2026 يوليو/جويلية 14 - تم تعديله في [التاريخ]

من أجل أرباح «أدسنس».. إنجازات المغرب الرياضية تتحول إلى سلعة رقمية على منصات عربية

استمرار التألق المغربي دفع صفحات وقنوات في المنطقة إلى استثمار الجدل حول المملكة لتعويض خسائر المشاهدات والإعلانات


*العلم: الرباط*


لم يعد استهداف المغرب على المنصات الرقمية مجرد سلوك عابر أو موجة انفعالية مرتبطة بنتيجة مباراة كرة قدم، بل أخذ، مع تطورات كأس العالم 2026، ملامح صناعة رقمية قائمة بذاتها، تحكمها حسابات الاقتصاد الرقمي أكثر مما تحركها المنافسة الرياضية. فبينما غادرت منتخبات عربية عدة المنافسة مبكراً، واصل المنتخب المغربي حضوره القوي، ليتحول النجاح الرياضي إلى مادة استثمارية تستقطب ملايين التفاعلات وتدر على صناع المحتوى عوائد إعلانية كبرى.

تمثل بطولة كأس العالم إحدى أكثر الفترات ربحية بالنسبة إلى المنصات الرياضية وصناع المحتوى، نظراً إلى الارتفاع الكبير في نسب المشاهدة وتدفق المعلنين؛ غير أن الخروج المبكر لمنتخبات عربية، من بينها مصر وتونس والجزائر، أدى إلى تراجع الاهتمام المحلي بالمحتوى الرياضي داخل تلك الأسواق، وهو ما انعكس مباشرة على نسب المشاهدة وعائدات الإعلانات الرقمية، ولا سيما عبر برنامج «أدسنس».

في المقابل، برز الجمهور المغربي بوصفه أحد أكثر الكتل الرقمية العربية نشاطاً وتفاعلاً مع المحتوى الرياضي، خاصة في ظل استمرار المنتخب الوطني في المنافسة. وقد دفع هذا الواقع عدداً من صناع المحتوى إلى إعادة توجيه استراتيجياتهم التحريرية نحو المغرب، باعتباره السوق الأكثر قدرة على تعويض خسائر التفاعل والإعلانات؛ حيث انتقلت بعض القنوات والصفحات من متابعة منتخباتها الوطنية إلى إنتاج محتوى يضع المغرب في صدارة اهتماماته.

وتعتمد هذه الاستراتيجية، في كثير من الأحيان، على نشر عناوين مثيرة أو محتويات تشكك في الإنجازات المغربية، أو تضخم قرارات تحكيمية وأحداثاً جزئية، بهدف إثارة ردود فعل واسعة لدى الجمهور المغربي. فكل تعليق أو مشاركة أو جدال يرفع مؤشرات التفاعل التي تعتمد عليها خوارزميات المنصات، وهو ما ينعكس مباشرة على انتشار المحتوى وزيادة عائداته الإعلانية.

يمكن قراءة هذه الظاهرة بـ «آلية التعويض»؛ حيث تميل الجماعات التي تعيش حالة من الإحباط الجماعي إلى البحث عن منافذ لتخفيف آثار الفشل، وبدلاً من توجيه النقد إلى البنية الرياضية المحلية أو مساءلة أسباب الإخفاق، يصبح النجاح الذي يحققه الآخر موضوعاً مناسباً لإسقاط مشاعر الإحباط عليه.

وفي هذا السياق، يتحول الإنجاز المغربي، بالنسبة إلى بعض الخطابات الرقمية، إلى هدف دائم للنقد أو التشكيك أو التقليل من قيمته، في صورة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية. وبالتالي، يصبح المحتوى الموجه ضد المغرب مطلوباً لدى جزء من الجمهور المحلي في تلك الدول، كما يستقطب في الوقت نفسه الجمهور المغربي الذي يسارع إلى الرد، بما يضاعف من حجم التفاعل.

ولا تقف الظاهرة عند حدود الاقتصاد الرقمي أو التفسير النفسي، بل تتداخل معها أحياناً اعتبارات سياسية، خصوصاً في الفضاء المغاربي. إذ تستثمر بعض الصفحات في الخلفيات السياسية والخلافات الإقليمية لتقديم الأحداث الرياضية ضمن سرديات تتجاوز الملعب، فتربط نتائج المباريات بقضايا السيادة أو الحدود أو الصراعات السياسية.

هذا التداخل بين الاعتبارات الرياضية والسياسية يحقق مكاسب مضاعفة لصناع المحتوى؛ فهو يسهم في رفع معدلات التفاعل إلى مستويات يصعب أن يبلغها المحتوى الرياضي التقليدي، بينما تتحول الإثارة إلى نموذج اقتصادي قائم على استثمار الاستقطاب والانقسام.

وفي المقابل، يسهم جزء من التفاعل المغربي، رغم انطلاقه من دوافع وطنية مشروعة، في تغذية هذه المنظومة الرقمية. فقيام آلاف المستخدمين بالتعليق والمشاركة وإعادة نشر المقاطع، بهدف تفنيدها أو كشف عدم دقتها، يمنحها انتشاراً إضافياً داخل الخوارزميات ويزيد من قيمتها التجارية؛ لأن الخوارزميات لا تميز بين التفاعل الإيجابي والسلبي.

تتحول حملات الرد الجماعي، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى مصدر إضافي لتمويل المحتوى الذي يستهدف المغرب عبر زيادة المشاهدات ورفع عائدات الإعلانات، وهو ما يفسر استمرار هذا النمط من المحتوى واتساع انتشاره كلما حقق نجاحاً في استقطاب الجمهور.

وتكشف هذه الظاهرة أن النجاح الرياضي المغربي لم يعد يقتصر على تأثيره داخل الملاعب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في اقتصاد المحتوى الرقمي العربي؛ إذ أصبح كل إنجاز جديد يوسع من دائرة الاستثمار في الجدل المرتبط بالمغرب، ويغدو استهدافه، بالنسبة إلى بعض صناع المحتوى، نموذجاً اقتصادياً يحقق أرباحاً سريعة.

وفي ضوء ذلك، تبدو المواجهة الأكثر فاعلية لهذه الظاهرة مرتبطة بتغيير أنماط التفاعل مع هذا النوع من المحتوى؛ إذ إن تقليص الانتشار لا يتحقق بالانخراط في دوامة الجدل، بقدر ما يرتبط بخفض معدلات التفاعل التي تمنحه قيمته الاقتصادية. فاقتصاد المنصات يقوم، في جوهره، على الانتباه، وكلما تراجع هذا الانتباه، فقد المحتوى المثير أحد أهم مصادر بقائه واستمراره.




في نفس الركن