أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس
العلم الإلكترونية - بقلم نبيل الطويهري
هل يمكن لقصاصة ورق خرجت من مطابع سنة 1949 أن تختزل جانبا من النقاش الدائر اليوم في الأوساط الأكاديمية والسياسية بمدينة طنجة؟ قد تبدو الإجابة مستبعدة للوهلة الأولى، لكن العودة إلى الأرشيف الصحفي تكشف أن بعض الأسئلة الكبرى تظل قادرة على عبور الزمن واستعادة راهنيتها مهما تغيرت السياقات.
ففي العدد الصادر بتاريخ 16 يوليوز 1949 من جريدة "منبر الشعب"، استوقفنا مقال رأي وقعه كاتب باسم مستعار هو "زهير" تحت عنوان لافت: هل تكون طنجة مدينة جامعية؟ وقد جاء هذا المقال في سياق كانت فيه طنجة تعيش تحت النظام الدولي، وتتمتع بوضع خاص جعل منها مركزا للتجارة والأعمال والدبلوماسية الدولية، وواجهة منفتحة على العالم.
غير أن هذا الازدهار الاقتصادي لم يمنع بعض النخب الوطنية من التعبير عن قلقها إزاء ما اعتبرته فراغاً ثقافياً وعلمياً يحد من إشعاع المدينة. ومن هذا المنطلق دعا صاحب المقال إلى تأسيس معاهد عليا ونواة جامعية بطنجة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التنمية الحقيقية لا تقوم على التجارة وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات للمعرفة قادرة على إنتاج النخب وتكوين الأجيال.
وقد استندت هذه الدعوة إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، أبرزها ضرورة تغيير الصورة النمطية للمدينة، والانتقال بها من مجرد فضاء دبلوماسي وتجاري إلى مركز للإشعاع العلمي والثقافي. كما شدد الكاتب على أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لطنجة، المؤهل لاستقطاب الطلبة من مختلف مناطق المغرب ومن البلدان العربية والأجنبية، بما يجعل منها جسراً للتبادل العلمي والثقافي بين ضفتي المتوسط.
واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على نشر ذلك المقال، يبدو أن جانباً مهماً من الحلم قد تحقق. فقد أصبحت طنجة مدينة جامعية بامتياز، تضم عدداً من الكليات والمدارس العليا والمؤسسات التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، وتستقبل آلاف الطلبة والباحثين سنوياً. غير أن المفارقة تكمن في أن النقاش الذي طرحه صاحب المقال سنة 1949 لم يفقد راهنيته، بل تغيرت فقط طبيعة الأسئلة المطروحة.
فإذا كانت النخب الوطنية آنذاك تطالب بإحداث مؤسسات للتعليم العالي داخل المدينة، فإن النقاش الراهن يرتكز على ضرورة تعزيز مكانة طنجة كقطب جامعي مستقل، من خلال إحداث جامعة قائمة الذات تحمل اسم ابن بطوطة، تستجيب للتحولات الديمغرافية والاقتصادية التي تعرفها المدينة، وتمنحها هامشاً أكبر في تدبير شؤونها الأكاديمية والبحثية.
كما أن الانتقادات التي وجهها مقال 1949 لاختزال دور طنجة في الأنشطة التجارية تجد امتدادها اليوم في الدعوات المتزايدة إلى ربط الجامعة بالتحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها الجهة. فمع صعود ميناء طنجة المتوسط، وتطور الصناعات المرتبطة بالسيارات والطيران والخدمات اللوجستية، لم يعد المطلوب مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل جامعة منتجة للمعرفة والابتكار، قادرة على مواكبة حاجيات الاقتصاد الجهوي والوطني.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية جعل الجامعة رافعة للتنمية الترابية، ومجالاً لإنتاج البحث العلمي والتكوين المتخصص، بما ينسجم مع المكانة الدولية التي أصبحت تحتلها طنجة في العقود الأخيرة. كما أن الطموح الذي عبرت عنه نخب الأربعينيات في جعل المدينة فضاءً لاستقطاب الطلبة من مختلف الآفاق، يجد صداه اليوم في الجهود الرامية إلى مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المدينة، خاصة في مجالات الصناعة واللوجستيك والاقتصاد الرقمي.