*بقلم: بوشعيب حمراوي*
ليست كل الهزائم التي تصيب المجتمعات قادمة من الخارج، وليست كل أسباب التراجع مؤامرات تُدبَّر وراء الحدود، وليست كل الأزمات في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والحياة العامة نتيجة خصوم يتربصون بنا؛ لأن بعض أشد ما يضعفنا نصنعه نحن بأيدينا، حين نفقد الثقة في بعضنا، ونستسهل تصديق كل ما يقال عن بعضنا، ونتعامل مع نجاح القريب وكأنه تهديد شخصي، ومع تعثره وكأنه انتصار لنا، ونختصر سنوات من الود والتعاون والعطاء في خطأ واحد، ثم نمحو كل الجميل وكأنه لم يكن.
وهذا الكلام لا يخص مجتمعًا مجهولًا ولا شعبًا بعيدًا، بل يخصنا نحن المغاربة، في جزء من علاقاتنا اليومية والسياسية والمهنية والإعلامية والجمعوية؛ حيث أصبحنا أحيانًا أكثر استعدادًا لتصديق ما يقوله الأجنبي عن المغربي من استعدادنا لسماع المغربي نفسه، وأكثر استعدادًا لتداول ما يروجه خصوم بلادنا والانفصاليون وكل من يترصد للمغرب من استعدادنا للدفاع عن بعضنا أو حتى التحقق قبل إصدار الأحكام.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كيف يمكن للمغاربة أن يبنوا جبهة داخلية قوية، إذا كان بعضهم لا يثق في بعض، وإذا كان بعضهم يصدق خصوم المغرب في أبناء بلده، وإذا كان البعض يفرح لسقوط مغربي أكثر مما يفرح لنجاحه؟
نترصد أخطاء بعضنا… ثم نقدمها هدية للآخرين
من حق المغاربة أن يختلفوا، ومن حقهم أن ينتقدوا، ومن حقهم أن يحاسبوا المسؤولين والسياسيين والإعلاميين والفاعلين الاقتصاديين والجمعويين، بل إن النقد والمساءلة من علامات المجتمع الحي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى رغبة في الهدم، والخلاف إلى عداوة، والمنافسة إلى تصفية حسابات، والخطأ الفردي إلى ذريعة لتشويه الشخص وكل ما يمثله.
كم مرة يختلف مغربيان فيتحول الخلاف بينهما بسرعة إلى تبادل للتهم، واستحضار للزلات، وكشف للأسرار، ونشر لما قيل وما لم يقل، ثم تأتي جهات أجنبية أو منابر معادية أو أصوات انفصالية لتلتقط تلك المادة وتعيد تدويرها ضد المغرب والمغاربة؟
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا نقدم لخصومنا ما يبحثون عنه مجانًا؟
فالخصم الخارجي قد يجتهد طويلًا للعثور على ثغرة، بينما نحن أحيانًا نفتح له النافذة والباب معًا، فقط لأننا نريد الانتصار في خصومة داخلية صغيرة.
نصدق ما يقوله الأجنبي عن المغربي… ونشك في المغربي نفسه
من أكثر الظواهر التي تستحق الوقوف عندها أن بعض المغاربة أصبحوا أسرع إلى تصديق تقرير أو تدوينة أو تصريح صادر من الخارج، حتى وإن كان من جهة معروفة بعدائها للمغرب، من استعدادهم للاستماع إلى توضيح صادر عن مواطن مغربي.
نقرأ اتهامًا في صحيفة أجنبية فنشاركه، ونسمع تصريحًا من خصم سياسي للمغرب فنعتبره حقيقة، وتطلق جهة انفصالية رواية ما فتجد من يعيد نشرها دون تمحيص، لكن حين يأتي التوضيح من مغربي يبدأ التشكيك والسخرية والأسئلة.
وليس المطلوب أن نصدق المغربي لأنه مغربي، ولا أن نكذب الأجنبي لأنه أجنبي؛ المطلوب فقط ألا نعطي الآخرين ثقة مجانية ونحرم أبناء بلدنا منها.
الحقيقة يجب أن تبقى هي الحكم، لكن لا معنى لأن نصبح أكثر تصديقًا لمن يهاجم بلدنا من تصديقنا لمن يعيش بيننا ونعرفه ونعرف مساره.
ننسى كل الجميل عند أول خلاف
من عيوبنا كذلك أننا لا نملك دائمًا ذاكرة عادلة.
قد يعيش شخصان سنوات من الصداقة والعمل والنضال والتعاون، ويقف أحدهما مع الآخر في لحظات صعبة، لكن خلافًا واحدًا قد يكون كافيًا عند البعض لمحو كل شيء.
ننسى المواقف الجميلة، وننسى المعروف، وننسى المساندة، وننسى الأيام الصعبة التي جمعتنا، ثم نعيد كتابة العلاقة كلها وفق آخر خلاف وقع.
وهذا السلوك لا يضعف العلاقات الشخصية فقط، بل يضعف المجتمع كله، لأن الإنسان الذي يعرف أن سنوات عطائه يمكن أن تمحى بسبب زلة واحدة سيفقد تدريجيًا ثقته في الناس.
المجتمع القوي ليس المجتمع الذي لا يخطئ أفراده، بل المجتمع الذي يعرف كيف يضع الخطأ في حجمه، وكيف يحاسب دون أن يمحو الرصيد كله.
نجاح المغربي يزعج بعض المغاربة… بينما يصفقون لنجاح الأجنبي
نحن نحتفي بسهولة بنجاح أجنبي، ونشارك قصته، ونتحدث عن عبقريته وتجربته، لكن حين ينجح مغربي بالقرب منا تبدأ الأسئلة.
من ساعده؟.. من دعمه؟ .. من يقف وراءه؟ ..كيف وصل؟.. وماذا أخذ في المقابل؟
وكأن النجاح المغربي دائمًا مشبوه، بينما نجاح الآخرين نتيجة طبيعية للكفاءة والعمل.
هذه الثقافة قاتلة للطموح. فالمغرب يحتاج إلى كل ناجح، وإلى كل طبيب وباحث ومهندس وصحفي وفنان ورياضي ومقاول وفاعل جمعوي وسياسي يحقق شيئًا إيجابيًا.
نجاح المغربي لا ينبغي أن يكون تهديدًا للمغربي الآخر، بل رصيدًا إضافيًا للمغرب كله.
لكن حين نتحول إلى مجتمع لا يعترف بالنجاح إلا إذا جاء من الخارج، فنحن ندفع أبناءنا للبحث عن الاعتراف خارج بلدهم، ثم نستغرب لماذا تنجح الكفاءات المغربية أكثر حين تغادر الوطن.
نفرح بسقوط بعضنا… بينما خصوم المغرب لا يحتاجون إلا إلى المشاهدة.
الأخطر من الحسد هو الشماتة.أن يفرح مغربي لسقوط مغربي آخر.
أن يتمنى فشل مشروع فقط لأن شخصًا لا يحبه يقف وراءه.
أن يفرح بسقوط مسؤول، لا بسبب محاسبته على خطأ، بل لمجرد الرغبة في رؤيته مهزومًا.
أن يسعد بفشل رياضي أو فنان أو مقاول أو سياسي فقط لأن بينهما خلافًا.
السقوط لا يصنع النجاح.وفشل الآخر لا يجعلنا أفضل. بل إننا حين نفرح بسقوط بعضنا نقدم لخصوم المغرب خدمة لا يحلمون بها.
فالخائن الذي يريد إضعاف صورة المغرب، والجهة المعادية التي تبحث عن التناقضات، والمنبر الأجنبي الذي يتربص بالأخطاء، كل هؤلاء يجدون في صراعات المغاربة مادة جاهزة للاستعمال.
ونحن بدل أن نحصن أنفسنا، نُنتج أحيانًا بأنفسنا ما يحتاجونه.
نمنح الآخرين حسن الظن… ونمنح بعضنا سوء الظن
من أغرب تناقضاتنا أننا نبحث للأجنبي عن تفسير، ونبحث للمغربي عن تهمة.
إذا صدر موقف سيئ من جهة أجنبية قال البعض: ربما لها أسبابها.
وإذا صدر موقف من مغربي قيل: لا بد أن وراءه مصلحة.
إذا أخطأ الأجنبي قيل: الجميع يخطئ. وإذا أخطأ المغربي قيل: هذه حقيقته. إذا نجح الآخر نسبنا النجاح إلى الكفاءة. وإذا نجح ابن الوطن بحثنا عن العلاقات والمحسوبية.
كيف يمكن بهذا المنطق أن نبني ثقة وطنية؟
إننا نحتاج إلى إعادة ترتيب علاقتنا ببعضنا، لا على أساس المجاملة، بل على أساس الإنصاف.
ليس كل أجنبي عدوًا… لكن ليس كل ما يأتي من الخارج حقيقة
المغرب ليس في حرب مع العالم، والمغاربة ليسوا مطالبين بالنظر إلى كل أجنبي باعتباره خصمًا.
لدينا أصدقاء وشركاء، ولدينا مصالح مشتركة مع دول وشعوب كثيرة، ونحتاج إلى الانفتاح والتعاون وتبادل الخبرات. لكن الانفتاح شيء، والانبهار الأعمى شيء آخر. ليس كل ما يكتب خارج المغرب صحيحًا. وليس كل تقرير أجنبي مقدسًا.
وليس كل منظمة أو وسيلة إعلام أو جهة دولية محايدة بالضرورة.
كما أن هناك بالفعل خصومًا للمغرب، وهناك جهات انفصالية، وهناك من يستثمر في كل خطأ وكل أزمة وكل خلاف داخلي ليبني خطابًا معاديًا.
والذكاء ليس في رفض كل ما يأتي من الخارج، بل في فحصه بعقل نقدي، كما نفحص ما يصدر من الداخل.
لا تجعلوا خلافات المغاربة ذخيرة للانفصاليين والخصوم
من يتابع الخطاب المعادي للمغرب يلاحظ كيف تُستغل أدق الخلافات الداخلية.
احتجاج اجتماعي يتحول إلى دليل على الانهيار. و خطأ مسؤول يتحول إلى اتهام لدولة كاملة. و نزاع مهني يتحول إلى أزمة وطنية. و تدوينة غاضبة لمغربي تتحول إلى شهادة تُستعمل ضد المغرب. وهذا يفرض علينا أن نكون أذكى في خلافاتنا.
لا يعني ذلك إخفاء المشاكل.بل يعني أن نحلها ونناقشها ونفضح الاختلالات عندما توجد، لكن دون أن نحول غضبنا من شخص أو مؤسسة إلى دعوة ضمنية أو صريحة للآخر كي يتدخل ضد بلدنا.
الخصومة الداخلية شيء، والانتصار للوطن شيء آخر.
انتقدوا المغرب من أجل المغرب… لا من أجل إرضاء خصومه
النقد الوطني ليس خيانة. بل قد يكون أصدق أشكال الوطنية.
حين ينتقد الصحفي فسادًا فهو لا يسيء للمغرب، بل يساعد في تنظيفه. وحين يحتج المواطن على ضعف خدمة عمومية فهو لا يعادي الدولة، بل يطالبها بأن تكون أفضل. وحين تكشف المعارضة أخطاء الحكومة فهي تمارس دورها.
لكن الفرق كبير بين من ينتقد لكي يصلح، ومن ينتقد لأنه يريد فقط الهدم. وبين من يكشف الخطأ ويقدم البديل، ومن ينتظر أي حادثة ليعلن أن كل شيء فاسد. وبين من يختلف مع مؤسسة، ومن يفرح عندما تتعرض البلاد لضغط خارجي.
الوطنية ليست تصفيقًا، لكنها أيضًا ليست شماتة.
المغرب يحتاج إلى مغاربة يختلفون… لكن لا يخون بعضهم بعضًا
يمكن أن نختلف حول السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والإعلام والانتخابات والأحزاب، بل يجب أن نختلف. لكن لا ينبغي أن يتحول اختلافنا إلى تخوين دائم.
لا يجوز أن يصبح كل مخالف عدوًا، وكل ناقد خائنًا، وكل ناجح مشبوهًا، وكل متعثر مادة للشماتة.
فإذا فقد المجتمع القدرة على إدارة خلافاته، أصبحت كل طاقة فيه مهدرة. نحتاج إلى أن نتعلم أن المغربي الذي يخالفنا في الرأي ليس بالضرورة ضد المغرب.
المغربي الذي ينجح لا يسرق منا نجاحنا. و المغربي الذي يخطئ لا يصبح فجأة بلا تاريخ.و المغربي الذي نختلف معه يستحق منا الإنصاف إذا تعرض للظلم.
قوتنا ليست في أن نتشابه… بل في أن نثق في بعضنا رغم الاختلاف.
الوطن لا يحتاج إلى نسخ متطابقة من المواطنين. بل يحتاج إلى مغاربة مختلفين، لكن تجمعهم قواعد واضحة: احترام بعضهم، حماية المصلحة الوطنية، وعدم منح الخصوم فرصة لتحويل خلافاتهم إلى أدوات ضد بلدهم.
من المفروض أن تختلف معي سياسيًا، ثم تدافع عن حقي إذا ظلمت. و أن تنتقد عملي، ثم تعترف بنجاحي إن نجحت. و أن ترفض رأيي، دون أن تتحول إلى مصدر إشاعات ضدي. و أن تنافسني، دون أن تتمنى فشلي.
هذه هي الثقة التي نبني بها المجتمع. وقبل أن نبحث عن أعدائنا… علينا أن نراقب ما نفعله ببعضنا.
من السهل أن نقول إن المغرب مستهدف، وإن له خصومًا، وإن الانفصاليين والخونة يعملون ليل نهار ضد وحدته ومصالحه.
لكن الأسئلة الصعبة هي : ماذا نفعل نحن بأنفسنا؟. . هل نحصن بعضنا، أم نحطم بعضنا؟ ..هل نتحقق قبل أن نصدق، أم نشارك كل تهمة؟.. هل نفرح بالنجاح المغربي، أم نشك فيه؟.. هل نحاسب الأخطاء، أم نستعملها ذريعة لتصفية الحساب؟.. هل نختلف من أجل الأفضل، أم نختلف فقط لكي يسقط الآخر؟
إذا لم نصحح هذه الأسئلة، فلن يحتاج خصوم المغرب إلى بذل جهد كبير لإيذائنا.و التشويش على اطفالنا وشبابنا.
لا نحتاج إلى أعداء… نحن نتكفل بالباقي
المغرب قوي بتاريخ دولته، وبمؤسساته، وباستقراره، وبوحدة شعبه حول قضاياه الكبرى، لكنه سيكون أقوى عندما تصبح الثقة بين المغاربة أكبر، وعندما يصبح نجاح أي مغربي مصدر اعتزاز، وعندما نتعلم أن ننتقد دون أن نهدم، وأن نختلف دون أن نتناحر، وأن نحاسب دون أن نشمت.
فالخصوم يفعلون ما ينتظر منهم أن يفعلوه. والانفصاليون سيواصلون البحث عن كل ثغرة. والمنابر المعادية ستضخم كل مشكلة. لكن السؤال ليس ماذا يفعلون هم.. السؤال ماذا نفعل نحن؟
إذا كنا نترصد أخطاء بعضنا، ونصدق التهم ضد بعضنا، وننسى الجميل، ونحاصر النجاح، ونفرح بالسقوط، ونمنح الآخرين ثقة لا نعطيها لأبناء وطننا، فإننا نختصر الطريق على كل من يريد إضعافنا.
لذلك قد يكون أقسى ما يمكن قوله لنا، لكنه أكثر ما نحتاج إلى سماعه: لا نحتاج إلى أعداء… نحن نتكفل بالباقي.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى من يدافع عنه في الخارج.
يحتاج قبل ذلك إلى مغاربة يعرفون كيف يدافعون عن بعضهم من الظلم، وكيف ينتقدون بعضهم دون تدمير، وكيف يختلفون دون كراهية، وكيف يحفظون الجميل حتى في لحظة الغضب.
لأن الوطن الذي يثق أبناؤه في بعضهم يصعب اختراقه، أما الوطن الذي يشك أبناؤه في بعضهم، ويصدقون خصومه في بعضهم، فإنه يفتح للآخرين أبوابًا لم ولن يستطيعون فتحها وحدهم.