☰
2026 أكتوبر 28 - تم تعديله في [التاريخ]

مفاتيح التدبير الجماعي بطنجة.. تركيز المسؤوليات ومخاطر اختلال التوازن

حين تتجمع مفاتيح المال والمرافق والقرار تتعاظم أسئلة الرقابة. محمد اليطفتي يقرأ تحديات مرحلة استثنائية تضع الحكامة الجماعية بطنجة أمام امتحان التوازن والمساءلة.


تكتل الاختصاصات المالية والاقتصادية والمرافق الحيوية يضع الحكامة المحلية أمام امتحان المسؤولية والرقابة

الإعلامي محمد اليطفتي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: محمد اليطفتي ★

تجد جماعة طنجة نفسها أمام مرحلة استثنائية من تدبير شؤونها، بعدما انتقلت، بحكم المقتضيات القانونية المنظمة لعمل المجالس الجماعية، صلاحيات رئيس المجلس الموقوف منير ليموري مؤقتًا إلى نائبه الأول محمد غيلان الغزواني، في سياق يتسم بتعقيدات تنظيمية وتدبيرية، تفاقمت مع وفاة النائب الثاني نور الدين شنكاشي واستمرار شغور منصب النائب العاشر. وهي وضعية تتجاوز مجرد انتقال مؤقت للاختصاصات، لتفتح النقاش حول طبيعة توزيع مراكز القرار داخل الجماعة، ومدى قدرة منظومة الحكامة المحلية على ضمان التوازن بين تركيز المسؤولية وفعالية الرقابة.

فمحمد غيلان الغزواني، الذي كان يشرف على ملفات متعددة وحساسة، تشمل المالية والميزانية، والتدبير المفوض لقطاع النظافة، والشؤون الاقتصادية والاستثمار، والأسواق الجماعية، والاحتلال المؤقت للملك العمومي، أصبح يتولى، بصفة مؤقتة، صلاحيات رئيس المجلس كاملة. وبذلك تتجمع في يده اختصاصات سبق أن مارسها بموجب التفويض، إلى جانب سلطات جديدة تفرضها طبيعة المرحلة، بما يجعل موقعه داخل المؤسسة الجماعية أكثر تأثيرًا في توجيه القرار وتدبير الملفات الحيوية للمدينة.

ويزداد النقاش أهمية باستحضار موقع محمد غيلان الغزواني باعتباره عضوًا بمجلس مقاطعة بني مكادة، يمثل دائرة انتخابية وينتظر منه ناخبوها التفاعل مع قضاياهم المحلية والدفاع عن مطالبهم وانشغالاتهم. وهو ما يطرح سؤال التوفيق بين تعدد مستويات المسؤولية وتنوع الملفات التي تتطلب حضورًا ميدانيًا ومتابعة مستمرة. فحين تتراكم المهام وتتسع دوائر الاختصاص، يصبح خطر تشتت المسؤولية واردًا، ليس بالضرورة بسبب غياب الكفاءة، وإنما نتيجة ضغط الملفات وتعدد الالتزامات وتداخل الأولويات. لذلك، فإن الحكامة الجيدة لا تقاس فقط بمدى اتساع الصلاحيات الممنوحة للمسؤول، بل أيضًا بقدرته على ضمان التتبع الفعلي لكل ملف، والاستجابة لانتظارات المواطنين، مع الحفاظ على وضوح المسؤوليات وفعالية آليات المراقبة والمساءلة.

ولا تكمن أهمية هذا التحول في عدد الاختصاصات وحده، بل في طبيعتها المتداخلة. فالمالية والميزانية تحددان هامش الحركة في تنفيذ البرامج والمشاريع، والاستثمار يرتبط بجاذبية المدينة الاقتصادية وفرص التنمية، فيما يمس التدبير المفوض للنظافة والأسواق والاحتلال المؤقت للملك العمومي الحياة اليومية للمواطنين، ويؤثر مباشرة في علاقة الجماعة بالفاعلين الاقتصاديين والتجاريين. وعندما تجتمع هذه المجالات في دائرة مسؤولية واحدة، فإن الأمر يستدعي استحضار متطلبات الحكامة والشفافية والوضوح في اتخاذ القرار.

إن القانون قد يجيز انتقال صلاحيات الرئاسة وفق ترتيب نواب الرئيس، لكنه لا يعفي المؤسسة الجماعية من مسؤولية ضمان التوازن بين الاختصاصات، ولا يجعل من الضرورة التنظيمية بديلًا عن الرقابة المؤسساتية. فالمطلوب ليس التشكيك في أهلية أي مسؤول لمجرد اتساع نطاق اختصاصاته، وإنما التأكيد على أن اتساع السلطة يجب أن يقابله اتساع في المسؤولية، ووضوح في مسارات اتخاذ القرار، وتفعيل لآليات التتبع والمساءلة.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى حساسية الملفات التي يشرف عليها غيلان، خصوصًا ما يتعلق بالصفقات والالتزامات المالية والتدبير المفوض واستغلال الملك العمومي. فهذه المجالات تتطلب قواعد واضحة لتدبير المصالح، وتكافؤ الفرص بين المتعاملين، وحماية المال العام، وضمان خضوع القرارات للضوابط القانونية والمساطر المعمول بها. كما تستدعي تمييزًا دقيقًا بين إعداد القرارات وتنفيذها ومراقبة نتائجها، بما يحول دون تحول تركيز المسؤوليات إلى نقطة ضعف في منظومة التدبير.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه جماعة طنجة لا يرتبط فقط بمن يمارس صلاحيات الرئاسة خلال هذه المرحلة، بل بكيفية تدبير المرحلة نفسها. فالمدينة، بما تعرفه من انتظارات اجتماعية واقتصادية ومشاريع تنموية، لا تحتمل أن تتحول الظروف الاستثنائية إلى مدخل لتعطيل الأوراش أو إضعاف التنسيق بين المصالح الجماعية. وفي المقابل، لا ينبغي أن تكون ضرورة ضمان الاستمرارية مبررًا لتراجع النقاش المؤسساتي أو إضعاف الرقابة على القرارات ذات الأثر المالي والاقتصادي.

وتظل مسؤولية المجلس الجماعي، بمختلف مكوناته، قائمة في تتبع تنفيذ المقررات، ومراقبة تدبير المرافق، وتقييم حصيلة القرارات المتخذة، في إطار احترام الاختصاصات التي يحددها القانون. كما أن الإدارة الجماعية مطالبة بضمان استمرارية العمل وفق قواعد المرفق العمومي، بعيدًا عن الارتباك الذي قد تفرزه التحولات في مواقع المسؤولية.

إن طنجة اليوم في حاجة إلى حكامة تتجاوز الأشخاص، وتؤسس لتدبير مؤسساتي واضح، تكون فيه المسؤوليات محددة، والقرارات قابلة للتتبع، والنتائج خاضعة للتقييم. فالمسؤولية المؤقتة، مهما اتسع نطاقها، تظل مسؤولية عمومية تستمد مشروعيتها من القانون، وتكتسب مصداقيتها من حسن التدبير واحترام قواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وإذا كان انتقال صلاحيات الرئاسة إلى محمد غيلان الغزواني يفرضه المسار القانوني في الظرفية الحالية، فإن اجتماع ملفات مالية واقتصادية ومرفقية حيوية في نطاق إشرافه، إلى جانب مسؤولياته على مستوى مقاطعة بني مكادة وتمثيله لدائرته الانتخابية، يجعل المرحلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة جماعة طنجة على التوفيق بين استمرارية المرفق العمومي وفعالية الرقابة المؤسساتية. فالعبرة ليست بمن يجمع مفاتيح التدبير، وإنما بكيفية استعمالها، وبمدى انعكاس القرارات المتخذة على مصالح المدينة وساكنتها، في إطار من القانون والشفافية والمساءلة. كما أن تعدد المهام لا ينبغي أن يتحول إلى عامل يشتت المسؤولية ويضعف التتبع، بل يجب أن يكون مدخلًا لتعزيز التنسيق وتوضيح الاختصاصات وضمان المحاسبة.

فطنجة، بما تمثله من ثقل اقتصادي وحضري، تحتاج إلى تدبير يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويضمن أن تظل المؤسسات الجماعية فضاء لخدمة المواطنين، لا مجرد مراكز لتجميع الصلاحيات. ذلك أن الحكامة الحقيقية لا تقاس بتركيز القرار في يد واحدة، بل بمدى القدرة على تحويل المسؤولية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

تركيز مفاتيح التدبير الجماعي يطرح أسئلة التوازن والرقابة بطنجة



في نفس الركن