2026 يوليو/جويلية 29 - تم تعديله في [التاريخ]

محمد حبيب: "أقوى حماية للطفل لا تكون بإغلاق الأبواب بل بمنحه الوعي"

الحوار الأسري أحد أهم أساليب التربية


*العلم الكترونية: نورة العبوس – صحفية متدربة*

تعد الأسرة أول مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، فهي الفضاء الذي يكتسب فيه الطفل قيمه الأولى، ويتعلم كيفية التفكير والتواصل، وتتكون داخله ملامح شخصيته قبل أن ينفتح على المدرسة والمجتمع. غير أن التحولات الرقمية المتسارعة وما رافقها من تغير في أنماط الحياة والعلاقات داخل البيت، جعلت الأسرة تواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل تراجع مساحات الحوار المباشر واتساع تأثير الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي في تربية الأبناء.

ورغم ما وفرته التكنولوجيا من إمكانيات للتعلم والتواصل، فإنها أفرزت في المقابل تحديات جديدة داخل الأسرة. ففي زمن قربت فيه وسائل التواصل بين البعيد، باتت مساحة الحوار تتقلص داخل الاسرة، وأصبحت الهواتف الذكية والأجهزة الالكترونية تستحوذ على جزء كبير من الوقت الذي كان مخصصا للنقاش والتفاعل.

وأصبحت بعض الأسر، عن قصد أو غير قصد، تلجأ إلى الشاشات كوسيلة لإلهاء الأطفال وتهدئتهم، فتتحول الشاشة إلى مربّ بديل بدل الحوار. ويحذر مختصون من أن الإفراط في تعريض الأطفال لمقاطع الفيديو السريعة والمتلاحقة قد يؤثر في قدرتهم على التركيز، ويزيد من فرص العزلة.

وتؤكد الأبحاث أيضا على أهمية الحوار داخل الاسرة. فقد أظهرت دراسة نشرت سنة 2026 في مجلة Journal of Affective Disorders أن البرامج الرقمية الموجهة للوالدين أسهمت في تحسين الممارسات التربوية وتعزيز جودة العلاقة بين الآباء والأبناء، كما عززت أساليب التواصل الإيجابي داخل الأسرة. وخلص الباحثون إلى أن تمكين الوالدين من مهارات التربية والتواصل يمثل خطوة أساسية في بناء بيئة أسرية أكثر دعما واستقرارا، وهو ما ينعكس إيجابا على نمو الأبناء وتوازنهم النفسي.

وفي تصريح لجريدة العلم، أكد الدكتور محمد حبيب، الباحث في علم النفس الاجتماعي، أن الطفل لا يحتاج إلى الحوار داخل الأسرة من أجل تبادل المعلومات فقط، وإنما لأنه يمنحه الشعور بالأمان والانتماء والقيمة. وأضاف أن الطفل الذي يجد من يصغي إليه دون سخرية أو توبيخ متسرع يصبح أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره وفهم ما يعيشه، ويكتسب ثقة أكبر بنفسه، ويتعلم التفكير واتخاذ القرار وحل المشكلات.

 وأوضح المتحدث ذاته أن الأسرة التي تتحاور مع أبنائها لا تمنعهم من الوقوع في الخطأ، لكنها تمنحهم بوصلة داخلية تساعدهم على التمييز بين الصواب والخطأ، محذرا من أن الطفل الذي لا يجد أذنا صاغية داخل البيت قد يبحث عن الإنصات والقبول خارجه لدى أشخاص قد لا يوفرون له التوجيه السليم.
 
ولا يتوقف دور الأسرة عند الحوار، بل يمتد إلى التشجيع والاحتواء، باعتبارهما من أهم العوامل التي تساعد الطفل على بناء شخصية متوازنة وسوية. فالتشجيع قد يكون دافعا للنجاح، في حين أن ضعف الحوار والتواصل العاطفي يزيد من شعور الأبناء بعدم الأمان والارتباك، وهو ما يبرز أهمية الحفاظ على جسور الحوار داخل البيت وعدم التركيز فقط على ما هو مادي.

وفي هذا السياق، أوضح الخبير ذاته، أن غياب التشجيع والاحتواء قد يجعل الطفل يشعر بأنه غير كاف مهما بذل من جهد، وهو ما قد ينعكس في صورة خوف أو قلق أو انطواء أو عدوانية أو تراجع في التحصيل الدراسي وفقدان للدافعية. وأكد أن الطفل لا يحتاج فقط إلى من يصحح أخطاءه، بل أيضا إلى من يقدر جهوده ويعترف بتقدمه، مضيفا أن الاحتواء لا يعني التغاضي عن الخطأ، وإنما معالجته بالحوار والتوجيه، حتى يشعر الطفل بأن أسرته تظل إلى جانبه في مختلف الظروف، وهو ما يزيد من قدرته على التعلم ومواجهة ضغوط الحياة.

ومع اتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية، تزداد مسؤولية الأسرة في مواكبة الأبناء وتوجيههم، ليس من خلال المنع المطلق، وإنما عبر بناء الوعي والثقة وتعليمهم تحمل المسؤولية.

وفي هذا الإطار، شدد الدكتور محمد حبيب على أن الحماية الحقيقية لا تتحقق بالمراقبة الخانقة، بل تبدأ بعلاقة تسمح للابن بالحديث عن أصدقائه، وما يشاهده، وما يتعرض له من ضغوط أو محتوى غير مناسب. كما دعا إلى وضع قواعد واضحة لاستخدام الهواتف والإنترنت، وتعليم الأبناء التفكير النقدي، وعدم تصديق كل ما ينشر، إلى جانب تشجيعهم على الانخراط في الأنشطة الرياضية والثقافية والتطوعية، لأنها توفر بيئة إيجابية تعزز لديهم الشعور بالانتماء. كما لفت المتحدث ذاته إلى أن معالجة تأثير رفقاء السوء لا تكون بمهاجمة الأصدقاء أو إصدار الأحكام، وإنما بالحوار ومناقشة السلوكات الخطرة ونتائجها، حتى يكون الابن قادرا على اختيار علاقاته بوعي ومسؤولية.

واختتم الدكتور محمد حبيب فلسفة التربية الأسرية بقوله إن أقوى حماية للطفل لا تتمثل في إغلاق الأبواب أمامه، بل في منحه الوعي الذي يساعده على معرفة الطريق الصحيح، وأن يبقى بيت الأسرة المكان الذي يستطيع العودة إليه دون خوف.

وفي ظل التحولات التي تعرفها الأسرة اليوم، يظل الحوار أحد أهم ركائز استقرارها وتماسكها. فهو لا يقتصر على تبادل الحديث، بل يفتح أمام الأبناء مساحة للتعبير، ويعزز لديهم الثقة بالنفس والشعور بالأمان والانتماء. وفي المقابل، حين تقتصر علاقة الوالدين بأبنائهم على الأوامر والتأنيب، تتسع فجوة التواصل، وقد يبحث الأبناء عن الإنصات والاحتواء خارج البيت. لذلك، لا تبنى الأسرة السليمة بتوفير الاحتياجات المادية وحدها، وإنما ببناء جسور الحوار التي تجعلها أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر.



في نفس الركن