2026 شتنبر 6 - تم تعديله في [التاريخ]

ماذا سيستفيد الأشخاص في وضعية إعاقة من البحث الوطني الثالث؟

من الأرقام إلى الحقوق… ومن تشخيص الواقع إلى بناء سياسات أكثر عدلاً وإنصافاً


العلم الإلكترونية - إسحاق بنعمر
 
لم يكن تقديم النتائج والخلاصات الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة، يوم الخميس 03 شتنبر 2026، مجرد محطة لإعلان أرقام جديدة حول واقع الإعاقة بالمغرب، بل يشكل خطوة أساسية نحو إعادة بناء السياسات العمومية المتعلقة بالأشخاص في وضعية إعاقة على أساس المعرفة الدقيقة، والمعطيات المحينة، وفهم مختلف العوائق التي تحول دون تمتعهم الكامل بحقوقهم.
 
والسؤال الذي يهم الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم اليوم ليس فقط: كم يبلغ عدد الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب؟ وإنما السؤال الأهم هو: ماذا ستغير هذه النتائج في حياتهم اليومية؟ وماذا سيستفيدون منها بشكل ملموس؟
 
الجواب يبدأ من حقيقة أساسية: البحث الوطني الثالث لا يمثل في حد ذاته برنامجاً للدعم أو خدمة اجتماعية مباشرة، وإنما هو أداة للقرار والتخطيط. وقيمته الحقيقية ستظهر في مدى تحويل نتائجه إلى سياسات وبرامج وميزانيات وإجراءات عملية تستجيب للاحتياجات التي كشف عنها.
 
8.7% ليست مجرد نسبة… بل ملايين من الاحتياجات والحقوق
 
تكشف النتائج الأولية أن نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة بلغت 8.7% وطنياً سنة 2026، مقابل 6.8% سنة 2014، كما أن حوالي 29% من الأسر المغربية معنية بالإعاقة.
 
هذه الأرقام تحمل دلالة سياسية واجتماعية مهمة؛ فهي تؤكد أن الإعاقة ليست قضية فئة محدودة أو هامشية، وإنما قضية مجتمعية تمس أسراً مغربية كثيرة، وتستوجب سياسات عمومية عرضانية تشارك فيها قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل والنقل والسكن والثقافة والرياضة والحماية الاجتماعية والرقمنة وغيرها.
 
وبالتالي، فإن أول استفادة منتظرة هي أن تصبح السياسات العمومية أكثر قدرة على تحديد حجم الفئات المستهدفة، وتقدير حاجياتها، وتوجيه الموارد نحو المجالات والمناطق التي تعرف أكبر خصاص.
 
من التشخيص إلى خدمات صحية واجتماعية أكثر ملاءمة
 
تكشف المعطيات أن نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة الذين يتوفرون على تشخيص لا تتجاوز 29.7%، وهو رقم يعكس استمرار صعوبات الولوج إلى التشخيص والتقييم.
 
وهنا تبرز إحدى أهم فوائد البحث: فهو يوفر أساساً لإعادة التفكير في منظومة التشخيص والتقييم، ليس فقط باعتبارها مسطرة إدارية، وإنما باعتبارها مدخلاً أساسياً للولوج إلى الحقوق والخدمات.
 
كما أن استفادة ما يقارب ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة من الحماية الاجتماعية لا تعني أن جميع الاحتياجات قد تمت تغطيتها؛ فـ 65.6% يصرحون بأن مصاريف الأدوية والصيدلة تظل على عاتق الأسرة.
 
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة مطالبة بالانتقال من مجرد توسيع التغطية إلى تحسين فعالية الحماية الاجتماعية ومدى ملاءمتها للتكاليف الإضافية المرتبطة بالإعاقة، بما يخفف العبء عن الأشخاص وأسرهم.
 
الطفل في وضعية إعاقة… من الحق في التسجيل إلى الحق في تعليم دامج
 
في مجال التعليم، تشير النتائج إلى أن معدل تمدرس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و17 سنة ولديهم صعوبات وظيفية يبلغ حوالي 65%.
 
لكن الرقم الأكثر دلالة هو أن رفض التسجيل بسبب الإعاقة يمثل 42.4% من أسباب عدم الولوج إلى المدرسة، بينما تمثل عدم قدرة الأسرة على توفير خدمة المرافقة 26.9%.
 
هذه المعطيات تضع أمام السياسات العمومية مسؤولية واضحة: لا يكفي فتح أبواب المدرسة، بل يجب أن تكون المدرسة قادرة فعلياً على استقبال الطفل في وضعية إعاقة وتمكينه من التعلم والمشاركة.
 
ومن هنا، يمكن أن تشكل نتائج البحث قاعدة لتطوير التعليم الدامج، وتعزيز الولوجيات، وتوفير المرافقين، والتيسيرات المعقولة، والوسائل البيداغوجية الملائمة، ودعم الأسر.
 
فالاستفادة الحقيقية من البحث بالنسبة للطفل ليست في معرفة نسبة تمدرسه فقط، وإنما في أن تتحول هذه النسبة إلى خطط عملية لرفع مستوى الولوج والاستمرار والنجاح الدراسي.
 
التشغيل: الرقم الذي يكشف حجم التحدي
 
ربما تمثل معطيات التشغيل واحدة من أكثر خلاصات البحث دلالة على الحاجة إلى تغيير السياسات.
 
فـ 78.4% من الأشخاص في وضعية إعاقة البالغين 15 سنة فما فوق غير نشيطين اقتصادياً، مقابل 12.7% من النشيطين المشتغلين و8.9% من العاطلين.
 
كما يكشف البحث عن تفاوت صارخ بين الرجال والنساء، حيث يبلغ معدل التشغيل 23% لدى الرجال مقابل 4% لدى النساء.
 
هذه الأرقام تجعل من التشغيل والاستقلالية الاقتصادية أولوية مركزية.
 
وإذا كان الأشخاص في وضعية إعاقة ينتظرون من السياسات العمومية نتائج ملموسة، فإن من أبرز ما يمكن أن ينتج عن هذا البحث هو إعادة توجيه سياسات التشغيل نحو الإدماج الفعلي، من خلال تفعيل الحصة المخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة، وتطوير التكوين المهني الملائم، ودعم المبادرة الاقتصادية، وتوفير الترتيبات التيسيرية في أماكن العمل.
 
وليس صدفة أن يأتي تفعيل حصة الشغل المخصصة في مقدمة انتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة في مجال التشغيل بنسبة 27.1%.
 
الولوجيات ليست ترفاً… بل شرط للمشاركة
 
حين يصرح 43.9% من الأشخاص في وضعية إعاقة بأن نقص الولوجيات يشكل عائقاً أمام مشاركتهم، فإن الأمر يتجاوز الحديث عن الأرصفة والمباني فقط.
 
فالولوجيات تعني القدرة على الوصول إلى المدرسة، والمستشفى، والإدارة، ووسائل النقل، ومكان العمل، والمرافق الثقافية والرياضية، والفضاءات العامة، والخدمات الرقمية.
 
كما أن حاجة 40% إلى مرافقة منتظمة تكشف أن الاستقلالية لا تتحقق فقط بتوفير البنية التحتية، وإنما تحتاج أيضاً إلى خدمات الدعم والمواكبة.
 
وبالتالي، فإن البحث يوفر قاعدة لتحديد أين توجد العوائق، ومن يتأثر بها، وما نوع التدخل المطلوب لإزالتها.
 
الفجوة الرقمية… تحد جديد للإدماج
 
في زمن أصبحت فيه الإدارة والخدمات والتعليم والتواصل تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا، تكتسب المعطيات المتعلقة بالنفاذ الرقمي أهمية خاصة.
 
فبالرغم من أن 64.9% من الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على هاتف، فإن نسبة الولوج إلى الإنترنت لا تتجاوز 20%.
 
وهذا يكشف عن فجوة رقمية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسألة تقنية فقط، بل باعتبارها قضية حقوق وإدماج.
 
فالخدمات الرقمية غير الميسرة يمكن أن تتحول إلى عائق جديد أمام الاستفادة من الإدارة والخدمات الاجتماعية والتعليم والتكوين وفرص الشغل والمعلومة.
 
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير خدمات رقمية دامجة، وإتاحة المحتوى والخدمات وفق معايير الولوج الرقمي، وتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من الاستفادة الفعلية من التحول الرقمي.
 
البحث يكشف أيضاً أن الإعاقة تختلف من جهة إلى أخرى
 
من أهم ما يتيحه البحث الجديد أنه لا يقدم صورة وطنية موحدة فقط، وإنما يكشف عن فوارق مجالية كبيرة.
 
فمعدل انتشار الإعاقة يتراوح، وفق النتائج الأولية، بين 14.2% بجهة بني ملال-خنيفرة و2.4% بجهة الداخلة-وادي الذهب.
 
وهذه الفوارق تفرض إعادة النظر في طريقة توزيع البرامج والموارد، لأن الحاجيات ليست متطابقة بين جميع الجهات.
 
فما تحتاجه منطقة تعرف خصاصاً كبيراً في خدمات التشخيص أو التأهيل أو التعليم الدامج قد يختلف عن احتياجات منطقة أخرى.
 
وهنا تكمن إحدى أهم قيم البحث: إمكانية الانتقال من سياسة وطنية موحدة في أدواتها إلى سياسات ترابية أكثر دقة في استهدافها.
 
ماذا عن الأسرة؟
 
ربما تكون الأسرة من أكثر الأطراف استفادة من النتائج إذا تم تحويلها إلى سياسات عملية.
 
فالإعاقة لا تؤثر فقط على الشخص المعني، بل يمكن أن تفرض على الأسرة أعباء إضافية مرتبطة بالعلاج، والتنقل، والتربية، والمرافقة، والتعليم، والأدوية، والتجهيزات والخدمات.
 
وحين يكشف البحث أن حوالي 29% من الأسر المغربية معنية بالإعاقة، فإنه يضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية أكبر في بناء خدمات لا تجعل الأسرة تتحمل وحدها كلفة الإعاقة.
 
لذلك، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تعزز خدمات الدعم الأسري، والمواكبة، والتوجيه، والتأهيل، والحماية الاجتماعية، بما يسمح للأسرة بأن تكون شريكاً في الإدماج وليس بديلاً عن الخدمات العمومية.
 
من الرعاية إلى التمكين
 
أهم تحول يمكن أن يساهم فيه البحث الوطني الثالث هو الانتقال من سؤال: كيف نساعد الأشخاص في وضعية إعاقة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نمكنهم من ممارسة حقوقهم باستقلالية وعلى قدم المساواة؟
 
هذه النقلة تعني أن الشخص في وضعية إعاقة لا ينبغي أن ينظر إليه فقط كمستفيد من المساعدة، وإنما كمواطن كامل الحقوق، له الحق في التعليم والعمل والصحة والثقافة والرياضة والمشاركة الاجتماعية والسياسية والاستقلالية والعيش الكريم.
 
وبذلك تصبح الخدمات والدعم والولوجيات وسائل للتمكين، وليست غايات في حد ذاتها.
 
ماذا ننتظر بعد إعلان النتائج؟
 
هنا تكمن النقطة الحاسمة.
 
البحث الوطني الثالث لن تكون قيمته في الأرقام التي أعلن عنها، وإنما في القرارات التي ستُبنى عليها.
 
فإذا كشفت النتائج أن 42.4% من أسباب عدم الولوج إلى المدرسة مرتبطة برفض التسجيل بسبب الإعاقة، فيجب أن تكون هناك استجابة واضحة.
 
وإذا كشفت أن 78.4% غير نشيطين اقتصادياً، فيجب أن تكون هناك سياسات تشغيل أكثر فعالية.
 
وإذا كشفت أن 65.6% يتحملون تكاليف الأدوية من ميزانية الأسرة، فيجب أن يُعاد النظر في مدى كفاية الحماية الصحية والاجتماعية.
 
وإذا كشفت أن 43.9% يعتبرون نقص الولوجيات عائقاً أمام مشاركتهم، فيجب أن تصبح الولوجيات أولوية في السياسات الترابية والعمرانية والنقلية.
 
وإذا كانت نسبة الولوج إلى الإنترنت لا تتجاوز 20%، فيجب أن تكون النفاذية الرقمية جزءاً أساسياً من سياسة الإدماج.
 
من البحث إلى عقد اجتماعي جديد حول الإعاقة
 
البحث الوطني الثالث يقدم، في النهاية، فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والأشخاص في وضعية إعاقة على أساس المعرفة، والحقوق، والمشاركة، والمساءلة.
 
والمطلوب اليوم ليس فقط أن تُحفظ النتائج في التقارير والدراسات، بل أن تصبح مرجعاً لصياغة السياسات العمومية، وتحديد الأولويات، وبرمجة الميزانيات، وقياس النتائج والأثر.
 
كما أن إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة ومنظماتهم في مراحل تنزيل هذه السياسات يظل عاملاً أساسياً لضمان أن تتحول الأرقام إلى حلول تستجيب فعلاً للواقع.
 
إن الأشخاص في وضعية إعاقة لا ينتظرون من البحث الوطني الثالث أرقاماً جديدة فقط؛ إنهم ينتظرون أن تتحول هذه الأرقام إلى مدرسة أكثر إدماجاً، وصحة أكثر إنصافاً، وشغل أكثر عدالة، وولوجيات أفضل، وحماية اجتماعية أقوى، وخدمات رقمية ميسرة، ومشاركة أوسع، واستقلالية أكبر.
 
وهنا بالضبط ستقاس قيمة البحث الوطني الثالث: ليس بعدد الصفحات التي سيملؤها، وإنما بعدد الحواجز التي ستُزال، والحقوق التي ستُفعل، والفرص التي ستُفتح أمام الأشخاص في وضعية إعاقة.
 
إن الانتقال من «معرفة واقع الإعاقة» إلى «تغيير واقع الإعاقة» هو التحدي الحقيقي الذي يبدأ بعد إعلان النتائج.
توقيع 



في نفس الركن