صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي
*العلم الإلكترونية: لحسن الياسميني*
عقدت الحكومة الإسبانية، يومه الثلاثاء 25 غشت، اجتماعاً استثنائياً لمجلس الأمن القومي الإسباني برئاسة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، في قصر المونكلوا، بمشاركة رئيس حكومة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، وعدد من كبار المسؤولين في الحكومة وأجهزة الأمن والاستخبارات والدفاع. وقررت عقبه أن ترفع ملف الهجرة إلى مستوى الأمن القومي.
ويؤكد هذا المستوى من التعبئة أن مدريد لم تعد تتعامل مع ما وقع باعتباره مجرد تدفق عابر للمهاجرين، وإنما باعتباره أزمة ذات تداعيات على الأمن القومي الإسباني؛ حيث رفعت الحكومة الإسبانية مستوى التعامل مع أزمة سبتة المحتلة إلى درجة غير مسبوقة، بعدما قررت إعلان «وضعية اهتمام بالأمن القومي» وتفعيل قيادة موحدة لإدارة تداعيات موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المدينة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، في خطوة تكشف حجم الارتباك والضغط الذي باتت تواجهه مدريد في واحدة من أكثر النقاط حساسية في علاقتها بالمغرب.
وقد أعلنت الحكومة الإسبانية، عقب الاجتماع، أن وزير السياسة الإقليمية، أنخيل فيكتور توريس، سيتولى «القيادة الموحدة» لتدبير الأزمة، مع إعطاء الأولوية لتنسيق عمليات إعادة وترحيل المهاجرين الذين لا يملكون حقاً قانونياً في البقاء، إلى جانب معالجة ملفات القاصرين وطالبي اللجوء.
وإذا كانت مدريد تقول إن أكثر من 80 ألف شخص دخلوا سبتة المحتلة انطلاقاً من الجانب المغربي خلال يومي 30 و31 يوليوز، فإن تقارير مستقلة تشير إلى أرقام متفاوتة بشأن عدد محاولي العبور والخسائر البشرية التي رافقت الأزمة. وقد خلفت موجة العبور الجماعي عشرات الضحايا، في واحدة من أخطر أزمات الحدود التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
غير أن قراءة الأزمة تقتضي التوقف عند نقطة أساسية؛ فسبتة ليست مجرد مدينة إسبانية تقع في شمال إفريقيا، كما تقدمها الصياغة الرسمية الإسبانية، وإنما هي مدينة مغربية محتلة، شأنها في ذلك شأن مليلية والجزر المغربية المحتلة. ولذلك فإن تحويل أزمة الهجرة فيها إلى قضية أمن قومي إسباني لا يلغي طبيعة الإشكال السياسي والتاريخي المرتبط بوضع المدينة.
ومن هذا المنظور، فإن التعامل الإسباني مع الأزمة لا يمكن فصله عن حقيقة أن سبتة المحتلة تقع جغرافياً داخل المجال المغربي، وأن الحدود التي تتحدث عنها مدريد باعتبارها حدوداً إسبانية هي واقع استعماري لم يُحسم بعد. ومن ثم، فإن أي مقاربة لأمن المدينة أو حدودها أو مستقبلها لا يمكن أن تختزل في الجانب الأمني والهجروي وحده.
كما أن التطورات الأخيرة أظهرت، مرة أخرى، الدور المركزي الذي يلعبه المغرب في تدبير ملف الهجرة المرتبط بالحدود الشمالية. فالتقارير الدولية تشير إلى تعاون مغربي-إسباني في إعادة المهاجرين الذين دخلوا سبتة المحتلة، وهو ما يؤكد أن مدريد، رغم رفعها مستوى الأزمة إلى «الأمن القومي»، لا تستطيع عملياً إدارة هذا الملف بمعزل عن الرباط.
وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الإسبانية إلى تأطير الأزمة باعتبارها مسألة أمن قومي، تكشف الوقائع نفسها أن استقرار الحدود وتدبير الهجرة وإعادة المهاجرين تظل ملفات مرتبطة بصورة مباشرة بالتعاون مع المغرب. وبعبارة أخرى، فإن الأمن الذي تحاول مدريد حمايته داخل سبتة المحتلة يظل مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بالواقع الجغرافي والسياسي الذي يجعل المغرب الطرف الأساسي في معادلة المنطقة.
ومن المؤكد أن الأزمة أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع القائم في سبتة المحتلة، وأظهرت أن أي اضطراب واسع في محيطها يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة إسبانية ذات أبعاد أمنية وسياسية وأوروبية.
كما أن حجم الخسائر البشرية يجعل اختزال الأزمة في أرقام المهاجرين أو في الإجراءات الأمنية أمراً غير كافٍ. فقد أودت محاولات العبور بحياة عشرات الأشخاص، بينما لا تزال تداعيات الأزمة الإنسانية مستمرة، بما في ذلك عمليات دفن الضحايا ومحاولات التعرف على هوياتهم.
ومن جهة أخرى، فإن قرار مدريد إنشاء قيادة موحدة وتعبئة موارد إضافية يؤكد أن الأزمة تجاوزت قدرة السلطات المحلية في سبتة المحتلة على إدارتها منفردة. وهو ما يفسر مطالبة رئيس حكومة المدينة بتعزيز تدخل الحكومة المركزية، قبل أن تستجيب مدريد بإسناد القيادة الموحدة إلى وزير السياسة الإقليمية.
وبذلك، فإن أزمة سبتة المحتلة تكشف أكثر من مجرد أزمة هجرة. إنها تضع أمام إسبانيا سؤالاً أعمق يتعلق بحدود قدرتها على إدارة مدينة محتلة تقع في قلب المجال الجغرافي المغربي، وفي الوقت نفسه ترتبط بحركة بشرية واقتصادية وأمنية وثيقة بالمغرب.
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن التطورات الحالية تعيد التأكيد على أن ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة لا يمكن اختزاله في قضايا الهجرة أو الأمن الحدودي، بل يظل جزءاً من قضية أوسع تتعلق باستكمال الوحدة الترابية للمملكة. ولذلك فإن تحويل مدريد أزمة الهجرة في سبتة المحتلة إلى «مسألة أمن قومي» لا يحسم جوهر القضية، بل قد يعيدها إلى الواجهة من زاوية جديدة.
وفي المحصلة، يبدو أن الحكومة الإسبانية تسعى إلى احتواء أزمة انفجرت على حدود سبتة المحتلة عبر إجراءات استثنائية وقيادة مركزية، بينما تكشف الأزمة، في المقابل، حقيقة جيوسياسية لا تستطيع الإجراءات الأمنية إخفاءها، وهي أن مستقبل الاستقرار في هذه المنطقة يمر حتماً عبر العلاقة مع المغرب، وأن قضية المدن والجزر المغربية المحتلة ستظل عنصراً حاضراً في أي نقاش جدي حول الأمن والحدود والهجرة في غرب المتوسط.
وهكذا، فإن إعلان مدريد «وضعية اهتمام بالأمن القومي» لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره إجراءً إدارياً أو أمنياً لمواجهة موجة هجرة استثنائية، بل باعتباره أيضاً اعترافاً بحساسية الوضع في سبتة المحتلة، وبأن ما يحدث على حدودها يمكن أن يتحول بسرعة إلى قضية تتجاوز الهجرة لتلامس صميم الأمن والسياسة والعلاقات المغربية الإسبانية.
ومن اللافت أيضاً أن أزمة تدفق المهاجرين إلى سبتة المحتلة أظهرت، لأول مرة، لعدد مهم من دول العالم الحقيقة التاريخية والجغرافية لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين؛ حيث كان كثيرون يعتقدون أن المدينتين تقعان فوق التراب الإسباني في الضفة الشمالية للمتوسط. وقد أظهرت عدة قنوات عالمية موقع المدينتين الحقيقي، وتساءلت عن سر استمرار إسبانيا في احتلالهما.