العلم الإلكترونية - الرباط
في خطوة هامة لإعادة ترتيب الأوراق داخل سوق الخدمات التوثيقية بالمغرب، كشف مجلس المنافسة عن تشخيص دقيق ومعمق للاختلالات الهيكلية التي تكبل مهنة "العدول"، وأكد المجلس أن غياب آلية مؤسساتية لتلقي وتدبير الودائع، إلى جانب تعدد مسارات الرقابة التقليدية، يشكلان أبرز العوائق التي تحد من الجاذبية التنافسية للمهنة، داعيا إلى ثورة قانونية ورقمية شاملة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين في هذا القطاع الحيوي.
وجاء ذلك عقب مصادقة المجلس بالإجماع، خلال اجتماعه السادس والسبعين المنعقد في 30 يونيو 2026، على الرأي رقم ر/26/4 المتعلق بمشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، وهو الرأي الذي جاء استجابة لطلب استشارة أحاله رئيس مجلس النواب في 28 يناير الماضي لتقييم الأبعاد التنافسية للمشروع وانعكاساته على السوق.
وجاء ذلك عقب مصادقة المجلس بالإجماع، خلال اجتماعه السادس والسبعين المنعقد في 30 يونيو 2026، على الرأي رقم ر/26/4 المتعلق بمشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، وهو الرأي الذي جاء استجابة لطلب استشارة أحاله رئيس مجلس النواب في 28 يناير الماضي لتقييم الأبعاد التنافسية للمشروع وانعكاساته على السوق.
وأوضح مجلس المنافسة أن دراسة الإطار القانوني والأنظمة المسطرية أظهرت تفاوتاً صارخاً في توجيه الطلب بين المسالك التوثيقية، معتبراً أن حرمان العدول من آلية قانونية ومؤسساتية لتلقي الودائع يمثل "الفيتو العملي" الذي يمنعهم من ولوج أسواق فرعية ذات قيمة مالية مرتفعة؛ مثل عقود السكن المدعم التي حصرتها قوانين المالية لدى الموثقين، وعمليات تفويت الأصول التجارية التي تشترط المادة 81 من مدونة التجارة إيداع ثمنها لدى جهة مخول لها قانوناً تلقي الودائع، مما يوجه الطلب تلقائياً نحو المسالك التي تتوفر على هذه الضمانات ويؤثر سلباً على ثقة المتعاملين في المسلك العدلي.
ولم يقتصر تشخيص المجلس على الجانب المالي، بل امتد ليشمل المساطر الإدارية، حيث سجل التقرير أن المنظومة الحالية تخضع العقود العدلية لازدواجية رقابية مرهقة تجمع بين رقابة قاضي التوثيق عبر مؤسسة "الخطاب"، ورقابة المحافظ على الأملاك العقارية بالنسبة للعقارات المحفظة، فضلاً عن استمرار إلزامية "التلقي الثنائي" بصيغته التقليدية التي تفرض حضور عدلين في مختلف مراحل الإشهاد والمراجعة. ورغم أن هذه الإجراءات توفر ضمانات قانونية، إلا أنها تؤدي عملياً إلى إطالة آجال إنجاز المعاملات ورفع كلفتها الزمنية مقارنة بالمسالك الأخرى التي تتسم بالسرعة، كما تخلق صعوبات تنظيمية وتؤثر على المردودية المهنية في ظل ثبات تعريفة الأتعاب وتقاسمها بين عدلين للمحرر الواحد. وفي سياق متصل، حذر المجلس من أن تحديد سقف عدد العدول داخل المكتب الواحد في أربعة أعضاء قد لا ينسجم مع التوزيع الترابي، وقد يؤدي إلى "تركيز مهني ومالي" يحد من المنافسة محلياً، لا سيما في المناطق التي تعاني خصاصاً.
ولإخراج مهنة العدول من عنق الزجاجة التنافسي، قدم مجلس المنافسة حزمة من التوصيات الجريئة التي تمت بلورتها وفق مقاربة تشاركية شملت جلسات استماع موسعة خلال شهري مارس وأبريل 2026 بمشاركة الهيئة الوطنية للعدول، والمجلس الوطني للموثقين، ووزارة العدل، وصندوق الإيداع والتدبير، والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، والمديرية العامة للضرائب. وتصدرت هذه التوصيات الدعوة إلى إحداث آلية قانونية ومؤسساتية تتيح للعدول فتح حسابات ودائع مهنية مستقلة تخضع لرقابة دورية من وزارة العدل ومؤسسات الإيداع، مع إيجاد آلية انتقالية لإيداع الأموال لدى صندوق الإيداع والتدبير لحين استكمال نقل الملكية، بالإضافة إلى تحديث نظام التلقي الثنائي عبر اعتماد وسائل الاتصال المرئي المعتمدة وسجل رقمي غير قابل للتعديل، وتقليص مسارات الرقابة المزدوجة لتسريع نفاذ العقود. كما شدد المجلس على إرساء منصة رقمية موحدة تتيح الربط البيني بين قضاء التوثيق والمحافظة العقارية وإدارة الضرائب، واعتماد التوقيع الإلكتروني المؤهل مع توفير برامج الدعم والتحول الرقمي، داعياً في الختام إلى مراجعة سقف المشاركة داخل المكتب الواحد وفق خصوصيات كل دائرة قضائية لضمان التوازن ومنع أي مظاهر للاحتكار، مما يضع الكرة الآن في مرمى المشرع المغربي لتنزيل إصلاحات قادرة على تحديث المهنة ومواكبة متطلبات الاقتصاد الرقمي وسرعة المعاملات.