☰
2026 أكتوبر 4 - تم تعديله في [التاريخ]

مراكش تفتح نقاش اللغة والجسد في قصيدة النثر

من سؤال التسمية إلى دلالات الجسد، فتحت مراكش نقاشًا حول قدرة قصيدة النثر على التعبير عن الإنسان المعاصر، في لقاء تجاوز الوقت المخصص له، واستحضر تاريخ هذا الشكل الشعري وعلاقته باللغة والفلسفة والصورة.


ملتقى لبابة الأول يجمع باحثين لمساءلة المصطلح وتحولات التعبير عن الإنسان المعاصر

من أشغال ملتقى لبابة الأول لقصيدة النثر بمراكش
*العلم الإلكترونية – أسامة لحفيظ*

احتضنت المكتبة الوسائطية بسيدي يوسف بن علي في مراكش، يوم السبت 26 شتنبر 2026، ملتقى لبابة الأول لقصيدة النثر، الذي نظمته جمعية لبابة للإبداع والتنمية والتواصل، بشراكة مع مجلس مقاطعة سيدي يوسف بن علي ومؤسسة الأعمال الاجتماعية لرجال التعليم، فرع مراكش.

وتضمن الملتقى عدة أنشطة، استُهلت بندوة علمية بعنوان «اللغة والجسد في قصيدة النثر العربية: أي تعبير عن الإنسان المعاصر؟»، بمشاركة الأستاذ الكبير الداديسي والدكتور مولاي علي الخامري، وبتسيير الأستاذة فاطمة المعيزي.

وافتُتحت أشغال الملتقى بالنشيد الوطني وكلمات الجهات المنظمة، قبل أن تقدم فاطمة المعيزي كلمة ترحيبية بالضيوف، استعرضت فيها سياق اختيار موضوع الملتقى ودوافعه، وقدمت المتدخلين.

◊ إرهاصات قصيدة النثر وتعدد مداخل القراءة

ركز الدكتور مولاي علي الخامري، في مداخلته، على الإرهاصات الأولى لقصيدة النثر، منطلقًا من تعدد القراءات تبعًا لاختلاف زوايا النظر إلى النص، وما تؤطره من عناصر ثلاثة: الكاتب والنص والقارئ، وما نشأ عن الاهتمام بكل عنصر منها من مناهج نقدية.

وانتقل الخامري إلى استعراض تاريخ قصيدة النثر، مستشهدًا بكتاب سوزان برنار «قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا»، قبل أن يطرح سؤال الدوافع النقدية التي أسهمت في ظهور هذا الشكل الشعري.

وربط المتدخل ذلك بخمسة عوامل، أولها أهمية النقد والقراءة في تطوير العمل النقدي وإيصاله إلى القارئ، وثانيها تقدم النقد ومناهجه وإسهامه في تطور العلوم الإنسانية، وثالثها الاهتمام بالبنيات اللغوية، ورابعها الاستفادة من العلوم الإنسانية، وخامسها الإقرار بتعدد المعنى.

وأوضح أن هذه المعطيات أسهمت، بدرجات متفاوتة، في ظهور قصيدة النثر، ليخلص إلى صعوبة وضع تعريف شامل وجامع لها، بالنظر إلى اختلافها عن سائر الفنون على مستويات اللغة والصور والإيقاع.

وعقب المداخلة، قدمت مسيرة اللقاء فاطمة المعيزي خلاصة لأبرز ما تناوله الخامري بشأن إرهاصات قصيدة النثر وخصائصها، قبل أن تمنح الكلمة للأستاذ الكبير الداديسي.

من أشغال ملتقى لبابة الأول لقصيدة النثر بمراكش
◊ الداديسي يسائل المصطلح ويقترح «الشعر المعاصر»

استهل الكبير الداديسي مداخلته بتوجيه الشكر إلى الحضور والقائمين على تنظيم الملتقى، معبرًا عن سعادته بالمشاركة في نسخته الأولى، وما تقتضيه هذه البداية من تحديد للمفاهيم وإرساء أرضية للنسخ المقبلة.

وقبل الانتقال إلى موضوع اللغة والجسد في قصيدة النثر، اختار الداديسي الانطلاق من إشكالية المصطلح في النقد العربي المعاصر، متوقفًا عند تسمية «قصيدة النثر»، التي اعتبرها غير مناسبة لهذا الجنس الشعري.

وأوضح، في قراءته، أن خصائص قصيدة النثر لا تنسجم مع مفهوم «القصيدة» المرتبط بالشطرين المتناظرين وبالقصد والقصيد، مستشهدًا بأصل الكلمة واشتقاقاتها، التي رأى أنها تحيل إلى نوع معين من الشعر، لا إلى الشعر كله.

وربط المتدخل دلالة «القصيدة» بشطر الشعر إلى شطرين، معتبرًا أن الكلمة تقع خارج العائلة الاشتقاقية للشعر، بخلاف التعبير الفرنسي «Poème en prose»، الذي يستعمل كلمة تنتمي إلى العائلة اللغوية نفسها التي تضم «Poète» و«Poème» و«Poésie».

وفي هذا السياق، انتقد ترجمة التعبير الفرنسي إلى «قصيدة النثر»، واصفًا إياها بأنها «جناية» يتحمل مسؤوليتها، وفق رأيه، أدونيس بوصفه المترجم الأول لهذا المصطلح ومن تبعه، إذ تركت الترجمة العربية الكلمات المشتقة من الشعر، واختارت لفظًا مرتبطًا بالشطرين، لا ينسجم، في تقديره، مع خصوصية الشكل الشعري المهيمن في عصرنا.

واستعرض الداديسي مسار دخول مفهوم قصيدة النثر إلى الثقافة العربية وسياقات تداوله، مقترحًا اعتماد تسمية أخرى أكثر ملاءمة لخصائصه، من قبيل «الشعر المعاصر».

◊ الجسد من التصور الفلسفي إلى الدلالة الشعرية

بعد هذه التوطئة، انتقل الداديسي إلى موضوع الجسد، الذي احتفى به الشعر، قديمه وحديثه، مستحضرًا نظرة الفلسفة إليه منذ أفلاطون، مرورًا بالفلسفة العربية والكوجيطو الديكارتي.

وتناول، ضمن هذا المسار، التصورات التي قللت من قيمة الجسد وأعلت من شأن الروح، قبل أن يتوقف عند فلسفتي نيتشه وشوبنهاور ودورهما، في قراءته، في إعادة الاعتبار للجسد، وهو حضور تعزز لاحقًا في عصر الصورة والسينما والإشهار.

وفي مقاربته لحضور الجسد في الشعر، قدم أمثلة من الشعر القديم، أبرز من خلالها اختلاف نظرة الشعراء إلى جسد الرجل عن نظرتهم إلى جسد المرأة.

كما توقف عند فكرة النمط والنموذج في تصوير الجسد، مستدلًا بتكرار الصفات الجسدية نفسها، حتى تكاد النساء يتشابهن في قصائد الغزل، بنوعيه العفيف والمكشوف، ومستشهدًا بأمثلة من كل نوع.

وانتقل بعد ذلك إلى حضور الجسد في الشعر المعاصر، مبينًا الفرق بين تناوله بلغة تقريرية عادية، وتشكيله شعريًا من خلال الصور البلاغية القائمة على الاستعارة والكناية والمجاز.

وأوضح أن الشعر المعاصر أضاف إلى هذه الأدوات الأسطورة والرمز والانزياح، ليغدو ملتقى لهذه العناصر، ويتحول الجسد داخله إلى كيانات ذات دلالات متعددة، تتقاطع فيها الأبعاد الثقافية والسياسية والفنية.

من أشغال ملتقى لبابة الأول لقصيدة النثر بمراكش
◊ نقاش مفتوح وتكريم للمتدخلين

عقب المداخلة، قدمت فاطمة المعيزي خلاصة لما طرحه الداديسي حول مفهوم قصيدة النثر وعلاقة الجسد باللغة، قبل فتح باب النقاش أمام الحضور.

وتفاعل عدد من الحاضرين مع موضوع الندوة، مقدمين قراءات أضاءت جوانب من النقاش، وأسئلة بشأن ما استشكل عليهم، وإضافات أغنت اللقاء، الذي امتد زمنه إلى أضعاف المدة المخصصة له.

وفي ختام الأشغال، قدمت فاطمة المعيزي شواهد تقديرية إلى الأستاذ الكبير الداديسي والدكتور مولاي علي الخامري، وشكرت الحضور على صبرهم وتفاعلهم، معلنة عن موعد مقبل مع محاضرة أخرى، إن شاء الله، قبل دعوة الجميع إلى التقاط صورة جماعية توثق لحظات اللقاء.



في نفس الركن