2021 أبريل 9 - تم تعديله في [التاريخ]

ما هكذا تورد الإبل يا أمزازي.

التعليم بالتعاقد سعي إلى تبخيس الوطنية


العلم الإلكترونية - بقلم نور الدين هرهوري

إن سياسة القمع والتحقير والتعنيف وخرق بنود الدستور لم تعد مجدية أمام حشود من المناضلين الذين استرخصوا أرواحهم بحثا عن الحرية والكرامة في المقام الأول، أما جحافل الانتهازيين من مرتزقة الصحافة وخدام اللوبيات الظلامية الساعية إلى تخريب القطاع التعليمي لن يفلحوا أبد الدهر، حيث لا يمكن البتة اعتبار المنظومة التعليمية شركة خاصة منتجة لقطع الغيار، وإنما براديجما بانيا لعقل الناشئة وروحها، روح الوطنية لا القبلية.
 
فلنفترض أن التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم خادما لكل الأطراف، إدارة وزارية منظرة وموظفين خاضعين لحقوق مهضومة منذ البدء، ليس من الحكمة التفوه بخطاب سلطوي والانتماء إلى غيره إلا إذا كان الدافع برجماتيا محضا، إن القول: '' من دفع هؤلاء الحشود إلى الإمضاء على العقد وقبول بنوده؟'' مع ذكر أرقام مهمة اجتازت المباراة المعلن عنها رسميا في موقع وزاري، وكذا الحصيلة الهزيلة المنتقاة بهدف سد الخصاص المهول نسبيا، لتعبير عن قراءة أخرى وهي عجز الوزارة المستهدفة عن وضع استراتيجيات التوجيه ورصد نقاط قوة وضعف التوجه العام لها، المفضي بالضرورة بفئات تابعة في غياهب البطالة والتشرد.
 
عودة إلى الفئة المتعاقدة، والتي لم تحظ بحقوقها كاملة في دولة الحق والقانون، لا فرق بين الظهير البربري الساعي إلى تفرقة مكونات المجتمع المغربي في الثلاثينيات من القرن الماضي من لدن المستعمر الفرنسي، وبين ما سنه المسؤول الوزاري في العشرينيات من القرن الجاري اليوم، ها هو قرن يمضي دون تجاوز سياسيات التفرقة بين أبناء الوطن المشترك، والجلدة الواحدة، وكأن أبناء الوطن الواحد ليسوا سواء في ممارسة حقوقهم والالتزام بما يستوجبه القانون، وكأن المؤسسات التعليمية البانية لهؤلاء ليست هي نفسها المقيمة لهؤلاء، إن الجسد التعليمي واحد، فلا سبيل يرجى من وراء هرولة مدفوعة بهدف تنزيل ما لا يحمد عقباه، ما الذي تنتظره الوزارة من موظف عارض راتبه الهزيل للاقتطاع؟ لِمَ هذا التناقض في قمع الاحتجاج والتظاهر السلمي بهدف تحقيق مطالب مشروعة في الوقت الذي ناضل فيه مسؤولون من صناع القرار عن حقوقهم يوما؟
 
    صدق قول الشابي:
 
 إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيبض القدر
ولابد لليل أن ينجلـــــــــي *** ولابد للقيد أن ينكســــــر
 
إن القطاع التعليمي الأكثرُ حساسية وفاعلية، فهو لا يقبل إطلاقا أن يكون مختبرا لإجراء تجارب أو تنزيل رؤى الجهوية الموسعة/ المتقدمة، لا يقبل أي شكل من أشكال المزايدات أو المقايضات، فهو ليس سوقا للنخاسة حيث مصادرة العبيد والإماء، فالإنسان الحر لا يقبل الخضوع لقرار مشؤوم.
 
المصدر الممول لكل من الصنفين واحد - مرسم/متعاقد- ألا وهو وزارة المالية، والمؤسسات المستقبلة والوسيطة هي الأكاديميات الجهوية، أي جديد هنا يجلب الأنظار؟
 
إن سياسة ''كُولْ أُوَكَّلْ''، وإكثار المهام والمسؤوليات النائية عن الفاعلية الحقة لقاتلة لكل أبعاد التنمية، بالموازاة مع تبخيس حقوق الشغيلة التعليمية وطمر متطلعاتها إلى المستقبل الغامض الذي طاله اللبس، كيف يعقل أن تجلد ''المعلم'' اليوم، وتنكل به أشد تنكيل، وتطالبه يوم غد تلقين النشء روح الوطنية وحب التراب والتغني بالتاريخ؟ ألا يعد مستقبل الأجيال بيد معلميهم القادرين على صناعة القادة والمتطرفين والمعارضين والصالحين والطالحين...؟
 
من حق الطرف الثاني الموقع على عقد الإذعان هذا أن يطالب بتغيير بنوده التي أجبر على تقبلها في البداية، هروبا من الأوضاع الاجتماعية الغنية عن كل تعريف أو تلميح.
 
إن غياب طاولة الحوار يفرض على الأساتذة المعنيين بالأمر، والمساندين لفكرتهم النبيلة، المزيد من التكتل والتلاحم، لأن الإشكال ليس مرحليا، أو يخص مناضلي اليوم دون أجيال المستقبل، بل هو قرار ينم عن روح الوطنية في المقام الأول، فلا فرق بين موقف حاسم وموت عزيز، كما أن الإيمان بمبدأ الثائرين النبيل جزء من الأنسنة، والوعي بالنضال جزء من الانتصار، أما نقيض ذلك فإنه يهوي بالثائرين في هفوات الزيغ عن المطلب الأسمى الذي صَنَّفَ القطاع باعتباره الأكثر انتقادا لوزيره، لأنه الأكثر تضررا، والأكثر وعيا بما استهدف به.
 
إن العنف مستمر، والصراع متواصل مادامت الساحة جرداء من كل قرار حكيم، فخطاب المسؤولين المعسول لن يقلص من هوة الخراب الذي عمَّ وسيعم القطاع مستقبلا، تدرس مئات الوحدات في الأدب والفلسفة والاقتصاد والقانون والعلوم...، ليجلدك ل''مقدم'' أو غيره خرقا للسلامة النفسية والجسدية للأفراد والجماعات، وللمرور كذلك من مقصلة المحاكمات الصورية لمناضلي ومناضلات المنظومة العجوز، وعليه، وبالموازاة مع رفس أجساد أبناء الضعفاء حفدة المقاومين، لا عزاء لمن خان من أسرة التعليم، لا عزاء لفئة واعية من الشعب تخاذلت.
 
لقد دافعت عن منظومة التعليم منذ سنة ستة عشر وألفين، قبل الالتحاق بها من خلال مقالات جنينية بجريدة العلم، وسأواصل الدفاع عن مكوناتها المضطهدة حتى وإن كنت خارجها مستقبلا.
 
 
الأستاذ الباحث: نور الدين هرهوري.
    
 



في نفس الركن