2026 أغسطس/أوت 25 - تم تعديله في [التاريخ]

مذكرة وسيط المملكة تعيد سؤال الإدارة إلى الواجهة.. متى يصبح المواطن مقياس الإصلاح؟

يفتح الكاتب "بوشعيب حمراوي" انطلاقاً من مذكرة وسيط المملكة، سؤال إصلاح الإدارة المغربية ومدى انعكاس الرقمنة والهيكلة والحكامة على حقوق المواطن وجودة الخدمات وآجال معالجة الملفات.



*بقلم: بوشعيب حمراوي*
المؤسسة الدستورية تدعو إلى حوار عمومي واسع وقيادة حكومية واضحة لإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية.. فهل ننتقل من إصلاح الهياكل والمنصات إلى إدارة تحترم الحقوق والآجال، وتجيب المرتفق، وتتحمل مسؤولية قراراتها؟

لم تكن مذكرة اليقظة التي أصدرتها مؤسسة وسيط المملكة، يوم الاثنين 24 غشت 2026، بشأن سياسات الإصلاح الإداري، مجرد وثيقة مؤسساتية جديدة تضاف إلى رصيد التقارير والتوصيات التي أنتجها المغرب حول الإدارة والوظيفة العمومية، بل بدت، في تقديري، بمثابة جرس إنذار هادئ يعيدنا إلى سؤال ظل يتكرر رغم تعاقب الحكومات والوزراء والمخططات والبرامج: بعد كل ما قيل عن إصلاح الإدارة، ماذا تغير فعلاً في حياة المواطن عندما يقف أمام مرفق عمومي طالباً حقاً أو خدمة أو جواباً أو معلومة أو إنصافاً؟

المذكرة، التي حملت عنوان «سياسات الإصلاح الإداري والحاجة إلى حوار عمومي واسع، وتموقع حكومي واضح»، لم تأت من مؤسسة بعيدة عن معاناة المرتفقين، وإنما من مؤسسة دستورية راكمت، من خلال معالجة التظلمات والتقارير السنوية، معرفة مباشرة بما يمكن أن ينتجه التنظيم الإداري واختلاله من آثار على حقوق المواطنين. ولذلك دعت إلى وضع إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في صلب النقاش العمومي، وإسناد الورش إلى قيادة حكومية واضحة تضمن وحدة الرؤية، والتقائية التدخلات، واستمرارية البرامج، ووضوح المسؤولية عن النتائج.

وهذا تحديداً ما حرّك قلمي.

لأننا عندما نسمع مؤسسة بحجم وسيط المملكة تربط إصلاح الإدارة بالثقة في المؤسسات، وجودة الخدمات، وحقوق المرتفقين، واحترام الآجال، ووضوح المسؤولية، ومآل التظلمات، فإن القضية لم تعد قضية تحديث تقني لمكاتب ووزارات، وإنما أصبحت سؤالاً حقوقياً وسياسياً واجتماعياً يتصل بصورة الدولة نفسها في ذهن المواطن.

الإدارة هي المكان الذي يلتقي فيه المواطن بالدولة كل يوم. قد لا يدخل المواطن البرلمان في حياته، وقد لا يلتقي وزيراً، وقد لا يحضر مجلساً حكومياً، وقد لا يهتم بالتفاصيل التقنية للهيكلة الحكومية أو توزيع الاختصاصات بين القطاعات.

لكنه سيدخل الجماعة والمقاطعة والعمالة والوزارة والمستشفى والمحكمة والمؤسسة العمومية، وسيودع طلباً، أو يسأل عن وثيقة، أو يتتبع ملفاً، أو يطلب رخصة، أو يقدم شكاية، أو يطعن في قرار.

وهناك، في ذلك المكتب الصغير أو الشباك أو المنصة الإلكترونية، تتشكل لديه صورة الدولة.

ولهذا أصابت مذكرة وسيط المملكة جوهر القضية حين اعتبرت الإدارة الواجهة اليومية للدولة، والمكان الذي يختبر فيه المواطن فعلية الحق، واحترام الأجل، ووضوح المسؤولية، وجدية الإنصات، ومصير تظلمه.

فالمواطن لا يختبر جودة الدولة فقط من خلال الخطب الكبرى والمشاريع الضخمة والمؤشرات الماكرو اقتصادية، وإنما يختبرها أيضاً حين ينتظر جواباً عن طلب، وحين يبحث عمن يتحمل مسؤولية ملفه، وحين يريد أن يعرف لماذا رُفض طلبه، وحين يقدم تظلماً وينتظر أن يعرف هل قرأه أحد أصلاً.

إصلاح الإدارة لا ينبغي أن يبقى إصلاحاً للإدارة من أجل الإدارة

هذه ربما هي العقدة الأساسية. لقد جرى، لسنوات، الحديث عن تحديث الهياكل، وتبسيط المساطر، واللاتمركز، والرقمنة، والحكامة، وإعادة تنظيم القطاعات، وتطوير الوظيفة العمومية، وكلها أوراش ضرورية لا يمكن التقليل من أهميتها.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل تقييم هو: ماذا ربح المواطن؟

إذا أعدنا هيكلة وزارة وبقي المرتفق ينتظر الجواب نفسه، فما الذي تغير بالنسبة إليه؟

إذا أطلقنا منصة رقمية جديدة وبقي الملف عالقاً أشهراً، فهل أصلحنا الإدارة أم رقمنّا الانتظار؟

إذا اختصرنا عدد الوثائق المطلوبة، لكن المواطن ما يزال مضطراً إلى المرور على عدة مصالح للحصول على توقيعات أو معلومات تملكها الدولة أصلاً، فهل بسطنا المسطرة فعلاً؟

وإذا تحدثنا عن اللاتمركز الإداري، لكن القرار الحقيقي ما يزال ينتظر تعليمات المركز، فأي تقريب للإدارة حققناه؟

الإصلاح لا ينبغي أن يقاس فقط بما غيرته الإدارة داخل نفسها، وإنما بما غيرته في حياة المرتفق.

أخطر ما أثارته المذكرة: ماذا يحدث لملفات المواطنين عندما تتغير الحكومات؟

من أهم ما وقفت عنده مذكرة وسيط المملكة تلك الصعوبات التي قد تصاحب تغيير الحكومة، أو إعادة توزيع الاختصاصات، أو إعادة هيكلة القطاعات الإدارية، وما ينتج عنها من إشكالات في تداول الملفات، وتحديد الجهة المختصة، والوفاء بالالتزامات السابقة، واستكمال معالجة القضايا الجاهزة للبت.

وهذا معطى يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً. فما ذنب المواطن إذا تغير الوزير؟

وما ذنب صاحب ملف استوفى كل الشروط إذا انتقلت مديرية من قطاع إلى آخر؟

وما ذنب مستثمر أو جمعية أو موظف أو مواطن إذا أعيد توزيع الاختصاصات الحكومية وأصبح ملفه يتنقل بحثاً عن الإدارة التي أصبحت مختصة به؟

الحكومات تتغير، لكن الدولة لا ينبغي أن تبدأ من الصفر كل خمس سنوات.

والوزراء يغادرون، لكن التزامات الإدارات لا ينبغي أن تغادر معهم.

والمدير يمكن أن ينتقل، لكن الملف الجاهز للبت لا ينبغي أن يعود إلى آخر الطابور.

وإذا كان تغيير الهيكلة الحكومية يؤدي إلى ضياع الوقت، وإعادة توجيه الملفات، والتردد في تحديد المسؤوليات، فنحن لا نتحدث عن مشكلة تنظيمية داخلية فقط؛ نحن نتحدث عن حقوق أشخاص يدفعون ثمن إعادة ترتيب الإدارة لبيتها الداخلي.

المواطن لا ينبغي أن يكون ساعي بريد بين إدارات الدولة

هناك مشهد يعرفه كثير من المواطنين: إدارة تطلب وثيقة تصدرها إدارة أخرى، فينتقل المواطن للحصول عليها، ثم يعود بها، وقد يكتشف أن هناك وثيقة ثالثة، أو تصحيحاً، أو شهادة إضافية.

ويصبح المواطن، عملياً، هو الذي يضمن التنسيق بين مؤسسات الدولة.

وهذا أمر يجب أن ينتهي. إذا كانت معلومة موجودة لدى الدولة، فمنطق الإدارة الحديثة يفرض أن تتبادلها مصالح الدولة، وفق ما يسمح به القانون وحماية المعطيات، بدل أن تكلف المواطن بنقلها بينها.

فالإدارة الرقمية ليست أن نضع استمارة ورقية على شاشة.

والرقمنة لا تعني تحويل الطابور أمام المكتب إلى طابور إلكتروني غير مرئي. الرقمنة الحقيقية هي أن يشعر المواطن بأن التكنولوجيا وفرت عليه الوقت والتنقل والوثائق والانتظار. وإلا أصبحنا أمام إدارة قديمة ترتدي لباساً رقمياً جديداً.

لكل ملف أجل.. ولكل تأخير مسؤول

أحد أهم ما اقترحته مذكرة وسيط المملكة هو إرساء منظومة وطنية لتقييم الأداء الإداري، تعتمد مؤشرات تقيس جودة الخدمات، وسهولة الولوج إليها، وآجال تقديمها، ورضا المرتفقين، ومدى استجابة الإدارات للتظلمات وتنفيذ التوصيات.

وهذه الفكرة، في رأيي، يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً إذا تحولت من توصية إلى ممارسة فعلية.

فلماذا لا يصبح احترام آجال معالجة الملفات مؤشراً أساسياً في تقييم كل إدارة ومسؤول؟

لماذا لا نعرف عدد الطلبات التي توصلت بها الإدارة، وعدد الملفات التي عالجتها في الآجال، وعدد الملفات التي تجاوزتها، وأسباب ذلك؟

لماذا لا يكون لكل ملف مسؤول واضح، مع إمكانية معرفة المرحلة التي وصل إليها؟

المواطن لا يريد معرفة أسرار الإدارة الداخلية. يريد فقط أن يعرف:

من يعالج طلبي؟ أين وصل؟ كم يلزمه من الوقت؟ لماذا تأخر؟ ومتى سأحصل على الجواب؟

هذه أسئلة بسيطة، لكن قدرة الإدارة على الإجابة عنها هي أحد أقوى مؤشرات احترامها للمرتفق.

«المسؤول غير موجود» ليست إجابة دولة

من العبارات التي يجب أن تختفي من الإدارة الحديثة: «المسؤول غير موجود». فالمرفق العمومي لا ينبغي أن يتوقف لأن مديراً في اجتماع، أو رئيس مصلحة في عطلة، أو مسؤولاً غادر منصبه.

الدولة مؤسسة، وليست شخصاً. والإدارة التي تتوقف مصالح المواطنين داخلها بغياب فرد تكشف عن ضعف في التنظيم، وتفويض الصلاحيات، واستمرارية المرفق.

والفكرة نفسها تنطبق على تغيير الوزراء والحكومات. إذا كان الملف قانونياً ومستوفياً للشروط، فينبغي أن يستمر مساره بغض النظر عمن يجلس في المكتب.

لأن المواطن يتعامل مع الدولة، لا مع الأشخاص.

الإدارة القوية ليست التي تقول «لا»، بل التي تشرح لماذا قالتها. من حق الإدارة أن ترفض طلباً مخالفاً للقانون، وليس من حق المواطن الحصول على كل ما يطلبه، لكن من حقه أن يعرف لماذا. فالرفض المعلل يختلف جذرياً عن الرفض الغامض.

وحتى القرار الذي لا يرضي المواطن يمكن أن يقبله عندما يفهم سنده القانوني، ويعرف كيف يمكنه التظلم أو الطعن فيه.

أما أن يبقى القرار بلا تعليل، أو يتلقى المواطن أجوبة شفهية متناقضة، أو يسمع من موظف جواباً ومن آخر نقيضه، فإننا لا ننتج خدمة إدارية فقط، بل ننتج الشك.

وحين يدخل الشك في علاقة المواطن بالإدارة، تظهر أسئلة الوساطة والمحسوبية والنفوذ والمعرفة الشخصية، حتى وإن لم تكن موجودة فعلاً في الملف. الشفافية، إذن، ليست فقط حقاً للمواطن؛ إنها أيضاً وسيلة لحماية الإدارة من الشبهات.

حق المواطن في المعلومة ينبغي أن يبدأ قبل أن يطلبها

لدينا قانون للحق في الحصول على المعلومات. لكن الإدارة الأكثر شفافية ليست تلك التي تنتظر المواطن حتى يقدم طلباً للحصول على المعلومة. الإدارة الحديثة تنشر، بشكل استباقي، كل ما يمكن نشره قانوناً: المساطر، والشروط، والآجال، والميزانيات، ومآل المشاريع، والمعايير، والنتائج، والقرارات العامة، وطرق التظلم...

كل معلومة تنشرها الإدارة قبل أن يطالب بها المواطن توفر عليها طلباً، وتقلل الإشاعة، وتحاصر الأخبار الزائفة، وتضعف الحاجة إلى الوسطاء، وتعزز الثقة.

ولا ينبغي أن ننظر إلى المواطن الذي يطلب المعلومة باعتباره مزعجاً للإدارة؛ فالمعلومة العمومية، في حدود القانون، ليست ملكاً للموظف ولا للمسؤول.

الإصلاح ليس منصات أكثر.. بل مشاكل أقل

من الخطأ أن يصبح عدد المنصات الإلكترونية دليلاً آلياً على نجاح الإصلاح.

السؤال ليس: كم منصة أطلقنا؟ بل: كم تنقلاً وفرنا على المواطنين؟

ليس: كم خدمة رقمنا؟ بل: كم يوماً اختصرنا من معالجة الطلب؟

ليس: كم شكوى استقبلنا؟ بل: كم شكوى عالجنا وأنصفنا أصحابها؟

ليس: كم دليلاً للمساطر أصدرنا؟ بل: كم مواطناً أصبح يستطيع إنهاء معاملته من أول محاولة؟

حين نبدأ في الإجابة عن هذه الأسئلة، سننتقل من إدارة الإنجازات التي تعلنها لنفسها إلى إدارة النتائج التي يلمسها المواطن.

المواطن لا ينبغي أن يحتاج «المعرفة» للحصول على حق عادي

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي إدارة هو أن يقتنع المواطن بأن الهاتف أسرع من الطلب، وأن معرفة مسؤول أكثر فعالية من احترام المسطرة، وأن البحث عن وسيط ضروري للحصول على خدمة عادية.

حتى لو كانت هذه القناعة خاطئة في بعض الحالات، فإن مجرد انتشارها مؤشر يستحق الانتباه.

الإدارة العادلة هي التي تجعل المواطن مطمئناً إلى أن ملفه سيمر بالسرعة نفسها وبالشروط نفسها، سواء عرف مسؤولاً أم لم يعرف أحداً.

فحين يصبح «من تعرف؟» أهم من «هل يستوفي ملفك الشروط؟»، تكون المساواة أمام المرفق العمومي قد تلقت ضربة خطيرة.

الموظف ليس عدواً للمرتفق، لكن الإنصاف يفرض ألا نحول الحديث عن إصلاح الإدارة إلى محاكمة جماعية للموظف.

فهناك موظفون يعملون وسط خصاص بشري كبير. وهناك مصالح تستقبل أعداداً تفوق قدرتها. وهناك موظفون مقيدون بأنظمة معلوماتية بطيئة أو بمساطر لم يصنعوها. وهناك مسؤوليات موزعة بطريقة تجعل الموظف أمام المواطن عاجزاً عن اتخاذ القرار.

لهذا فإن إصلاح الإدارة يحتاج بدوره إلى إصلاح الوظيفة العمومية، وهو ما شددت عليه مذكرة الوسيط حين ربطت بين الورشين ودعت إلى قيادة قادرة على وصل الإصلاح الإداري بتحديث الوظيفة العمومية.

نريد موظفاً مؤهلاً ومحفزاً ومحترماً، لكننا نريده كذلك مسؤولاً ومنتصراً لمنطق الخدمة العمومية.

لا نريد المواطن متسلطاً على الموظف، ولا الموظف متسلطاً على المواطن. نريد علاقة يحكمها القانون والاحترام المتبادل.

من يحاسب الإصلاح نفسه؟

لقد توالت مشاريع إصلاح الإدارة عبر عقود، وتغيرت التسميات، وتبدلت الوزارات المشرفة، وتعددت الاستراتيجيات...

لكن مذكرة وسيط المملكة تضع اليوم سؤالاً لا ينبغي أن نمر عليه مرور الكرام: من يقود هذا الورش فعلاً، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه؟

حين تدعو مؤسسة دستورية إلى «قيادة حكومية واضحة»، و«إطار مؤسساتي مستقر»، وإلى استمرارية البرامج ووضوح المسؤولية، فإنها عملياً تضع يدها على معضلة كبيرة: الإصلاح الذي لا نعرف من المسؤول النهائي عنه يصعب أن نعرف من نحاسبه عندما يتعثر.

فلا ينبغي أن يصبح إصلاح الإدارة ورشاً موزعاً بين وزارات وقطاعات ومؤسسات، لكل واحدة قطعة منه، بينما لا توجد جهة واضحة مسؤولة أمام الرأي العام عن النتيجة النهائية.

لماذا جاءت مذكرة وسيط المملكة في توقيت مهم؟

المؤسسة نفسها ربطت راهنية مذكرتها باقتراب الاستحقاقات التشريعية، وما يرافقها من نقاش بشأن أولويات العمل الحكومي والبرامج العمومية المقبلة. وهنا أرى أن الرسالة ينبغي أن تصل أيضاً إلى الأحزاب.

فبرامج الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تختزل في الوعود الاجتماعية والاستثمارات والبنيات التحتية فقط.

نريد أن نعرف أيضاً: ما تصور كل حزب للإدارة؟ كيف سيقلص آجال الخدمات؟

كيف سيعالج التظلمات؟ كيف سيضمن استمرارية الملفات عند تغيير الحكومات؟

كيف سيجعل المسؤول الإداري قابلاً للمساءلة على جودة الخدمة؟

وكيف سيقيس رضا المواطن؟

لأن المواطن قد يستعمل بطاقة التصويت مرة كل عدة سنوات، لكنه يتعامل مع الإدارة طوال السنة.

لا نريد إصلاحاً جديداً.. نريد أن يشعر المواطن بالإصلاح

ربما لسنا بحاجة اليوم إلى إضافة شعار جديد إلى قاموس الإدارة المغربية بقدر حاجتنا إلى تنفيذ ما راكمناه بالفعل من قوانين ومبادئ ومؤسسات وتوصيات.

مذكرة وسيط المملكة لا تقول إن الإصلاح ينبغي أن يكون تقنياً فقط؛ بل تضع ثقافة الخدمة، وجودة العلاقة مع المرتفق، والإنصات، والتعليل، والتصحيح، ضمن صميم الإصلاح المطلوب.

وهذا، في نظري، هو جوهر الموضوع كله. فالاعتراف بالخطأ جزء من الإدارة الحديثة، وتصحيح القرار ليس إهانة للمسؤول، والاستماع إلى التظلم ليس ضعفاً، والاعتذار للمواطن عند الخطأ لا ينتقص من هيبة الإدارة.

بل العكس. الإدارة القوية ليست الإدارة التي لا تخطئ؛ وإنما التي تملك شجاعة اكتشاف خطئها وتصحيحه قبل أن يضطر المواطن إلى قضاء سنوات في مواجهتها.

مذكرة وسيط المملكة يجب ألا تنتهي بانتهاء الخبر

قد تمر مذكرة مؤسسة وسيط المملكة كباقي الأخبار. نقرأها اليوم، وتنشر المواقع أبرز مضامينها، ثم تأتي أحداث أخرى وينتقل الاهتمام إلى ملفات جديدة. لكن سيكون مؤسفاً أن يحدث ذلك.

لأن ما طرحته المؤسسة يوم 24 غشت 2026 ليس قضية يوم واحد، وإنما قضية العلاقة اليومية بين المواطن والدولة.

وحين تدعو مؤسسة دستورية راكمت تجربة مباشرة في معالجة تظلمات المواطنين إلى حوار عمومي واسع حول الإدارة والوظيفة العمومية، وقيادة حكومية واضحة، واستقرار مؤسساتي، وتقييم يقوم على جودة الخدمات والآجال ورضا المرتفقين والتفاعل مع تظلماتهم، فإن الأمر يستحق أكثر من بلاغ عابر.

إنه يستحق أن يصبح جزءاً من البرنامج الحكومي المقبل، ويستحق أن تُسائل به الأحزاب، وأن تناقشه النقابات، وأن تترافع بشأنه جمعيات المجتمع المدني، وأن يراقبه الإعلام، وأن يكون المواطن نفسه شريكاً في تقييم نتائجه.

لأن إصلاح الإدارة لا ينبغي أن يكون حواراً بين الإدارة ونفسها.

المواطن هو صاحب المصلحة الأولى فيه. لا نريد منه أن يحفظ أسماء البرامج الحكومية، ولا عدد المنصات الرقمية، ولا عدد المراسيم، ولا خرائط إعادة الهيكلة.

يريد فقط، عندما يضع ملفه، أن يعرف أين وصل. وعندما يطلب حقه، أن يحصل على جواب. وعندما يرفض طلبه، أن يعرف السبب. وعندما تظلمه الإدارة، أن يجد من ينصفه. وعندما تتغير الحكومة، ألا يضيع ملفه. وعندما يغادر المسؤول، ألا تبدأ معاملته من جديد. وعندما تخطئ الإدارة، أن تصحح خطأها.

هذه هي الإدارة التي سيشعر معها المواطن بأن الإصلاح وصل إليه فعلاً.

ولهذا فإن مذكرة وسيط المملكة ينبغي ألا تقرأ باعتبارها نقداً تقنياً للإدارة، بل باعتبارها دعوة لإعادة ترتيب البوصلة كلها: من إصلاح ينطلق من الهياكل وينتهي عند المواطن، إلى إصلاح يبدأ بالمواطن وينتهي بقياس ما تغير في حياته.

وعندما يصبح السؤال الأول لكل مسؤول عن إصلاح الإدارة ليس: كم أنجزنا؟ بل: كم سهّلنا على المواطن؟ وكم حقاً حمينا؟ وكم تظلماً أنصفنا؟ وكم يوماً اختصرنا من زمن الانتظار؟...

عندها فقط نستطيع القول إن الرسالة التي بعث بها وسيط المملكة لم تنته في صفحات الأخبار، وإنما وصلت فعلاً إلى المكان الذي ينبغي أن تصل إليه:

إلى قلب الإدارة، وإلى عقل الحكومة، وإلى حياة المواطن.

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي



في نفس الركن