدف معاقبة النجاح أو الاستثمار؛ فالاقتصاد يحتاج إلى رجال الأعمال والمستثمرين ورأس المال المنتج. المطلوب هو ألا تصبح الأعباء الجبائية أشد وطأة، قياسًا إلى الدخل، على من ينفق معظم ما يكسبه على ضروريات الحياة، بينما تظل مساهمة من راكموا ثروات ضخمة محل سؤال مشروع.

فالعدالة ليست أن يدفع الجميع المبلغ نفسه، بل أن ترتبط المساهمة أيضًا بالقدرة الحقيقية على الأداء.

◊ الحكومة المقبلة… لا نريد منها إدارة الفقر بل تقليصه

ستجد الحكومة المقبلة أمامها طرقًا وملاعب واستثمارات ومشاريع كبرى، لكنها ستجد كذلك مغربيًا يسأل سؤالًا بسيطًا: وأين مكاني أنا في كل هذا؟

إذا كان المغرب يتقدم، فيجب أن يشعر المغربي بأن حياته تتقدم معه. وإذا ازدادت قوة الاقتصاد، فيجب أن تترجم تلك القوة إلى عمل ودخل وتعليم وصحة وسكن ونقل وقدرة شرائية. وإذا كانت الدولة تطالب المواطن بأداء واجباته واحترام القانون وأداء الضرائب، فمن حقه أن يرى القانون يُطبق كذلك على صاحب النفوذ والمال والمنصب.

لا ينبغي أن يكون هدف الحكومة المقبلة توسيع قاعدة من يحتاجون إلى الدعم، بل توسيع قاعدة من لا يحتاجون إليه. ولا ينبغي أن يُقاس نجاح محاربة الفساد بعدد الملفات المفتوحة وحده، بل كذلك بسرعة البت فيها، وفعالية استرجاع الأموال، وحجم المال العام الذي حُمِي قبل أن يُنهب.

ولا يكفي أن تقول الحكومة للمواطن إن الاقتصاد بخير؛ يجب أن يستطيع المواطن أن يقول بنفسه إن حياته أصبحت أفضل.

◊ لا مستقبل للمغرب دون إنصاف المغاربة

يملك المغرب طموحات كبيرة، ومن حقه أن يملكها. لكن لا يمكن بناء مغرب المستقبل بسرعتين: مغرب تتراكم فيه الثروات والفرص عند فئة محدودة، ومغرب آخر يقضي أهله الشهر في حساب ما تبقى من الراتب قبل نهايته.

ولا يمكن أن نطلب من المواطن الثقة إذا كان يشاهد الفساد ولا يرى سرعة المحاسبة، ويسمع عن الأموال المنهوبة ولا يعرف متى ستعود، ويرى ثروات مفاجئة ولا يجد جوابًا عن السؤال البسيط: من أين لك هذا؟

المعادلة التي تنتظر الحكومة المقبلة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى شجاعة وعدل: حماية من لا يستطيع العمل، وتمكين من يستطيع؛ تقوية الأجور والمداخيل؛ إصلاح الأسواق ومحاربة المضاربة؛ مناقشة مساهمة أكبر للأكثر ثراءً في تحمل الأعباء؛ مراقبة تطور ثروات أصحاب المسؤوليات؛ تسريع البت في قضايا المال؛ واسترجاع كل درهم ثبت قضائيًا أنه أُخذ من الدولة أو من المواطنين بغير حق.

ليست القضية حربًا بين الفقراء والأغنياء، ولا بين الدولة والمستثمرين. إنها قضية عدل، لأن أغلى ما يمكن أن يخسره المغرب ليس المال، بل إحساس المواطن بأن الاجتهاد يكافأ، وأن النزاهة لها قيمة، وأن القانون لا يفرق بين ضعيف وقوي، وأن نصيبه من تقدم بلده ليس مجرد خطاب يسمعه، بل حياة كريمة يعيشها.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يدخل مقر الحكومة المقبلة قبل ملفات الوزراء هو: كيف نجعل المغربي يشعر بأن هذا الوطن ينصفه؟

فالطرق والموانئ والملاعب والمشاريع تصنع قوة الدولة، لكن إنصاف الإنسان هو الذي يصنع قوة الوطن.

بين اتساع المشاريع وضيق المحفظة يبقى إنصاف المواطن امتحان الحكومة المقبلة



في نفس الركن