2026 أغسطس/أوت 7 - تم تعديله في [التاريخ]

متى ندرك أن الأمن سلوك وليس جهازًا؟

الأمن الوقائي: من التعليم والصحة والغذاء إلى محاربة الإدمان وحماية الأسرة والبيئة والفضاء الرقمي… لا أمن حقيقي من دون وقاية تسبق الخطر وتمنع أسبابه..


نحن لا نحتاج فقط إلى أمن يلاحق الخطر… بل إلى أمن يمنع ولادته


*بقلم: بوشعيب حمراوي*

يُذكر الأمن، فتتجه الأذهان غالبًا وبشكل تلقائي إلى رجال الشرطة والدرك الملكي والقوات المساعدة والسلطات المحلية والقضاء والمؤسسات السجنية، وإلى الدوريات والحواجز والتحقيقات والمحاكم والعقوبات، وكأن الأمن لا يبدأ إلا بعد وقوع الجريمة، ولا يظهر إلا عند حدوث الاعتداء، ولا يتحرك إلا عندما ينتشر الخوف أو تسيل الدماء أو تضيع الممتلكات أو تتحول الشوارع والأحياء إلى فضاءات للتوتر والانفلات؛ وهو تصور، رغم ارتباطه بجانب مهم من جوانب حماية المجتمع، يبقى تصورًا ناقصًا ومحدودًا، لأنه يختزل الأمن في التدخل بعد وقوع الخطر. ويتجاهل المرحلة الأهم والأعمق والأقل تكلفة، وهي مرحلة منع الخطر من التشكل والانتشار أصلًا.

إن الأمن الحقيقي لا يبدأ عند وصول سيارة الشرطة أو الإسعاف، ولا عند فتح المحضر، ولا عند تقديم المتهم أمام القضاء، ولا عند نقل المريض إلى المستشفى، ولا عند إيداع المدمن في مركز للعلاج، ولا عند سجن الجانح بعد أن يكون قد خرب حياته وحياة أسرته وضحيته؛ بل يبدأ قبل كل ذلك بكثير، داخل الأسرة والمدرسة والحي ومكان العمل والمستشفى والمزرعة والمصنع والإدارة والفضاء الرقمي، ويبدأ أساسًا من التربية والوعي والمسؤولية والعدل وتكافؤ الفرص واحترام القانون وحماية الكرامة الإنسانية.
لذلك فإن الأمن، في معناه الواسع والعميق، سلوك قبل أن يكون جهازًا، وثقافة قبل أن يكون تعليمات، ووقاية قبل أن يكون عقوبة، ومسؤولية جماعية قبل أن يكون وظيفة يؤديها موظفون مقابل أجور ورواتب. 

فالجهاز الأمني، مهما بلغت كفاءته وقوته وانتشاره، لا يمكنه أن يضع شرطيًا خلف كل مواطن، ولا دركيًا خلف كل سائق، ولا مراقبًا داخل كل مطعم ومتجر ومصنع، ولا حارسًا إلى جانب كل تلميذ وطفل وشاب، ولا طبيبًا داخل كل بيت؛ لكن المجتمع يستطيع، إذا اختار التربية الصحيحة والسياسات الوقائية العادلة، أن يزرع داخل كل فرد وازعًا أخلاقيًا ووعيًا وقانونًا داخليًا يمنعه من إيذاء نفسه والآخرين.

من هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ مفهوم الأمن الوقائي باعتباره منظومة وطنية ومجتمعية شاملة، لا تكتفي بمواجهة نتائج الجريمة والمرض والإدمان والعنف والهدر والتلوث، بل تتوجه إلى منابعها وأسبابها الأولى، وتعمل على تجفيفها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب التحكم فيها وتستنزف المال والوقت والطاقات البشرية.

الأمن الوقائي… الفرق بين من يمنع الحريق ومن يكتفي بإطفائه

الأمن الوقائي هو أن نرصد مؤشرات الخطر قبل تحوله إلى واقع، وأن نعالج الأسباب قبل أن تنتج نتائجها المدمرة، وأن نتحرك قبل أن يتحول الطفل المهمل إلى جانح، والتلميذ المنقطع عن الدراسة إلى ضحية للشارع، والشاب اليائس إلى فريسة للمخدرات أو التطرف أو الهجرة غير النظامية، والغذاء الفاسد إلى تسمم جماعي، والتلوث الصامت إلى مرض مزمن أو وباء، والخلاف الأسري إلى عنف وجريمة.

فحين تقع الجريمة، يسأل الأمن الزجري: من ارتكبها؟ وكيف نوقفه ونقدمه إلى العدالة؟ أما الأمن الوقائي فيسأل قبل ذلك: ما الظروف التي صنعت الجريمة؟ وأين كانت الأسرة والمدرسة والحي والمؤسسات الاجتماعية؟ وكيف تسلل السلاح أو المخدر أو خطاب الكراهية إلى عقل الجاني؟ ولماذا لم يكتشف الخطر في بدايته؟
وحين ينتشر المرض، ينشغل الطب بعلاج المصابين، بينما يسأل الأمن الصحي الوقائي: ما مصدر العدوى؟ وما ظروف انتشارها؟ وكيف كان بالإمكان تفاديها بالتلقيح والنظافة والمراقبة والكشف المبكر وتوفير الماء والغذاء السليمين؟
وحين يسقط الطفل في الإدمان، تبدأ الأسرة في البحث عن الطبيب والمركز العلاجي والدواء، بينما كان الأمن الوقائي يقتضي قبل ذلك معرفة ما يشاهده الطفل، ومن يرافقه، وكيف يقضي وقته، وما إذا كان يعيش فراغًا أو عنفًا أو إهمالًا أو اضطرابًا نفسيًا أو فشلًا دراسيًا يدفعه إلى الهروب نحو المادة أو الشاشة.
إن المجتمع الذي لا يتحرك إلا بعد وقوع الكارثة يشبه من ينتظر اشتعال البيت كله ثم يبدأ في البحث عن الماء، بينما المجتمع الواعي هو الذي يراقب الأسلاك، ويمنع تسرب الغاز، ويوفر مخارج النجاة، ويعلم أفراده كيف يتصرفون قبل اشتعال النار.

الأمن التعليمي… المدرسة التي تنتج الإنسان الآمن والمواطن المسؤول

يظل الأمن التعليمي أحد أهم أعمدة الأمن الوقائي، لأن المدرسة ليست فضاءً لتلقين المعارف فقط، بل هي المصنع الأول للمواطن، والمختبر الذي تتشكل داخله شخصيته وقيمه وسلوكه وعلاقته بنفسه وبالآخرين وبالدولة والمجتمع. فالمدرسة التي توفر لتلاميذها تعليمًا جيدًا، وتربية سليمة، وتأطيرًا نفسيًا واجتماعيًا، وأنشطة رياضية وثقافية وفنية، وتفتح أمامهم أبواب التعبير والمشاركة والإبداع، تساهم بشكل مباشر في حماية المجتمع من الجريمة والعنف والإدمان والتطرف والهدر المدرسي.

أما المدرسة التي تتحول إلى فضاء جاف لا يجد فيه الطفل سوى الحفظ والخوف والإهانة والفشل والاكتظاظ، ولا يجد فيه من يصغي إليه أو يكتشف اضطراباته ومشكلاته الأسرية والنفسية، فإنها قد تتحول من حصن وقائي إلى محطة أولى في طريق الانقطاع والانحراف. لذلك لا يمكن اختزال أمن المؤسسات التعليمية في وجود دوريات الشرطة أو الدرك أمام أبوابها، رغم أهمية حماية محيطها من مروجي المخدرات والمتحرشين والمحرضين على العنف، لأن الأمن الحقيقي للمدرسة يبدأ داخل الفصل، وفي علاقة الأستاذ بالتلميذ، وفي قوة وجودة المحتوى، وفي عدالة الإدارة، وفي قدرة المؤسسة على حماية الضعيف ومواجهة التنمر، وفي حضور المواكبة النفسية والاجتماعية، وفي ربط الصلة المنتظمة والمسؤولة بين المدرسة والأسرة.

التدخل المبكر… قبل أن ينمو الشغب الصغير إلى مستوى الجريمة

إن الأمن الوقائي الحقيقي لا ينتظر حتى يتحول السلوك الصغير داخل المدرسة أو الحي أو الأسرة إلى عنف خطير أو جريمة مكتملة الأركان، بل يتدخل منذ ظهور الإشارات الأولى، قبل أن يكبر الشغب الصغير، وقبل أن تتحول المشاجرة العابرة إلى سلوك دائم، والعناد إلى تمرد، والتنمر إلى اعتداء، والغياب المتكرر عن الدراسة إلى انقطاع، والانقطاع إلى تشرد أو انحراف، والانحراف إلى إدمان أو سرقة أو عنف أو جريمة.
فكثير من الجرائم الكبيرة لم تبدأ كبيرة، ولم يولد أصحابها مجرمين، وإنما بدأت الحكاية بسلوكيات صغيرة جرى الاستهانة بها أو تجاهلها أو التعامل معها بالتسامح أو بالعقاب وحده، من دون البحث في أسبابها النفسية والأسرية والتعليمية والاجتماعية. وقد يبدأ الأمر بتلميذ يثير الفوضى داخل الفصل، أو طفل يعتدي على زملائه، أو مراهق يسرق مبلغًا بسيطًا، أو شاب يجرب سيجارة أو مادة مخدرة، ثم تتطور هذه السلوكيات تدريجيًا حين لا تجد من يكتشفها ويحتويها ويعالج أسبابها في الوقت المناسب.
ومن هنا، فإن الأمن الوقائي يقتضي ألا نحتقر ما يبدو شغبًا بسيطًا أو انحرافًا محدودًا، وألا نكتفي بوصف الطفل أو التلميذ بالمشاغب أو الفاشل أو المنحرف، لأن هذه الصفات الجاهزة لا تعالج المشكلة، بل قد تزيدها تعقيدًا وتدفع الطفل إلى تبني الصورة السلبية التي رسمها الآخرون عنه. 

والأجدى أن نسأل: ما الذي يدفعه إلى هذا السلوك؟ هل يعاني عنفًا داخل أسرته؟ هل يتعرض للتنمر أو الإهانة؟ هل يشعر بالإهمال أو الظلم؟ هل يواجه صعوبات دراسية أو اضطرابات نفسية؟ هل وجد في الشارع أو الفضاء الرقمي من يستغله ويوجهه نحو الخطر؟

إن التدخل المبكر بالحوار والتربية والمواكبة النفسية والاجتماعية، وإشراك الأسرة والمدرسة والجمعيات والمختصين، يمكن أن ينقذ طفلًا أو شابًا قبل أن يدخل مسارًا يصعب التراجع عنه؛ أما الانتظار حتى يتطور الشغب إلى اعتداء، والاعتداء إلى جريمة، ثم استدعاء الشرطة والدرك الملكي و القضاء، فإنه يعني أن الأسرة والمدرسة والمجتمع أهدروا فرصًا كثيرة للوقاية والإنقاذ.

فالأمن الوقائي هو أن نعالج السلوك وهو في بدايته قبل أن يتجذر، وأن نحتضن الطفل قبل أن يحتضنه الشارع، وأن نصغي إلى المراهق قبل أن يصغي إلى مروج المخدرات أو المحرضين على العنف، وأن نعيد التلميذ إلى مساره قبل أن يغادر المدرسة، وأن نوقف الشغب الصغير قبل أن ينمو إلى مستوى الجريمة التي يدفع ثمنها الفرد والأسرة والمجتمع كله.
وكل تلميذ ننقذه من الهدر المدرسي هو مواطن نحميه من المجهول، وكل طفل نمنحه فرصة للرياضة أو الفن أو القراءة نغلق أمامه بابًا يمكن أن تدخل منه المخدرات والعنف والجريمة، وكل أستاذ نوفر له ظروف العمل والاحترام والتكوين نجعله شريكًا حقيقيًا في إنتاج الأمن المجتمعي.

الأمن الوقائي من الإدمان… حماية الإنسان من المادة والشاشة والفراغ

لم يعد الإدمان مقتصرًا على المخدرات والكحول والتبغ والمؤثرات العقلية، بل أصبح يتخذ أشكالًا متعددة، بعضها يدخل الجسم عن طريق التدخين أو الشرب أو الحقن، وبعضها يتسلل إلى العقل والنفس والسلوك عبر الهاتف والشاشة والإنترنت.
لقد أصبحنا أمام إدمان المخدرات بمختلف أنواعها، وإدمان الكحول والتبغ والمواد السامة، وإدمان الأدوية والمؤثرات العقلية التي تستعمل خارج الرقابة الطبية، وإدمان القمار والمراهنات، وإدمان الألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والمحتويات الرقمية.

وقد يبدو الإدمان الإلكتروني أقل خطورة من المخدرات، لأنه لا يترك دائمًا أثرًا واضحًا على الجسد في بدايته، لكنه قد يدمر تدريجيًا نوم الطفل وتركيزه ودراسته وعلاقته بأسرته ومحيطه، ويقوده إلى العزلة والعنف والقلق والاكتئاب والتبعية للشاشة، ويجعله عاجزًا عن التحكم في وقته وانفعالاته.

أما المخدرات والكحول وباقي السموم، فإنها لا تدمر المدمن وحده، بل تضرب الأسرة والمجتمع والاقتصاد والأمن، وقد تتحول إلى سبب للعنف والسرقة وحوادث السير والقتل والتفكك الأسري والأمراض العقلية والجسدية.

والخطأ الذي يقع فيه المجتمع هو انتظار تحول الطفل أو الشاب إلى مدمن ثم البحث عن العلاج، وكأن الإدمان يولد فجأة، بينما تسبقه في الغالب مؤشرات واضحة: الفراغ، والانقطاع عن الدراسة، والعنف الأسري، وغياب الحوار، والرفقة الخطرة، والاضطراب النفسي، وفقدان الأمل، وسوء استعمال الهاتف، والانغلاق داخل الغرفة، وتراجع النتائج الدراسية، وتغير السلوك والنوم والمظهر.

الأمن الوقائي من الإدمان يبدأ داخل الأسرة بالحوار والمتابعة والتوازن بين المراقبة والثقة، ويستمر في المدرسة عبر التوعية والكشف المبكر، وفي الحي عبر توفير الملاعب ودور الشباب والمراكز الثقافية، وفي الإعلام عبر عدم تقديم المخدر والكحول والقمار في صور جذابة أو عادية، وفي الفضاء الرقمي عبر حماية الأطفال من المحتويات الخطرة والتطبيقات التي تستغل ضعفهم.

ولا يكفي أن نعتقل مروج المخدرات بعد تسميم مئات الشباب، بل يجب مراقبة محيط المدارس والأحياء، وتجفيف منابع الترويج، ومحاربة شبكات التهريب، والتصدي للصفحات والمنصات التي تروج السموم والمراهنات، وتسهيل الولوج إلى العلاج دون وصم أو إذلال.

إن الوقاية من الإدمان ليست حربًا على المدمن، بل حماية له قبل سقوطه، وإنقاذ له بعد السقوط، وحرب حقيقية على من يصنع السم ويبيعه ويروجه ويحول ضعف الأطفال والشباب إلى تجارة وأرباح.

الأمن الصحي… الوقاية قبل امتلاء المستشفيات

الأمن الصحي لا يبدأ داخل المستشفى، بل يبدأ من نظافة البيت والشارع والمدرسة، ومن جودة الماء والغذاء والهواء، ومن التلقيح والكشف المبكر، ومن التوعية بالأمراض المزمنة والمعدية، ومن محاربة الأخبار الصحية الزائفة والشعوذة.
فالمستشفيات، مهما كثرت، لن تكون كافية إذا ظل المجتمع ينتج يوميًا مزيدًا من المرضى بسبب التلوث والغذاء الفاسد والتدخين والخمول وسوء التغذية وظروف العمل الخطرة.
الأمن الصحي الوقائي يقتضي الاستثمار في الطب المدرسي، وصحة الأم والطفل، ومراقبة الأمراض المعدية، والتوعية بمرض السكري وضغط الدم والسرطان وأمراض القلب، وتوسيع الفحوص المبكرة، ومراقبة الأدوية والمواد الطبية، وضمان شروط النظافة داخل المؤسسات والمطاعم والأسواق ووسائل النقل.

فكل مرض نكتشفه في بدايته يوفر على المريض والمجتمع معاناة وكلفة كبيرة، وكل وباء نمنع انتشاره يعادل نجاحًا لا يقل أهمية عن علاج آلاف المصابين.

الأمن الغذائي… حماية الحياة تبدأ من الحقل ومصنع التغذية وتنتهي عند المائدة

الأمن الغذائي لا يعني فقط أن يجد المواطن ما يأكله، بل أن يكون ما يأكله متوفرًا وآمنًا وسليمًا وغير مغشوش، وأن تصل المواد الغذائية إلى المستهلك في ظروف تحترم الجودة والصحة.
إن أمن الغذاء يبدأ من البذور والماء والتربة والمبيدات والأسمدة والأعلاف، ويمر بطرق الإنتاج والتخزين والتبريد والنقل والتصنيع والتوزيع، وينتهي عند المطعم والمتجر ومائدة الأسرة.
وأي خلل في هذه السلسلة قد يتحول إلى تسمم أو مرض مزمن أو أزمة صحية. لذلك فإن مراقبة المجازر والأسواق والمطاعم والمخازن ووسائل نقل اللحوم والحليب والأسماك والخضر، ومحاربة الغش والاحتكار والتلاعب بتواريخ الصلاحية، ليست أعمالًا إدارية بسيطة، بل هي جزء من الأمن الوطني.

والتاجر الذي يرفض بيع مادة فاسدة يمارس الأمن الوقائي، والفلاح الذي يحترم ضوابط المبيدات يمارس الأمن الوقائي، والمستهلك الذي يبلغ عن الغش يمارس الأمن الوقائي، والدولة التي تراقب الأسواق وتحاسب المتلاعبين تحمي حق المواطن في الحياة والصحة.

الأمن الاجتماعي والأسري… تجفيف منابع الجريمة والعنف

كثير من الجرائم لا تبدأ في الشارع، بل داخل بيت يسوده العنف والصراخ والإهمال، أو داخل أسرة مفككة، أو في حي يفتقر إلى المرافق والخدمات، أو لدى شاب حرم من التعليم والعمل والأمل.
وهذا لا يعني تبرير الجريمة أو إعفاء مرتكبها من المسؤولية، بل يعني أن العقوبة وحدها لا تكفي إذا ظلت الظروف المنتجة للجريمة قائمة.

الأمن الوقائي الأسري والاجتماعي يقتضي حماية الأطفال من العنف والاستغلال، ومواكبة الأسر الهشة، وتوفير الوساطة الأسرية، والتدخل المبكر في حالات الانقطاع المدرسي والتشرد، وفتح آفاق التكوين والعمل أمام الشباب، ودعم الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أو اجتماعية.
إن الطفل الذي يشاهد العنف يوميًا قد يتعلمه، والذي يتعرض للإهانة قد يعيد إنتاجها، والذي لا يجد من يسمعه قد يبحث عمن يستغله. لذلك فإن حماية الأسرة ليست شأنًا خاصًا مغلقًا، بل هي أساس من أسس الأمن العام.

الأمن البيئي… لا طمأنينة داخل محيط ملوث ومريض

لا يمكن أن يشعر الإنسان بالأمن إذا كان الهواء الذي يتنفسه ملوثًا، والماء الذي يشربه مهددًا، والغابة التي تحمي توازنه تحترق، والنفايات تنتشر حول بيته، والمقالع والمصانع والمياه العادمة تهدد صحته ومصادر عيشه.
الأمن البيئي هو حماية الموارد الطبيعية من الاستنزاف والتلوث، ومراقبة الأنشطة الصناعية والاستخراجية، ومحاربة البناء العشوائي فوق مجاري الأودية والمناطق المهددة، والاستعداد للفيضانات والحرائق والجفاف والكوارث.
إن حماية البيئة ليست ترفًا، لأن تلوث الماء قد يصنع المرض، وتدمير الغابة قد يصنع الجفاف والحرائق، وتلويث التربة قد يهدد الغذاء، وكل ذلك يتحول في النهاية إلى أزمات اجتماعية واقتصادية وصحية وأمنية.

الأمن الرقمي والفكري… حماية العقول في زمن الأبواب المفتوحة

لقد غير الفضاء الرقمي مفهوم الحدود والأمن، فلم يعد الخطر يحتاج إلى اقتحام البيت، بل يمكنه الوصول إلى الطفل عبر هاتف صغير وهو جالس داخل غرفته.
يمكن أن يتعرض الأطفال والشباب للابتزاز والتنمر والنصب والتحريض والكراهية والتطرف والمحتوى الجنسي والعنيف والمخدرات الرقمية والقمار والمراهنات والأخبار الزائفة.

لذلك فإن الأمن الرقمي لا يتحقق فقط بحجب المواقع أو ملاحقة المجرمين الإلكترونيين، بل بالتربية الإعلامية والرقمية، وتعليم الأطفال حماية معطياتهم، والتحقق من الأخبار، وعدم مشاركة الصور والمعلومات الخاصة، والتعامل الواعي مع الألعاب والتطبيقات.
فلا معنى لحراسة باب المدرسة إذا تركنا شاشة الطفل بلا تأطير، ولا معنى لمنع المروج من الاقتراب من المؤسسة إذا كان يستطيع الوصول إلى التلميذ عبر منصة أو تطبيق أو حساب مجهول. بل إن المغرب في حاجة إلى مدونة للثقافة الرقمية. وإلى حزم وعزم وحسم في كيفية غوص
الأطفال والشباب وحتى الكبار في عوالم رقمية لا نتملك مفاتيحها. ولا نعلم من يقودها وإلى أين؟
 
المواطن أول شريك في منظومة الأمن الوقائي

لا يمكن بناء أمن وقائي حقيقي إذا ظل المواطن يعتبر نفسه مستفيدًا فقط، وينتظر من الدولة والأجهزة والمؤسسات أن تتكفل بكل شيء.
حين يهتم الأب والأم بأبنائهما، ويتابعان دراستهم وأصدقاءهم واستعمالهم للهاتف، فهما يمارسان الأمن الوقائي. وحين ينتبه الجار إلى طفل في خطر، وحين يرفض الموظف الرشوة، ويرفض التاجر الغش، ويمتنع السائق عن السرعة، ويتجنب الإعلامي الإشاعة، ويرفض المواطن التستر على المجرم، فإنهم جميعًا يساهمون في حماية المجتمع.

وعندما نفشي السلام والمودة، ونحارب الحقد والضغينة، ونرفض الفساد والمحسوبية، ونضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ونمنحه الوسائل والاحترام اللازمين للعمل، فإننا نحيي روح الأمن داخل المجتمع.
الأمن ليس لباسًا رسميًا ولا سلاحًا ولا سيارة وظيفية فقط، بل هو إحساس داخلي بالطمأنينة والثقة، وهو ثمرة عدل وحقوق وواجبات وتربية واحترام متبادل.

من الأمن الزجري إلى سياسة وطنية شاملة للوقاية

إن القول بأن الأمن سلوك لا يعني التقليل من أهمية الأجهزة الأمنية والقضائية، بل يعني دعمها وتخفيف الضغط عنها من خلال معالجة الأسباب التي تنتج الجرائم والأزمات.
فالشرطة والدرك والقضاء والسجون ضرورية لمواجهة من يخالف القانون ويهدد المجتمع، لكن لا ينبغي أن تظل وحدها في الخط الأمامي، بينما تتراجع المدرسة والأسرة والإعلام والصحة والشباب والثقافة والرياضة.
نحتاج إلى سياسة وطنية متكاملة للأمن الوقائي، تضع أهدافًا قابلة للقياس، ولا تكتفي بعدّ المجرمين الذين تم اعتقالهم، بل تقيس عدد الأطفال الذين تم إنقاذهم من الهدر، وعدد حالات الإدمان التي اكتشفت مبكرًا، وعدد الأحياء التي وفرت فيها فضاءات للشباب، ومدى انخفاض التسممات والأوبئة والحوادث.

ونحتاج إلى إدماج ثقافة الوقاية في المناهج الدراسية، وتكوين الأساتذة والأطر الصحية والاجتماعية، ودعم الجمعيات الجادة، وتقوية التنسيق بين القطاعات، لأن الأخطار لا تتحرك وفق حدود الوزارات والإدارات، بل تتداخل وتتغذى من بعضها البعض. 
كما نحتاج إلى مفهوم التربية داخل كل الوزارات وكل الإدارات وكل المرافق العمومية والخاصة. كما نحتاج إلى تغيير اسم وزارة التربية الوطنية إلى وزارة للتعليم والتكوين. أما التربية الوطنية فالكل في حاجة إليها. إناثا وذكورا، كيف ما كان السن والمستوى الثقافي والتعليمي. وأين ما كان الموقع. 

أفضل أمن هو الجريمة التي لم تقع… والمرض الذي لم ينتشر… والطفل الذي لم يصبح مدمنًا

إن نجاح الدول والمجتمعات لا يقاس فقط بعدد الجرائم التي تم حلها، أو بعدد المجرمين الذين تم اعتقالهم، أو بعدد المرضى الذين تلقوا العلاج، أو بعدد المدمنين الذين تم إدخالهم إلى مراكز العلاج، بل يقاس قبل ذلك بقدرتها على منع الجريمة والمرض والإدمان والانحراف من التشكل والانتشار.
فأفضل جريمة في ميزان الأمن ليست التي كشف المحقق لغزها بعد وقوعها، بل التي منعتها التربية والعدالة واليقظة من الوقوع. وأفضل مرض ليس الذي عولج بدواء مكلف بعد أن أتعب صاحبه وأسرته، بل الذي منعته الوقاية والنظافة والكشف المبكر. وأفضل مدمن ليس الذي نجحنا بصعوبة في إنقاذه بعد أن خسر صحته ودراسته وعمله وأسرته، بل الطفل والشاب اللذان حصنا بالوعي والحب والتأطير والبدائل قبل أن تمد السموم والشاشات قبضتها عليهما.

إن الأمن الوقائي ليس قطاعًا مستقلاً نضيفه إلى قائمة القطاعات، بل هو روح يجب أن تسري في كل السياسات والمؤسسات: في التعليم والصحة والغذاء والأسرة والبيئة والاقتصاد والإعلام والثقافة والرياضة والفضاء الرقمي.
ولا يمكن أن نضع شرطيًا خلف كل إنسان، أو طبيبًا داخل كل بيت، أو مراقبًا إلى جانب كل تاجر، لكن يمكننا أن نزرع داخل كل مواطن ضميرًا حيًا، ووعيًا، وشعورًا بالمسؤولية، واحترامًا للقانون والآخرين.

وهنا يتأكد المعنى العميق لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.  وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
  
فالأمن يبدأ من داخل الإنسان، ومن طريقته في التفكير والتعامل والاختيار، ومن قدرته على حماية نفسه وغيره، ومن إيمانه بأن سلامة المجتمع ليست مسؤولية جهاز أو موظف أو مؤسسة وحدها، بل مسؤولية مشتركة.

الأمن ليس جهازًا فقط… الأمن سلوك وثقافة وضمير

والأمن الوقائي هو أن نصنع الحياة بطريقة تقل فيها أسباب الجريمة والمرض والإدمان والعنف، وأن نتحرك قبل أن تسقط الضحية، لأن أعظم انتصار أمني ليس القبض على المجرم بعد فعلته، بل منع الظروف التي كانت ستصنعه، وليس إنقاذ المدمن بعد انهياره فقط، بل حماية الطفل والشاب حتى لا يصبحا مدمنين أصلًا.




في نفس الركن