2026 أغسطس/أوت 31 - تم تعديله في [التاريخ]

من الميدان إلى القيادة: عبد الله البقالي وجدارة التدبير في المجلس الوطني للصحافة

ليست المسؤولية المهنية لقباً ولا موقعاً يُضاف إلى السيرة، وإنما أمانة وقدرة على حماية الصحافة والصحافيين في زمن التحول الرقمي والأخبار الزائفة والذكاء الاصطناعي. محمد اليطفتي يقرأ رصيد عبد الله البقالي، ويشرح لماذا تمثل خبرته جسراً ضرورياً نحو المرحلة المقبلة من المجلس الوطني للصحافة.


الكاتب محمد اليطفتي

*بقلم: محمد اليطفتي*

في اللحظات المفصلية التي تمر منها المهن والمؤسسات، لا يكون الاختيار مجرد مناسبة عابرة، ولا تكون المسؤولية مجرد موقع يُضاف إلى السيرة المهنية، وإنما يصبح الأمر متعلقاً بقدرة الأشخاص على حمل انتظارات المرحلة، واستيعاب تحولات الواقع، واستشراف ما ينتظر المهنة من تحديات وأسئلة.

ومهنة الصحافة، وهي تدخل اليوم مرحلة جديدة بكل ما تحمله من تحولات عميقة ومتسارعة، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى كفاءات راكمت التجربة، وخبرت تفاصيل المهنة، وعاشت أسئلتها اليومية، وعرفت كيف تميز بين ما هو عابر وما هو جوهري، وبين الموقف الذي يفرضه الظرف والموقف الذي يصنعه المبدأ.

وفي هذا السياق، يبرز عبد الله البقالي باعتباره قامة مهنية تستحق الكثير من التقدير، وتجربة صحفية غنية قدمت ولا تزال تقدم الكثير لمهنة الصحافة، سواء على مستوى الممارسة المهنية أو على مستوى الدفاع عن قضايا القطاع والانشغال الدائم بمستقبل الصحافيين ومكانة الصحافة داخل المجتمع.

إن الحديث عن عبد الله البقالي ليس حديثاً عن تجربة تختزلها السنوات أو المناصب، وإنما عن مسار راكم معرفة واسعة بالمهنة، وبإكراهاتها، وبالتحولات التي عرفتها، وبالأسئلة التي أصبحت مطروحة اليوم بإلحاح أكبر على الصحافيين وعلى المؤسسات المهنية.

فقد أصبحت الصحافة أمام واقع جديد لا يشبه كثيراً ما كان عليه المشهد قبل سنوات. الخبر أصبح يصل في ثوانٍ، والمعلومة أصبحت متاحة للجميع، والمنصات الرقمية غيرت طبيعة العلاقة بين الصحفي والجمهور، والذكاء الاصطناعي يفتح أبواباً جديدة بقدر ما يطرح من أسئلة مهنية وأخلاقية، فيما تظل المصداقية والاستقلالية والدقة والمسؤولية هي الأسس التي لا يمكن لأي تحول تكنولوجي أن يلغي ضرورتها.

وفي خضم هذه التحولات، تزداد الحاجة إلى صوت مهني يعرف قيمة التجربة، لكنه لا يخاف من المستقبل؛ يؤمن بالتجديد، لكنه لا يتعامل مع الماضي باعتباره عبئاً؛ يدافع عن حرية الصحافة، لكنه يعرف أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية؛ ويتمسك بحقوق الصحافيين، لكنه يدرك أن قوة المهنة لا يمكن أن تقوم إلا على احترام أخلاقياتها وقواعدها.

وهذه بالضبط إحدى نقاط القوة التي تجعل من عبد الله البقالي اسماً جديراً بمواصلة المسار.

فالمهنة لا تحتاج فقط إلى من يتحدث باسمها، وإنما تحتاج إلى من يفهمها.

ولا تحتاج فقط إلى من يرفع المطالب، وإنما إلى من يعرف كيف يحول المطالب إلى ترافع مسؤول واقتراحات عملية وحوار مؤسساتي.

ولا تحتاج فقط إلى الجرأة، وإنما إلى الجرأة التي تسندها الحكمة، والحكمة التي لا تتحول إلى تردد.

إن قوة أي تجربة مهنية لا تكمن في كثرة الظهور، وإنما في قدرتها على ترك أثر حقيقي، وفي امتلاك صاحبها لرؤية واضحة تجاه القضايا التي تهم القطاع. ومن هذه الزاوية، فإن مسار عبد الله البقالي يقدم نموذجاً لتجربة راكمت الكثير من المعرفة والخبرة، وجعلت من الانشغال بقضايا الصحافة جزءاً أصيلاً من مساره.

ولعل المرحلة المقبلة تحتاج تحديداً إلى هذا النوع من التجارب.

تحتاج إلى من يعرف أن الصحافة ليست مجرد مهنة لتقديم الأخبار، وإنما مسؤولية اجتماعية وثقافية ووطنية.

وتحتاج إلى من يدرك أن الصحافي لا يمكن أن يؤدي رسالته في ظروف مهنية سليمة من دون حماية حقوقه، وضمان شروط اشتغاله، وتوفير بيئة تحترم استقلالية المهنة وأخلاقياتها.

كما تحتاج إلى من يفهم أن الدفاع عن الصحافي لا يعني الدفاع عن الخطأ، وأن حماية حرية التعبير لا تعني التساهل مع التجاوزات، وأن أخلاقيات المهنة ليست قيوداً على الحرية، وإنما هي أحد شروط استمرارها واكتسابها لثقة المجتمع.

وفي كل ذلك، تبدو تجربة عبد الله البقالي جديرة بأن تستمر وأن تكون حاضرة في صناعة المرحلة المقبلة.

فالمؤسسات المهنية تحتاج إلى أصوات متزنة، خصوصاً عندما تتعدد الضغوط وتتشابك المصالح وتصبح المواقف السهلة أكثر إغراءً من المواقف المسؤولة.

وتحتاج إلى من يستطيع أن يقول كلمته بوضوح، من دون أن يفقد القدرة على الحوار، وأن يدافع عن قناعته من دون أن يحول الاختلاف إلى خصومة، وأن يمارس الجرأة من دون أن يتخلى عن الحكمة.

وهذه ليست صفات سهلة في زمن أصبحت فيه سرعة إصدار المواقف أحياناً أكبر من سرعة التحقق من المعطيات، وأصبح فيه النقاش العمومي أكثر قابلية للانفعال والاستقطاب.

لذلك، فإن حضور شخصية مهنية راكمت تجربة واسعة يمكن أن يشكل عنصراً مهماً في إعادة الاعتبار إلى النقاش الهادئ والعميق حول مستقبل الصحافة.

إن عبد الله البقالي لا يدخل هذه المرحلة من فراغ، وإنما يدخلها حاملاً رصيداً مهنياً ومعرفياً، وتجربة تسمح له بقراءة المشهد من أكثر من زاوية، وبفهم العلاقة بين مختلف مكونات القطاع، وباستيعاب حجم المسؤولية التي تفرضها المرحلة.

وإذا كانت كل مرحلة تفرض أسئلتها الخاصة، فإن المرحلة الحالية تطرح أسئلة كبرى لا يمكن تأجيلها: كيف نحمي مهنة الصحافة في زمن التحول الرقمي؟ كيف نحافظ على المصداقية في زمن انتشار الأخبار الزائفة؟ كيف نواكب الذكاء الاصطناعي دون أن نفقد جوهر العمل الصحفي؟ كيف نحمي حقوق الصحافيين؟ وكيف نعيد الاعتبار إلى الصحافة المهنية باعتبارها فضاءً للتحقق والنقاش وصناعة الوعي؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى كفاءات تعرف المهنة من الداخل، وتعرف أيضاً أن مستقبلها لا يمكن أن يبنى بالحنين إلى الماضي وحده، ولا بالانبهار بالمستقبل وحده، وإنما بالقدرة على الجمع بين رصيد التجربة وجرأة التجديد.

ومن هنا، فإن دعم عبد الله البقالي ليس مجرد دعم لشخص، وإنما هو دعم لفكرة أساسية مفادها أن الخبرة المهنية تظل رصيداً وطنياً ومهنياً ينبغي استثماره، خصوصاً في المراحل التي تحتاج فيها المؤسسات إلى التوازن والنضج والقدرة على تدبير الاختلاف.

إن الصحافة المغربية في حاجة إلى رجال ونساء يؤمنون بأن المهنة تستحق الدفاع عنها، وأن الصحافيين يستحقون ظروفاً مهنية أفضل، وأن المؤسسة المهنية ينبغي أن تكون فضاءً لحماية المهنة وتطويرها، لا مجالاً للصراع من أجل المواقع.

ومن هذا المنطلق، فإن مواصلة عبد الله البقالي لمساره تبدو خياراً يستحق كل التقدير، بالنظر إلى ما راكمه من تجربة، وما أبداه من قدرة على الحضور، وما يمتلكه من مرجعية مهنية رصينة، وما يجمعه من قدرة على الجمع بين وضوح الموقف وهدوء الحكمة.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى صوت يعرف متى يكون حازماً، ومتى يكون متوافقاً، ومتى يرفع سقف الدفاع عن المهنة، ومتى يفتح أبواب الحوار.

وتحتاج إلى شخصية لا تنظر إلى المسؤولية باعتبارها امتيازاً، وإنما باعتبارها تكليفاً، وإلى موقع المسؤولية باعتباره فرصة لخدمة المهنة والمهنيين، لا غاية في حد ذاته.

وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة.

فالألقاب يمكن أن تتغير، والمواقع يمكن أن تتبدل، والاستحقاقات الانتخابية يمكن أن تنتهي، لكن ما يبقى في النهاية هو الأثر الذي يتركه الإنسان في المهنة التي اختار أن ينتمي إليها.

وما يبقى هو مقدار ما قدمه، وما دافع عنه، وما تركه من رصيد لدى زملائه، وما راكمه من ثقة وخبرة ومعرفة.

ومن هذه الزاوية، فإن عبد الله البقالي يستحق أن يُنظر إلى ترشحه باعتباره امتداداً لمسار مهني طويل، وفرصة لمواصلة العطاء داخل مؤسسة مهنية تحتاج إلى التجربة بقدر حاجتها إلى التجديد.

فالمرحلة ليست مرحلة شعارات.

وليست مرحلة البحث عن الواجهة.

إنها مرحلة تحتاج إلى العمل، وإلى المعرفة، وإلى الترافع، وإلى القدرة على قراءة التحولات، وإلى من يستطيع أن يحمل انشغالات الصحافيين بجدية، وأن يجعل من المسؤولية المهنية التزاماً يومياً.

ومن حق الصحافيين أن يختاروا من يرونه قادراً على تمثيلهم والدفاع عن قضاياهم، ومن حقهم أيضاً أن يضعوا التجربة والكفاءة والرصانة في مقدمة معايير الاختيار.

ويبقى عبد الله البقالي واحداً من الأسماء التي تستحق الثقة والتقدير، لما راكمه من تجربة وما قدمه من عطاء، ولما يمكن أن يضيفه إلى المرحلة المقبلة من معرفة وحضور وتوازن.

إننا أمام استحقاق مهني مهم، لكن الأهم من الاستحقاق نفسه هو ما بعده؛ أي شكل المؤسسة المهنية التي نريد، ونوعية النقاش الذي نريد أن يسود داخلها، وقدرتها على مواكبة التحولات والدفاع عن الصحافة والصحافيين.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي هو أن تصل إلى المسؤولية الكفاءات التي تستطيع أن تجعل من التجربة جسراً نحو المستقبل، ومن الاختلاف مصدر قوة، ومن المسؤولية التزاماً، ومن الدفاع عن المهنة مشروعاً مستمراً.

وفي تقديرنا، فإن عبد الله البقالي يمتلك من الرصيد المهني والتجربة والحكمة والجرأة ما يؤهله لمواصلة هذا المسار، والمساهمة في قيادة مرحلة تحتاج إلى الكثير من الهدوء والكثير من العمل والكثير من المسؤولية.

كل التوفيق والسداد للأخ عبد الله البقالي في هذا الاستحقاق، ومزيداً من التألق والعطاء والنجاح.

فمهنة الصحافة تستحق أصحاب التجارب التي لا تتعب من العطاء، وتستحق الأصوات التي تعرف قيمة الكلمة، وتستحق الكفاءات التي تؤمن بأن المسؤولية ليست لقباً، وإنما أمانة.

عبد الله البقالي.. قامة مهنية قدمت الكثير، ولا تزال قادرة على تقديم الكثير، وتجربة تستحق عن جدارة أن تواصل المسار وأن تكون حاضرة في قيادة المرحلة المقبلة.

عبد الله البقالي على منصة بيت الصحافة



في نفس الركن