العلم: رشيد زمهوط
في ظل صمت استسلامي مطبق لنظام الجزائر، حاضنة المشروع الانفصالي بمخيمات تندوف، تحسرت قيادة جبهة البوليساريو لقرار جمهورية كولومبيا المعترف بالسيادة الكاملة للمملكة المغربية على صحرائها، والواضع حداً فارقاً للمنابر الانفصالية بمنطقة أمريكا اللاتينية.
صدمة قيادة الرابوني من الموقف الكولومبي، الذي سحب اعتراف بوغوتا بالميليشيا الانفصالية، تجد حدتها في أن الجبهة لم تكن تتوقع بأن حكومة بوغوتا التي استقبل نائب وزير خارجيتها، قبل نصف سنة، ممثل الجبهة الانفصالية ووعده بالدفاع عن الطرح الانفصالي بمجلس الأمن الدولي، الذي تحوز كولومبيا عضويته غير الدائمة برسم السنتين الجاريتين، هي نفس الدولة التي ستطرد نفس المرتزق الانفصالي من آخر معاقل الجبهة بمنطقة أمريكا اللاتينية وستسحب اعترافها بتنظيمه الإرهابي.
القيادة الانفصالية التي تتجرع، منذ سنوات، طعم النكسات والهزائم المتتالية، اكتفت بوصف الموقف الكولومبي السيادي بـ «المسرحية المؤسفة والصفقة التبادلية»، واعتبرته «معرقلاً لجهود الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي الرامية إلى التوصل إلى حل للنزاع».
مرارة وصدمة القيادة الانفصالية بالرابوني ستتفاقم بعد أن تأكد لها أن داعمها الرئيسي، النظام الجزائري، سيخذلها بدوره بالاتحاد الإفريقي، وسيسهم بدوره في تعميق عزلتها الدولية.
ممثل الجزائر بأديس أبابا، الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي برسم شهر غشت الجاري، تنكر لشعارات بلاده ومواقفها الداعمة للطرح الانفصالي، وتجاهل بالمطلق الجبهة الانفصالية ببرنامج ومحاور أهم القضايا والمواضيع القارية ذات الأولوية التي ستباشرها الرئاسة الجزائرية للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، والتي حددها الممثل الدائم لقصر المرادية في الأوضاع في السودان ومنطقة الساحل، ووضعية التعليم في مناطق النزاعات، إلى جانب ملفات مكافحة الإرهاب، في تجاهل كامل لملف النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، الذي ما زالت الجبهة الانفصالية تأمل وتحلم ببرمجته مجدداً ضمن أجندات وأولويات مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
ويبدو أن النظام الجزائري رضخ أخيراً، مرغماً وغير مخير، للإنذارات المتكررة للبيت الأبيض الأمريكي والرئاسة الأمريكية التي حسمت بشكل قاطع موقفها الداعم والصريح لسيادة المغرب على صحرائه، ودعم المقترح المغربي للحكم الذاتي كأساس وحيد للتوصل إلى حل للنزاع الإقليمي.
الاستعداد غير المعلن علناً للنظام الجزائري ولصنيعته بصحراء لحمادة على الالتزام بالجلوس كأطراف حول طاولة المفاوضات على أساس خطة الحكم الذاتي المغربية في إطار السيادة المغربية، يفرضها توجس الطرفين معا من مغبة الانخراط في قائمة التنظيمات الإرهابية والدول الحاضنة لنشاطها التي تعدها وتعلنها سنوياً الخارجية الأمريكية، مع ما يستتبعها من تشرد وشتات للقيادة الانفصالية وسقوط النظام الجزائري المحتضن لنشاطهم الإرهابي في مسلسل طويل ومكلف من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية الدولية القاصمة.
القيادة الانفصالية العاجزة عن إسكات مسلسل الاحتجاجات والمواجهات اليومية الدائمة مع قاعدة المحتجين والمعارضين المتسعة يومياً بمخيمات تندوف، تحاول إبراز خضوعها للإرادة الأمريكية الحاسمة التي تطرح معادلة قبول الحل السياسي السلمي الدائم للخلاف، أو الاكتواء بتبعات تنزيل مقتضيات مشاريع القوانين المقدمة إلى الكونغرس الأمريكي والرامية إلى تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية، والذي تقوى قبل يومين فقط بانضمام ستة نواب أمريكيين جدد إلى قائمة الموقعين عليه، في خطوة تعكس اتساع دائرة الدعم للمبادرة داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية وتقزيم هامش المناورة السياسية والدبلوماسية بالنسبة للوبي الانفصالي ممثلاً في الجزائر وصنيعتها الانفصالية.
أمام بركان الغضب واليأس المنفجر داخل مخيمات تندوف، واقتراب موعد شهر أكتوبر الفاصل في المسار السياسي الأممي لتسوية النزاع المصطنع حول الصحراء المغربية، تنعدم لدى الجزائر وأداتها الانفصالية الطيعة أي حلول أو مجالات للمناورة للمزيد من استطالة ملف الصحراء. ومع هذه الثوابت والزخم الدولي المتصاعد دعماً للسيادة الترابية للمملكة المغربية، تبرز الحاجة الملحة لربط مسلسل التسوية السياسية الأممية للخلاف بالعديد من القضايا والملفات المتفرعة سياسياً وقانونياً، وفي مقدمتها ملف مصداقية وجدية الحدود الموروثة عن الاستعمار بالمنطقة، سيما وأن أهم الدول الفاعلة والمعنية بهذا الملف الحساس والمصيري بالنسبة لشعوب المنطقة توجد بمركز القرار بأعلى هيئة تنفيذية أممية، وهي مجلس الأمن الدولي.