2026 فبراير 26 - تم تعديله في [التاريخ]

ما بين السطور


العلم - بقلم د. كمال أكوجكال

الشاعر والقاص والروائي، كل منهم يكتب، أو في الحقيقة كل منهم لود الكلمة يخطب...

لكل منهم أسلوبه وطريقته، لكل منهم حكمته وخطيئته...

قد تظهر هذه أو تلك في نص من نصوصه، وقد تختفي في باطن الوجدان أو في فص من فصوصه...

للكاتب أكثر من فصين... لذا لا يتوقف أبدا بعد كتابة نص أو نصين...

أفكاره بالغة التعقيد والعبارة قلما تسعف... لذلك يواصل الكتابة دون كلل وكأن لا بد لما يخامره من ترياق مسعف...

زاده قلم وأوراق وما يخط به عليها من سطور. يكتب عن نفسه وعن الناس وعن بعض الثغور...

يتحول القلم إلى قاطرة ويتحول الكاتب إلى مقطور...

ينساب الكلم على الورق ويرسم الحبر لوحات تستدعي لدى القارئ كل الغبطة وكل السرور...

تعلمنا في الجامعة وقبلها عشق اللسان... تعلمنا التحليل والتعليق على نصوص كتبت بأسلوب رنان...

تعلمنا استقراء الكلمات والعبارات والجمل وكل السطور، ثم علمنا أن هناك الأهم، والأهم رهين باستنباط ما بين السطور...

ولا بد من أجل ذلك من نسيان أن الكتابة قاطرة وأن الكاتب مقطور...

لا يستقيم الأمر، فما بين الكلمات يستحيل فهمه دون فهم الكاتب وما يرمي إليه، أي ما بين ضلوعه من طيات...

للكاتب وأفكاره في نصوصه حضور، ولو غابت عن العين فإنها تمثل ما تمثله لأعلى الأشجار الجذور...

هو وهي تمثلان الأصل، وكل ما كتب وما على الورق من سطر بهما بالضرورة متصل...

لن تفهم أبدا كاتبا لا تعرف شيئا عن حياته، لن تفهم الرسام ولا الشاعر ولو حفظت جميع أبياته...

عليك قراءة النص وقراءة الفنان في علاقة ببيئته...

كنت، كما كان المغاربة يستمتعون بأغنية "أو ما لولو" للراحل محمد فويتح، لم أكن كما المغاربة يفهم تلك المعاني إلى أن زرت

ومكتت في منزله، أي في المكان الذي كان فيه لتلك الترانيم يمتح...

رحت إلى طنجة سائحا في صيف سنة 2005، ولم أجد  مسكنا بجانب البحر إلا مسكنه، اكتريته دون أن أعرف صاحبه...

بيت فنان وفيه عود الفنان، فيه ذكريات وذكرى ذلك الإنسان...

فيه أيضا كل ما يعشق، ولو رحل، ظل عبق فكره قابعا في ذلك المحل...

أغنيته بالمناسبة، ولو فكرتها غير واضحة، كانت عن منفى الراحل محمد الخامس وعن غليان المغاربة بسبب ذلك في كل ساحة...

الشعب بملك الملوك متيم، ولن يثنيه عن الأمر لا ابن تيمية ولا ابن القيم...

هو محمد الخامس وحده ملكا للمغاربة، يحبونه دون نفاق، دون دوران ولا مؤاربة...

الفنانون فيهم من فيهم، ولا يهمهم بالضرورة غمهم أو همهم...

فمأساتهم تتوارى خلف قصصهم وأهوال غيرهم... نفي محمد فويتح أو نفى نفسه إلى فرنسا، ومنها كتب أغانيه ومن إذاعتها غنى...

لكنه عن أحزانه وأتراحه لم يتكلم وكأنه عن ذلك الحديث قد استغنى...

يختلف في بعض الأمور الكتاب، كما تختلف للبيوت الأشكال والأبواب...

يختلفون في كتاباتاهم وإبداعاتهم كما يختلف الناس حول ما يهم من قضاء أمر من أمور ولو كانت نفس مآربهم...

يكتبون ويسطرون ويخططون، ولقدرات نقادهم يمتحنون...

قالت لي خالتي رشيدة، التي وافتها المنية قبل بلوغها سن الأربعين، إن في أيام زمان كانت الكائنات كلها تتكلم لغتنا. كان ذلك قبل دخولي المدرسة، كانت حياتي في أولى السنين...

صدقتها طبعا في ذلك الحين... ظللت مصدقا لها مهما مرت الأيام لأنني افتقدتها كما افتقدت عبق تلك السنين...

أخذتني إليها دوما تلك الذكرى، أخذني إليها كل ذلك الحنين...

ماتت وقد كبرت، ماتت وأنا في حضن آخر غير حضنها، تألمت بل مت لموتها ولو لم أنظر للأمر كذلك حينها...

كانت أيضا مبدعة وقد تألقت بإبداعها الفتاك... وبفضلها أفهم أكثر من غيري معاني أغنية "عصفور طل من الشباك"...

تألقت في أدائها كما تأنقت في أداء تلك الأغنية أميمة الخليل...

أغنية تتحدث عن أمور وقضايا تتجاوز ما بين النهار والليل...

تكون وأكون معك مختلا بالفعل إن قلنا إن أميمة تحدتث عن العصافير...

العصافير لا تتكلم، وحدهم الفارون من الأسر يحكون حكاياتهم للغير...

الكتاب والفنانون أسرى أفكارهم، ولا يبتغون سوى الاختفاء وراء رسومهم ونحوتهم وكلماتهم...

كن أنت الإنسان، كن أنت المحلل الجسور... كن أنت من يطالع الأمر برمته بكشف كل المستور،

كن أنت من يقرأ ويزن كل كلمة ويعرف أيضا ما بين السطور.



في نفس الركن