أزمة التعليم في فرنسا… غضب الشارع يمتد إلى الحكومة والبرلمان
الكاتب والصحفي بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
ماكرون يدخل على الخط، حصيلة ثقيلة للإصابات والمتابعات، تسريع سد الخصاص في الأساتذة، والأنظار تتجه إلى تحركات 17 أكتوبر
حمل يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 تطورات متلاحقة في الأزمة الاجتماعية والتعليمية التي تعيشها فرنسا، وانتقلت تداعيات الاحتجاجات من الشارع والثانويات إلى مجلس الوزراء والبرلمان والملفات القضائية، فيما واصلت الحكومة تسريع إجراءاتها لمعالجة الخصاص في الأساتذة.
وفي الوقت نفسه، بدأت الأنظار تتجه إلى تحركات السبت 17 أكتوبر، التي تسعى بعض التنظيمات إلى أن تكون أوسع من الاحتجاجات التعليمية، وأن تجمع مطالب مرتبطة بالتعليم والقدرة الشرائية والخدمات العمومية.
◊ ماكرون يدخل مباشرة على الخط
خلال اجتماع مجلس الوزراء، الأربعاء، تناول الرئيس إيمانويل ماكرون تطورات الحركة الاحتجاجية، معتبرًا أن الشباب يعبرون عن مخاوف ومطالب يجب الاستماع إليها، لكنه تحدث أيضًا عن استغلال سياسي للحركة وعن أعمال عنف حضري رافقت بعض التحركات.
وطلب ماكرون من الحكومة تقديم إجابات ملموسة خلال الأسابيع المقبلة بشأن المشكلات التي أثارها التلاميذ، ولا سيما ظروف الدراسة والبنيات المدرسية.
وهكذا أصبحت الأزمة التعليمية مطروحة بصورة مباشرة على أعلى مستوى في السلطة التنفيذية، بعدما بدأت في الأسابيع السابقة أساسًا بإغلاق الثانويات وتحركات التلاميذ.
◊ 248 تلميذًا و149 من أطر التعليم و937 أمنيًا مصابون
قدم رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، أمام مجلس الشيوخ، أرقامًا جديدة عن الإصابات المسجلة منذ بداية الحركة.
وقال إن 937 شرطيًا ودركيًا أصيبوا، بينهم 40 خلال احتجاجات الثلاثاء 13 أكتوبر وحده، إضافة إلى 149 من العاملين بالتربية الوطنية و248 تلميذًا.
ووصف رئيس الحكومة حصيلة الإصابات داخل قطاع التربية بأنها بالغة الثقل، من دون أن تعني هذه الأرقام أن جميع الإصابات كانت بالدرجة نفسها من الخطورة أو وقعت في ظروف متشابهة.
◊ 7950 حالة حراسة نظرية
كشفت وزارة العدل بدورها، الأربعاء، عن حصيلة قضائية جديدة.
فقد بلغ عدد حالات الوضع رهن الحراسة النظرية منذ بداية الحركة 7950 حالة، وفق حصيلة محصورة حتى الخامسة مساء الثلاثاء 13 أكتوبر، بينها 6773 لقاصرين و1177 لبالغين.
وبلغ عدد المتابعات القضائية 2735 حالة، منها 2190 تتعلق بقاصرين، بينما استفاد 2225 شخصًا من بدائل للمتابعة، وحُفظت 1263 حالة دون متابعة.
أما الحبس الاحتياطي فشمل 26 شخصًا، بينهم تسعة قاصرين.
وتظهر هذه الأرقام الحجم القضائي الذي أخذته الأزمة، خصوصًا أن القاصرين يمثلون النسبة الأكبر من الموضوعين رهن الحراسة النظرية.
◊ ثلثا الأساتذة البدلاء جرى تعيينهم
على المستوى التربوي، شهد الأربعاء تقدمًا جديدًا في تنفيذ الخطة الحكومية لسد الخصاص في الأساتذة.
فقد أعلن وزير التربية إدوار جوفري أن نحو ثلثي الأساتذة البدلاء، البالغ عددهم 3024 أستاذًا، جرى تعيينهم منذ الجمعة.
وكانت الوزارة قد حددت في بداية العملية 114 ثانوية في الوضع الأحمر، أي الأكثر تأثرًا بالخصاص، إلى جانب نحو 400 مؤسسة مصنفة في المستوى البرتقالي.
وبحسب الوزير، انخفض عدد الثانويات المصنفة في الوضع الأحمر إلى 49 مؤسسة بعد بدء توزيع الأساتذة.
لكن الوزارة أوضحت أيضًا أن سد جميع ساعات الغياب على مستوى الثانويات يحتاج إلى نحو 4000 أستاذ، ما يعني أن تعبئة 3024 أستاذًا لا تغطي وحدها كامل الاحتياجات المسجلة.
◊ استمرار التوظيف
لم تكتفِ الحكومة بإعادة توزيع الأساتذة البدلاء الموجودين أصلًا داخل المنظومة، إذ أعلنت العمل على توظيفات إضافية، في إطار محاولة تقليص الخصاص الذي فجّر جزءًا مهمًا من احتجاجات التلاميذ.
كما استمرت عملية جمع مقترحات التلاميذ بشأن الزمن المدرسي، والبنايات والتجهيزات، وتعويض الأساتذة الغائبين، والاكتظاظ، ونظام الولوج إلى التعليم العالي.
وأصبحت هذه الملفات جزءًا من النقاش السياسي والبرلماني حول كيفية ترجمة بعض المطالب إلى إجراءات فعلية داخل ميزانية 2027.
◊ قضية تلميذ لانس تدخل مرحلة قضائية جديدة
شهد الأربعاء تطورًا جديدًا في قضية التلميذ البالغ من العمر 15 عامًا، الذي فقد إحدى يديه نتيجة انفجار قنبلة شرطية خلال أحداث لانس.
فقد أعلنت أسرته اتخاذ إجراءات للانتصاب طرفًا مدنيًا في الملف، بهدف الحصول على تحقيق قضائي مستقل وتحديد المسؤوليات والظروف الدقيقة للحادث.
وتأتي هذه الخطوة وسط اتساع التحقيقات المرتبطة باستخدام القوة خلال الاحتجاجات، بعدما تحولت إصابات بعض القاصرين إلى ملف قضائي وسياسي موازٍ لمطالب الحركة التعليمية.
كما سُجل الأربعاء حادث جديد أمام ثانوية مارتن لوثر كينغ في بوسي سان جورج، حيث أصيب 12 تلميذًا إصابات طفيفة بعد إطلاق مقذوفات نارية، وأوقفت الشرطة ثلاثة قاصرين للاشتباه في تورطهم.
◊ وحتى الشرطة تشتكي الدولة
في تطور لافت، أعلنت نقابة الشرطة «أليانس»، الأربعاء، رفع شكوى ضد الدولة بتهمة تعريض حياة الآخرين للخطر.
وقالت النقابة إن عناصر الشرطة تلقوا تعليمات وصفتها بالغامضة والمتناقضة أثناء إدارة الاحتجاجات، معتبرة أن رجال الأمن تعرضوا لمخاطر متزايدة خلال المواجهات.
وتأتي شكوى النقابة في وقت أعلن فيه رئيس الحكومة إصابة 937 شرطيًا ودركيًا منذ بداية الحركة.
وهكذا أصبح الملف الأمني يتحرك في اتجاهين: تحقيقات في تدخلات الشرطة من جهة، وشكاوى من نقابات الشرطة بشأن ظروف عمل عناصرها من جهة أخرى.
◊ من المدارس إلى البرلمان
بالتوازي مع هذه التطورات، استمرت داخل الجمعية الوطنية مناقشة مشروع ميزانية 2027.
وتحاول الحكومة الحفاظ على هدف خفض العجز العمومي إلى 5% من الناتج الداخلي الإجمالي، في وقت تتطلب فيه الاستجابة لبعض مطالب التعليم نفقات إضافية.
وهذه إحدى أصعب المعادلات التي تواجه الحكومة حاليًا: كيف تستجيب لمطالب الأساتذة والتلاميذ وتزيد الاستثمار في الخدمات العمومية، وفي الوقت نفسه تخفض العجز وتهدئ مخاوف الأسواق؟
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع ارتفاع الدين الفرنسي وتكلفة الاقتراض وعدم وجود أغلبية برلمانية مريحة للحكومة.
◊ رسالة من البنك المركزي الأوروبي
حضرت الأزمة المالية الفرنسية، الأربعاء، أيضًا خارج باريس.
فقد أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أن معالجة مشكلات الدين الفرنسي يجب أن تتم أساسًا داخل فرنسا، عبر السياسة المالية، بدل التعويل على تدخل البنك المركزي الأوروبي في سوق السندات.
ومن جهته، قال المفوض الأوروبي فالديس دومبروفسكيس إنه لا يرى في الوقت الحالي مؤشرات على أزمة ديون سيادية جديدة داخل منطقة اليورو، لكنه شدد على ضرورة اعتماد سياسات مالية حذرة وإقرار ميزانية فرنسية ذات مصداقية.
◊ والأنظار إلى 17 أكتوبر
في الشارع، بدأت التحضيرات لتحركات السبت 17 أكتوبر.
وتظهر خريطة نشرها المنظمون 437 تحركًا معلنًا أو محتملًا في مختلف أنحاء فرنسا، وهو رقم لا يعني أن جميع هذه التحركات مرخصة أو ستُنظم بالفعل.
وأكدت الكونفدرالية العامة للشغل، المعروفة اختصارًا بـCGT، دعمها للتعبئة المرتبطة بالمطالبة برفع الأجور والمعاشات وخفض الأسعار والدفاع عن الخدمات العمومية، فيما أعلنت التنظيمات التلاميذية والطلابية المشاركة في بعض التحركات.
كما ظهرت دعوات من قطاعات النقل الطرقي والفلاحين إلى المشاركة، بينما اختارت نقابات أخرى، بينها CFDT وFO، التركيز على موعد تعبئة مختلف في 5 نونبر.
وهكذا حمل الأربعاء الفرنسي ملفات عدة في وقت واحد: ماكرون يتدخل سياسيًا، والحكومة تكشف أرقامًا ثقيلة للإصابات والمتابعات، ووزارة التربية تسرع توزيع الأساتذة البدلاء، والقضاء يواصل معالجة ملفات مرتبطة بالعنف، والشرطة نفسها تدخل المواجهة القضائية، فيما تستمر معركة ميزانية 2027 ويستعد الشارع لموعد اجتماعي جديد.
لقد تحركت الأزمة من أبواب الثانويات إلى الحكومة والبرلمان والقضاء والأسواق، وهو ما يجعل الأيام المقبلة مفتوحة على اختبار جديد لمدى قدرة الدولة الفرنسية على الجمع بين التهدئة الاجتماعية والاستجابة للمطالب وضبط المالية العامة.
أزمة التعليم في فرنسا… غضب الشارع يمتد إلى الحكومة والبرلمان