الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من الشارع الإسباني إلى البرلمان، ومن اتهام المغرب بلا دليل إلى الإساءة للملك محمد السادس والتلويح بحرب «تُحسم في 24 ساعة»، وصولًا إلى تجييش جزائريين داخل إسبانيا للالتحاق بالاحتجاجات المناوئة للمملكة… التاريخ يقول إن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وصخرة بادس ليست صفحات يمكن لإسبانيا تمزيقها كما مُزق العلم المغربي.
لم يعد ما يجري في إسبانيا منذ أزمة التدفق الجماعي نحو سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026 مجرد نقاش حول الهجرة غير النظامية، ولا خلافًا عابرًا حول أداء حكومة بيدرو سانشيز أو جاهزية الأجهزة الأمنية والحدودية، بل تحول، مع توالي التصريحات والمظاهرات والعناوين الإعلامية، إلى مناخ سياسي وإعلامي تتداخل فيه الهجرة مع السيادة، والمحاسبة السياسية مع تصفية الحسابات، والبحث عن الحقيقة مع تحميل المغرب مسؤولية لم يثبتها التحقيق، إلى درجة أن اسم المملكة المغربية وملكها وعلمها الوطني أصبح هدفًا للاتهام والإساءة والاستفزاز، بينما تُرفع، في المقابل، شعارات تؤكد «إسبانية سبتة ومليلية»، وكأن تكرار الشعار قادر على إلغاء التاريخ والجغرافيا وحق المغرب في التمسك بمطالبه الترابية.
المغرب ليس مطالبًا بأن يقبل هذه الموجة بصمت لمجرد أن إسبانيا شريك اقتصادي وسياسي وأمني مهم، كما أن الدفاع عن علاقات حسن الجوار لا يعني التنازل عن الكرامة الوطنية أو التسليم بكل رواية إسبانية بشأن أراضٍ يعتبرها المغرب جزءًا من ترابه؛ فالشراكة الحقيقية لا تُبنى على أن يحتفظ طرف بحقه في الدفاع عن روايته ومصالحه وسيادته، بينما يُطلب من الطرف الآخر أن يصمت، حتى عندما تُهان رموزه وتُوجه الاتهامات إلى دولته وملكه بلا دليل.
* الحكومة الإسبانية نفسها تقول: لا دليل على أن المغرب دبّر التدفق
المفارقة الأولى التي ينبغي التوقف عندها هي أن جانبًا من المعارضة الإسبانية وبعض المنابر والتيارات السياسية يبني اليوم خطابًا يكاد يقدم المغرب باعتباره المسؤول المحسوم أمره عن أحداث سبتة، في وقت قال فيه رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أمام البرلمان يوم 3 شتنبر، إنه لا توجد أدلة تثبت أن السلطات المغربية صممت أو نفذت التدفق الجماعي، مؤكدًا أن التحقيقات متواصلة، وأن وجود شبهات أو ملاحظات حول تصرف بعض العناصر على الحدود لا يساوي إثبات قرار صادر عن الدولة المغربية لتنظيم العملية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف تتحول فرضيات وتحقيقات لم تُحسم بعد إلى أحكام سياسية جاهزة ضد دولة جارة؟
التقرير الأمني الإسباني أثار تساؤلات بشأن سلوك بعض عناصر الأمن المغربي خلال ساعات حرجة من الأزمة، لكن مدير الشرطة الإسبانية نفسه أكد أن التقارير لا تنسب إلى الحكومة المغربية قرار التخطيط للعملية، فيما تعاون المغرب لاحقًا في إعادة أعداد كبيرة ممن عبروا الحدود. ولذلك، فإن الانتقال من التحقيق في وقائع محددة إلى اتهام المغرب بأنه شن «حربًا هجينة»، أو أرسل عشرات الآلاف لإسقاط الحكومة الإسبانية، ليس تحقيقًا، بل حكم سياسي يسبق القضاء والوقائع.
* تحول سبتة إلى تعبئة وطنية إسبانية ضد المطالب المغربية
يوم 2 شتنبر، خرج عشرات الآلاف في إسبانيا في تجمعات امتدت، وفق تقارير إعلامية، إلى أكثر من 260 بلدية، وبلغ عدد المشاركين في مدريد نحو 50 ألفًا، وفق مندوبية الحكومة، بينما شهدت سبتة نفسها إحدى أكبر تعبئاتها الحديثة، رافعة شعاري «سبتة لا تُباع، سبتة يُدافع عنها» و«سبتة إسبانية».
من حق المواطن الإسباني، وفق قناعته، أن يعبر سلميًا عما يراه دفاعًا عن بلاده، كما من حق السياسي الإسباني أن يدافع عن الموقف الرسمي لدولته؛ لكن عندما تنتقل بعض هذه التعبئة إلى معاداة المغرب والمغاربة واستهداف رموز الدولة المغربية، فإن الأمر لم يعد مجرد تضامن مع سكان سبتة.
وقد ظهر في تسجيل مصور متداول أشخاص خلال وقفة بإسبانيا وهم يمزقون العلم الوطني المغربي.
هنا ينبغي أن نتوقف. العلم المغربي ليس قرارًا حكوميًا يمكن انتقاده، وليس مسؤولًا سياسيًا يمكن الاختلاف معه، وليس ملفًا حدوديًا قابلًا للسجال؛ إنه رمز أمة ودولة وشعب، وتمزيقه لا يخدم سبتة ولا الإسبان ولا العلاقات المغربية الإسبانية، وإنما يكشف مستوى خطيرًا من الاستفزاز الذي ينبغي أن يُدان بالوضوح نفسه الذي يطالب به الإسبان باحترام علمهم ورموز دولتهم.
ومن غير المقبول أن يتحول الخلاف حول الهجرة إلى ذريعة تجعل المغرب كله خصمًا، أو أن يصبح كل مغربي متهمًا لأن عشرات الآلاف حاولوا عبور الحدود، كما لا يمكن تحميل دولة كاملة مسؤولية أفعال أشخاص لمجرد أنهم قدموا من أراضيها.
* تجييش جزائريين داخل إسبانيا للالتحاق بالاحتجاجات ضد المغرب
والأخطر في ما رافق الاحتجاجات الإسبانية الأخيرة ضد المغرب هو ما جرى تداوله بشأن تجييش جزائريين مقيمين داخل إسبانيا ودفعهم إلى الالتحاق ببعض الوقفات والمظاهرات المناوئة للمملكة، مع تداول مزاعم عن تعبئة منظمة وتوفير حافلات لنقل مشاركين إلى أماكن الاحتجاج، في خطوة وُجهت بشأنها أصابع الاتهام إلى دوائر مرتبطة بالنظام الجزائري، يُشتبه في سعيها إلى استثمار الغضب الإسباني وتوجيهه ضد المغرب، وخلق صورة توحي بأن العداء للمملكة لا يقتصر على بعض التيارات الإسبانية المتطرفة، بل يجد له امتدادًا داخل الجالية الجزائرية.
وتزداد هذه الشبهات أهمية بالنظر إلى ما سبق أن ظهر في الجزائر وعلى حسابات ومنصات جزائرية من حملات تهاجم المغرب وتردد، بشكل لافت، مقولة «سبتة إسبانية»، وما أثير من اتهامات بشأن مساهمة حسابات تُدار من الجزائر في نشر دعوات ومعلومات مرتبطة بالعبور الجماعي نحو سبتة والتحريض الرقمي المصاحب له.
وإذا كانت مسألة الحافلات والتوجيه المباشر للمتظاهرين ما تزال قائمة على مزاعم متداولة وتحتاج إلى توثيق مستقل وقاطع قبل تقديمها باعتبارها حقيقة، فإن الثابت أن أزمة سبتة تحولت لدى جزء من الخطاب الجزائري الإعلامي والرقمي إلى فرصة جديدة لمهاجمة المغرب والاصطفاف إلى جانب أكثر الأطروحات الإسبانية تشددًا تجاهه، بما يطرح سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كنا أمام مجرد تفاعل أفراد، أم أمام محاولة منظمة لتحويل الأراضي الإسبانية إلى ساحة إضافية في الصراع السياسي والإعلامي الذي يخوضه النظام الجزائري ضد المملكة.
* داخل البرلمان… تحول الخلاف السياسي إلى إساءة لملك المغرب
لكن الأخطر لم يقع فقط في الشارع. داخل مجلس النواب الإسباني، يوم 3 شتنبر، ذهب غابرييل روفيان، المتحدث باسم كتلة اليسار الجمهوري الكتالوني، إلى اتهام المغرب بأنه أرسل نحو 80 ألف شخص إلى الحدود بهدف إسقاط حكومة سانشيز، ثم تجاوز نقد السياسات المغربية إلى وصف الملك محمد السادس بلفظ «القاتل»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية «إفي».
هذا الكلام لا يصبح حقيقة لمجرد أنه قيل تحت قبة البرلمان.
وحرية التعبير لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية من مسؤولية الإثبات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باتهام ملك دولة جارة بجريمة، من دون حكم أو دليل أو ملف قضائي يُقدم لإسناد هذا النعت.
كان من حق روفيان أن ينتقد المغرب. وكان من حقه أن يطالب بالتحقيق. وكان من حقه أن يسائل سانشيز عن علاقة حكومته بالرباط. لكنه، حين انتقل إلى إطلاق وصف بهذه الخطورة على الملك محمد السادس، خرج من دائرة مساءلة السياسات إلى دائرة الإساءة المجانية إلى رأس الدولة المغربية.
والأغرب أن رئيس الحكومة الإسبانية، الذي كان موجودًا في الجلسة نفسها ويملك معطيات الدولة وأجهزتها، قال إنه لا دليل على أن السلطات المغربية هي التي صممت أو نفذت أزمة سبتة، بينما منح آخرون أنفسهم حق إصدار الأحكام القطعية.
* «سنطفئهم في 24 ساعة»… حين تصبح الحرب عنوانًا صحفيًا
ثم جاءت صحيفة «El Español» لتضيف جرعة أخرى من التصعيد الإعلامي. ففي 31 غشت، نشرت الصحيفة، ضمن «مرصد الدفاع»، موضوعًا بعنوان لا يحتاج إلى كثير من التأويل:
«هكذا ستنتصر إسبانيا في حرب مع الرباط بسبب سبتة: سنطفئهم في 24 ساعة، وكل ما يطير سيسقط».
الصحيفة نسبت العبارة إلى خبراء وعسكريين في سياق سيناريو افتراضي للمواجهة بين المغرب وإسبانيا، ولم يكن ذلك إعلانًا رسميًا صادرًا عن الجيش أو الحكومة الإسبانية؛ لكن هذه الحقيقة لا تعفي المنبر الإعلامي من مسؤوليته، لأنه لم يدفن العبارة داخل تقرير طويل، بل اختارها عنوانًا رئيسيًا، وبنى حولها موضوعًا عن كيفية انتصار إسبانيا في حرب مع المغرب.
صاحب التصريح مسؤول عن كلامه، والصحيفة مسؤولة عن اختياره وتسويقه وتقديمه إلى جمهورها عنوانًا مثيرًا.
فالصحافة لا تتحول إلى مجرد ساعي بريد عندما تختار، من عشرات الجمل، أكثرها استفزازًا لتضعها في الواجهة.
والمغرب، الذي تعاون لعقود مع إسبانيا في مكافحة الإرهاب والهجرة والاقتصاد والتجارة والأمن، ليس دولة ينبغي أن يتحول الحديث عن «إطفائها في 24 ساعة» إلى مادة للتشويق الصحفي.
ثم إن قوة الدول لا تُقاس بمقالة، ولا بتصريح عسكري متقاعد أو خبير يجلس أمام خريطة ويحسب الطائرات والفرقاطات.
الحرب بين بلدين جارين لا ينتصر فيها أحد في 24 ساعة.
يدفع ثمنها الشعبان لعقود.
* سبتة لم تنبت في شبه الجزيرة الإيبيرية
وحين يقول بعض المتظاهرين والسياسيين «سبتة إسبانية وستبقى إسبانية»، فإن الدفاع عن الموقف الإسباني لا يمنحهم الحق في محو حقيقة جغرافية بسيطة: سبتة موجودة في إفريقيا، متصلة بالأرض المغربية، وليست قطعة اقتُطعت من شبه الجزيرة الإيبيرية ثم حملها البحر إلى الساحل المغربي.
والتاريخ نفسه يسجل أن البرتغال استولت على سبتة سنة 1415، بعدما كانت تحت حكم الدولة المرينية، أي قبل ظهور الدولة الإسبانية الحديثة بصورتها الحالية، ثم انتقلت لاحقًا إلى التاج الإسباني، واستقر انتقالها رسميًا بمقتضى معاهدة لشبونة في القرن السابع عشر. حتى المصادر التاريخية الأوروبية تصف عملية 1415 بأنها «استيلاء» برتغاليًا على سبتة الواقعة في المغرب.
أما مليلية، فتؤكد المصادر العسكرية الإسبانية نفسها أن القوة التي قادها بيدرو دي إستوبينيان نزلت بها في 17 شتنبر 1497، ومنها بدأ الوجود الإسباني الدائم في المدينة.
إذن، نحن نتحدث عن وجود عسكري بدأ في نهاية القرن الخامس عشر، لا عن مدينة انتقلت طبيعيًا من داخل الجغرافيا الإسبانية إلى شمال إفريقيا.
وليست سبتة ومليلية وحدهما؛ فالملف المغربي أوسع مما يختزله الإعلام عادة في المدينتين.
هناك كذلك صخرة بادس، المعروفة إسبانيًا بصخرة فيليث دي لا غوميرا، وصخرة الحسيمة والجزر التابعة لها، والجزر الجعفرية.
وحتى المصادر الإسبانية الرسمية تستخدم، إلى اليوم، تعبير «مناطق السيادة الإسبانية قرب شمال إفريقيا»، وتذكر سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وصخرتي الحسيمة وبادس.
وتكشف المصادر التاريخية التابعة لإسبانيا نفسها كيف تشكل هذا الوجود؛ فقد احتلت القوات الإسبانية صخرة بادس أول مرة سنة 1508، وفقدتها سنة 1522، ثم استعادت السيطرة عليها سنة 1564.
واحتلت قوة إسبانية صخرة الحسيمة سنة 1673، وهي واقعة تسجلها منشورات التاريخ العسكري الإسباني نفسها.
أما الجزر الجعفرية، فتقول صفحة رسمية تابعة لوزارة الانتقال البيئي الإسبانية إن يوم 6 يناير 1848 هو اليوم الذي «مورس فيه فعليًا الحكم الإسباني عليها»، وتشرح أن مدريد قررت احتلالها بعدما علمت بأن فرنسا تعتزم الوصول إليها، فأرسلت قوة عسكرية سبقت الفرنسيين إلى الجزر.
هذه ليست رواية كتبها صحفي مغربي غاضب. إنها تواريخ واردة في مصادر إسبانية رسمية. فكيف يصبح ذكرها اليوم استفزازًا، بينما يصبح الاحتفاء باستمرار السيطرة الإسبانية عليها «دفاعًا عن الوحدة الترابية»؟
* المغرب حمل القضية رسميًا إلى الأمم المتحدة
والأهم أن مطالبة المغرب بهذه الأراضي ليست شعارًا حديثًا ظهر مع أزمة الهجرة.
ففي 27 يناير 1975، وجه الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة رسالة رسمية إلى اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار، مسجلة تحت الرقم A/AC.109/475، اعتبر فيها سبتة ومليلية والحسيمة وصخرة بادس والجزر الجعفرية آخر بقايا الوجود الاستعماري على الساحل المتوسطي للمغرب، وطلب إدراجها ضمن الأقاليم التي يتعين تصفية الاستعمار منها.
وفي السنة نفسها، اتخذ مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية قرارًا وصف سبتة ومليلية وصخرتي الحسيمة وبادس والجزر الجعفرية بأنها «جيوب استعمارية على الساحل الشمالي للمغرب»، وأعلن تضامنه مع المملكة المغربية، ودعا إسبانيا إلى الدخول في مفاوضات بشأنها.
ومن الإنصاف أيضًا ذكر أن الأمم المتحدة لم تُدرج هذه الأراضي، حتى اليوم، ضمن قائمتها الحالية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وأن إسبانيا ترفض التوصيف المغربي وتعتبرها أراضي إسبانية كاملة السيادة.
وهذا بالضبط يعني أن لدينا نزاعًا في المواقف والروايات، لا أن التاريخ اختفى، ولا أن المغرب فقد حقه في طرح مطالبه لمجرد أن مدريد ترفضها.
* المغرب لا يحتاج إلى الحرب لكي يدافع عن حقه
لا ينبغي أن ننجر وراء من يريد تحويل الملف إلى سباق للصواريخ والطائرات. المغرب لا يحتاج إلى أن يهدد إسبانيا بالحرب، ولا أن يرد على عنوان «24 ساعة» بعنوان مماثل، ولا أن يمزق الإسبان علمًا فنمزق نحن علمهم.
هناك ما هو أقوى: التاريخ، والجغرافيا، والدبلوماسية، والقانون، والوثيقة، والذاكرة الوطنية.
والمغرب يستطيع أن يقول لإسبانيا بكل هدوء: نحن شركاء ولسنا تابعين؛ نتعاون معكم، لكننا لا نمحو تاريخنا؛ نحترم علمكم وملككم ومؤسساتكم، ونطالبكم باحترام علمنا وملكنا ودولتنا؛ نرفض الاعتداء على أراضيكم، لكن من حقنا أن نتمسك بمطالبنا بشأن أراضٍ على ساحلنا انتقلت إلى السيطرة الأوروبية بالقوة العسكرية في عصور التوسع الاستعماري.
المشكلة ليست أن الإسبان يدافعون عن موقفهم… بل أين دفاعنا نحن؟
وهنا لا يجب عتاب الإسبان وحدهم.
الإسبان خرجوا بعشرات الآلاف للدفاع عما يعتبرونه أرضهم. أحزابهم تحدثت. بلدياتهم تحركت. إعلامهم ملأ الصفحات. ونوابهم صرخوا داخل البرلمان.
فأين نحن؟ أين الأحزاب المغربية؟ أين الجامعات؟ أين المؤرخون؟ أين المجتمع المدني؟
أين الوثائقيات والأبحاث والكتب والندوات والحملات الدولية التي تشرح للأوروبيين، بلغاتهم، لماذا يتمسك المغرب بسبتة ومليلية وبقية الثغور والجزر؟
لا يمكن أن نلوم إسبانيا لأنها تسوق روايتها بكفاءة، ثم نترك روايتنا داخل الأدراج. القضايا الوطنية لا تعيش بالشعارات الموسمية.
تعيش بالعمل المتواصل.
* لا تمزقوا العلم وتطلبوا منا أن نصمت
ربما يلخص مشهد تمزيق العلم المغربي كل ما نريد قوله. يمكنك أن تختلف مع المغرب. يمكنك أن تنتقد حكومته. يمكنك أن تعتبر سبتة إسبانية. ويمكن للمغربي أن يقول إنها أرض مغربية محتلة. ذلك يسمى خلافًا سياسيًا وتاريخيًا.
أما أن يتحول الخلاف إلى تمزيق علم دولة جارة، أو إلى وصف ملكها بالقاتل داخل البرلمان، أو إلى عناوين تتلذذ بسيناريو «إطفاء» المغرب عسكريًا في أربع وعشرين ساعة، ثم يُطلب من المغاربة أن يتعاملوا مع كل ذلك باعتباره مجرد حرية تعبير، فهذه معادلة لا تستقيم.
المغرب ليس عدوًا لإسبانيا، والشعب الإسباني ليس عدوًا للمغاربة.
وبين البلدين من المصالح والعلاقات الإنسانية والاقتصادية والأمنية ما يجعل الحوار قدرًا جغرافيًا لا مفر منه.
لكن الصداقة بين الدول لا تعني فقدان الذاكرة، وحسن الجوار لا يعني التنازل عن الكرامة، والتعاون لا يعني الصمت أمام الإهانة.
أما سبتة ومليلية وبادس والجزر الجعفرية، فلن تصبح قضيتها منتهية لمجرد أن عشرات الآلاف هتفوا بأنها إسبانية، كما أن تمزيق العلم الوطني المغربي لا يفك ارتباط المغاربة بعلمهم ولا ذاكرتهم.
يمكن تمزيق العلم بيد متطرف في لحظات، لكن لا يمكن تمزيق التاريخ بالمقص نفسه.
وإذا كانت إسبانيا مقتنعة بقوة موقفها، فالمكان الطبيعي لمناقشته ليس الشتم ولا التهديد ولا استعراض سيناريوهات الحرب، وإنما طاولة حوار بين دولتين تعرفان أن البحر الذي يفصل بينهما أضيق بكثير من أن يتحمل كل هذا القدر من العداء.
المغرب لا يطلب من إسبانيا أن تنسى تاريخها، ولذلك ليس من حق أحد أن يطلب من المغرب أن ينسى جغرافيته وتاريخه وحقوقه ومطالبه.
العلم المغربي وذاكرة لا تنقسم