☰
2026 نونبر 8 - تم تعديله في [التاريخ]

من "أخلاق السلطان" إلى "دولة المؤسسات".. قراءة نقدية في كتاب «الشهب اللامعة في السياسة النافعة» لابن رضوان المالقي

هل تكفي "فضائل الحاكم" وحدها لصيانة العدل وحماية الدولة من التداعي، أم أن المؤسسات هي الضامن الوحيد لاستدامة الحكم والشرعية؟ في قراءة فكرية عميقة ومتميزة، يستحضر الباحث والإعلامي عبد الفتاح الصادقي كتاب «الشهب اللامعة في السياسة النافعة» لأبي القاسم ابن رضوان المالقي، ليفكك التماس الحرج بين الفكر السياسي الإسلامي الوسيط وإشكاليات العلوم السياسية المعاصرة. بين أسئلة الطاعة والنصيحة، وتدبير الدين والمال العام، ورهانات الحكامة والشفافية؛ كيف ننتقل من مرحلة "التهذيب الأخلاقي للسلطان" إلى بناء "دولة القانون والمؤسسات"؟ إجابات وتفكيكات استثنائية تجدونها في هذا المقال التخليلي.


من أخلاق السلطان في الفكر السياسي الوسيط إلى إشكاليات الحكم والشرعية في علم السياسة المعاصر

الباحث والإعلامي عبد الفتاح الصادقي
★ العلم الإلكترونية - عبد الفتاح الصادقي ★

يقدم كتاب «الشهب اللامعة في السياسة النافعة» لأبي القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي تصورًا للحكم السياسي في الفكر الإسلامي خلال القرن الثامن الهجري، من خلال الربط بين أخلاق الحاكم، والعدل، وحسن التدبير، واستقرار الدولة. وتكمن أهميته في كونه لا يقتصر على تقديم النصائح الأخلاقية للسلطان، بل يتناول جوانب متعددة من ممارسة السلطة، تشمل المشاورة، والوزارة، والإدارة، وتدبير المال العام، والأمن، والجيش، وعلاقة الحاكم بالرعية. وتتيح هذه الموضوعات إعادة قراءة الكتاب في ضوء إشكاليات علم السياسة المعاصر، ولا سيما الشرعية السياسية، والحكامة الجيدة، والمساءلة، وسيادة القانون، والمشاركة في اتخاذ القرار.  

وسنحاول في هذه القراءة التمييز بين السياق التاريخي الذي أنتج الكتاب والمفاهيم السياسية الحديثة، تفاديًا لإسقاط معايير الدولة المعاصرة على نص ينتمي إلى مرحلة تاريخية مختلفة.

◆ السياق التاريخي وبنية التفكير السياسي

ارتبط فكر ابن رضوان المالقي بمرحلة اتسمت بالتنافس على السلطة، والصراعات السياسية بين القوى الحاكمة في المغرب والأندلس، وتراجع الوجود الإسلامي في الأندلس. كما أسهم اتصاله بالبلاط المريني وخبرته في الكتابة والإدارة في تشكيل تصوره للحاكم والرعية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الكتاب بوصفه استجابة لحاجة سياسية إلى تنظيم الحكم، وتحقيق الاستقرار، وتوجيه سلوك السلطان ومحيطه الإداري.

وينقسم الكتاب إلى خمسة وعشرين بابًا تشمل موضوعات متعددة، من شرعية الحكم ووجوب الطاعة والنصيحة، إلى العدل والحلم والمشاورة، مرورًا بالوزارة والكتابة وتعيين المسؤولين، وصولًا إلى العقوبات والسجون والمال العام والجيش والحروب وأسباب فساد الدول ونفور الناس من الحكام. وتعكس هذه البنية تصورًا للسياسة باعتبارها مجالًا يجمع بين الأخلاق والسلطة والإدارة والأمن، وليس مجرد ممارسة للقوة أو وسيلة لإخضاع الخصوم.

ومع ذلك، يظل الكتاب نصًا معياريًا يوضح كيف ينبغي أن يكون الحاكم، أكثر مما يقدم وصفًا تجريبيًا لكيفية اشتغال المؤسسات السياسية في عصره. ولذلك تكمن قيمته في الكشف عن المثال السياسي الذي يسعى إلى ترسيخه، وعن المخاوف المتعلقة بفساد الحكم وسوء التدبير.

◆ العدل والشرعية السياسية

يمثل العدل إحدى الركائز الأساسية في تصور ابن رضوان للحكم؛ إذ يربطه بصلاح الحياة الدينية والدنيوية، وتماسك المجتمع، وانتشار الإنصاف والتعاطف والتضامن بين الناس. فالظلم، وفق هذا المنظور، لا يشكل مجرد انحراف أخلاقي فردي، بل يؤدي إلى إفساد العلاقات الاجتماعية وإضعاف استقرار الدولة.

ويتقاطع هذا التصور مع مفهوم الشرعية السياسية في علم السياسة المعاصر، الذي يؤكد أن استمرار السلطة لا يعتمد على الإكراه وحده (أو العنف الرمزي) ، بل يتطلب أيضًا قبولًا اجتماعيًا يستند إلى عدالة القرارات وفاعلية المؤسسات. غير أن العدل عند ابن رضوان يرتبط بدرجة كبيرة بالمسؤولية الأخلاقية والدينية للسلطان، بينما يستلزم في الدولة الدستورية الحديثة مؤسسات مستقلة، وإجراءات منصفة، وضمانات للحقوق، وآليات للطعن في القرارات ومحاسبة المسؤولين.

ومن هنا تبرز خلاصة أساسية، تتمثل في أن فضائل الحاكم  وحدها لا تكفي لضمان استمرار العدالة؛ إذ ينبغي أن تتحول المبادئ الأخلاقية إلى قواعد ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق، حتى في الحالات التي يغيب فيها حسن التقدير أو تتراجع فيها نزاهة المسؤولين.  

◆ الطاعة والنصيحة وحدود المساءلة

يجمع الكتاب بين التأكيد على طاعة السلطان والنهي عن إثارة الفتنة، والدعوة إلى نصحه ومشاورته والاستماع إلى أهل الخبرة. ويعكس هذا الجمع تصورًا مزدوجًا للسلطة: فهي تحتاج إلى الطاعة من أجل المحافظة على النظام والاستقرار، لكنها تحتاج كذلك إلى النصيحة حتى لا يقع الحاكم في أخطاء ناجمة عن الهوى أو سوء التقدير أو تأثير المحيطين به.

وتظهر أهمية هذه الفكرة في السياسة المعاصرة، حيث تحتاج الحكومات إلى الخبراء والمؤسسات الاستشارية والإدارات الكفؤة، كما تحتاج إلى قنوات تسمح بتصحيح القرارات ومراجعتها. غير أن النصيحة داخل دائرة الحكم تختلف عن المساءلة المؤسسية؛ فقد تصل إلى الحاكم أو تُحجب عنه، وقد يقبلها أو يتجاهلها، تبعًا لطبيعة علاقته بمستشاريه.

ويتمثل الحد الأساسي لهذا التصور في أن مركز السلطة يظل متمحورًا حول السلطان وبطانته، بينما لا تحظى المشاركة السياسية الواسعة والمحاسبة المستقلة بالقيمة نفسها. فالكتاب يدعو أساسًا إلى إصلاح ممارسة الحكم من داخل النظام القائم، ولا يتجه إلى إعادة توزيع السلطة بين الحاكم والمؤسسات والمجتمع. 

◆ الإدارة وكفاءة الدولة

يبرز اهتمام ابن رضوان بالجوانب الإدارية من خلال تناوله الوزارة والكتابة وتعيين المسؤولين والشرطة والحسبة والبريد والمال العام والجيش، إلى جانب رعاية الرعية وتأمين الطرق وتنظيم العقوبات وتفقد السجون. ويكشف ذلك عن إدراكه أن استقرار الدولة لا يتحقق بالصفات الشخصية للحاكم وحدها، بل يحتاج إلى جهاز إداري قادر على تنفيذ القرارات وتدبير الموارد وتنظيم شؤون المجتمع.

وتتقاطع هذه الرؤية مع علم الإدارة العامة الحديث الذي يعتبر كفاءة المؤسسات شرطًا لتحقيق السياسات العمومية وتقديم الخدمات. لكن الاختلاف يتمثل في أن نجاح الإدارة في تصور الكتاب يظل مرتبطًا إلى حد كبير بحسن اختيار السلطان لمعاونيه، بينما تتطلب الإدارة المعاصرة قواعد واضحة للاختصاص، ومهنية في التوظيف، وشفافية في تدبير الموارد، وتقييمًا للأداء، وآليات لمنع الفساد وتضارب المصالح.

وبذلك ينتقل السؤال من مدى قدرة الحاكم على اختيار رجال أكفاء إلى مدى قدرة المؤسسات على ضمان الكفاءة والنزاهة واستمرارية المرفق العام، بصرف النظر عن صفات الأشخاص الذين يتولون المسؤولية.

◆ الحزم والدهاء والتوازن بين المصلحة والأخلاق

لا يقتصر تصور ابن رضوان على الفضائل مثل العدل والحلم والتواضع، بل يتناول أيضًا الحزم، والدهاء، وكتمان السر، وإظهار القوة، والتعامل مع المخاطر وتدبير الحروب. وهذا يكشف عن جانب واقعي في تفكيره؛ فالسياسة تحتاج إلى فهم موازين القوى، وحسن اختيار الوسائل والتوقيت، والقدرة على حماية الدولة.

لكن هذا الجمع بين الفاعلية السياسية والأخلاق يثير أسئلة لا تزال مطروحة في الوقت الراهن: متى يتحول الحزم إلى تعسف؟ وكيف يمكن التمييز بين السرية الضرورية لحماية الأمن وإخفاء المعلومات عن المجتمع؟ وهل تبرر المصلحة السياسية وسائل تتعارض مع العدالة أو الحقوق؟

والحقيقة أن الكتاب نظامًا مؤسساتيًا متكاملًا لحسم هذه التوترات، لا يقدم بل يترك جانبًا مهمًا منها لتقدير الحاكم وحكمته. أما الأنظمة الدستورية المعاصرة فتسعى إلى إخضاع السلطة للقانون، وتحديد صلاحياتها، ومراجعة الإجراءات الاستثنائية، ومنع تحويل الضرورات السياسية إلى مبرر لتجاوز الحقوق والحريات.

◆ فساد الدولة ونفور الرعية وأزمة الثقة

يخصص ابن رضوان بابًا لأسباب فساد الدول ونفور القلوب من الحكام، وهو ما يدل على إدراكه أن استمرار الحكم لا يرتبط بالقوة وحدها، بل يتأثر كذلك بسلوك السلطة وطريقة تعاملها مع الرعية. فالظلم وسوء التدبير لا يهددان العلاقات الاجتماعية فقط، وإنما قد يقوضان استقرار الدولة وقدرتها على أداء وظائفها.

ويمكن قراءة هذا المحور في ضوء المفهوم المعاصر للثقة السياسية. فعندما يشعر المواطنون بأن القرارات لا تراعي مصالحهم، أو أن القانون يُطبق بصورة انتقائية، أو أن المسؤولين لا يخضعون للمحاسبة، تضعف الثقة في المؤسسات. وتساعد مفاهيم الحكامة الحديثة، مثل فعالية الحكومة وسيادة القانون والمساءلة ومكافحة الفساد، على تطوير هذا التحليل من مستوى الفضيلة الشخصية إلى مستوى الأداء المؤسسي.

ويبرز هنا اختلاف مهم: يعالج ابن رضوان فساد الحكم من خلال التهذيب والنصيحة وتحسين سلوك السلطان، بينما تضيف الدولة المعاصرة آليات الرقابة القضائية والبرلمانية، والتدقيق المالي، والشفافية، وحرية الوصول إلى المعلومات، والمشاركة في صنع السياسات.

◆ القيمة النقدية للكتاب في السياسة المعاصرة

تكشف المقارنة بين الكتاب وعلم السياسة الحديث عن نقاط قوة وحدود متداخلة. فمن جهة، يربط ابن رضوان الحكم بالعدل وكفاءة الإدارة وحسن المشورة، ويؤكد أن فساد السلطة قد يؤدي إلى تراجع الثقة والاستقرار. ومن جهة أخرى، يظل تصوره متمحورًا حول الحاكم/ السلطان، ولا يعالج بصورة مؤسساتية متكاملة كيفية توزيع السلطة أو ضمان محاسبة الحاكم أو تمكين المجتمع من المشاركة.

وتتيح موضوعاته كذلك طرح أسئلة معاصرة حول التوازن بين الأمن والحقوق، وحول مسؤولية المؤسسات عن قراراتها، بل وحول رقابة استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في المجال العام. غير أن هذه الأخيرة امتدادات تحليلية حديثة، وليست أفكارًا واردة في الكتاب نفسه.

وتظل الطبيعة المعيارية للمؤلف حدًا منهجيًا مهمًا؛ فهو يقدم نصائح وأخبارًا ونماذج أخلاقية، لكنه لا يعادل دراسة تجريبية للمؤسسات أو تقييمًا للسياسات العامة بالاعتماد على البيانات. لذلك ينبغي التعامل معه باعتباره مصدرًا فكريًا وتاريخيًا، لا وصفًا شاملًا للواقع السياسي في عصره.

وتتمثل أهمية «الشهب اللامعة في السياسة النافعة» في إدراكه أن الحكم يحتاج إلى العدل، والحلم، والمشاورة، وكفاءة الإدارة، وحسن تدبير المال العام، والانتباه إلى أسباب نفور الرعية من السلطة. غير أن استحضاره اليوم يقتضي تجاوز الاكتفاء بالدعوة إلى الحاكم الصالح، والانتقال إلى البحث في المؤسسات التي تجعل الحكم عادلًا وفعالًا وقابلًا للمحاسبة.

إن الأخلاق تحدد ما ينبغي أن يلتزم به المسؤول، أما المؤسسات فتحدد كيفية مراقبة هذا الالتزام وتصحيح الخلل وحماية الحقوق. ومن ثم، فإن القراءة المعاصرة للكتاب لا تجعله وصفة جاهزة للحكم، بل تجعله مدخلًا لفهم تطور الفكر السياسي، وللتفكير في الانتقال من أخلاق الحاكم إلى مؤسسات الحكم الرشيد القائمة على الشفافية والمساءلة والمشاركة وسيادة القانون.

★ عبدالفتاح الصادقي - إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية ★

كتاب «الشهب اللامعة في السياسة النافعة» لابن رضوان المالقي



في نفس الركن