2026 أغسطس/أوت 18 - تم تعديله في [التاريخ]

من سيكون رئيس الحكومة؟.. الجواب يبدأ من المعزل وليس من التكهنات

المغاربة هم من سيصنعون خريطة 23 شتنبر.. والمال والقبيلة والقرابة لا تستطيع أن تدخل خلف الستار مع الناخب..



*بقلم : بوشعيب حمراوي*

من سيكون رئيس الحكومة المغربية المقبل؟
سؤال يتردد اليوم بكثرة، وتتناسل حوله الأسماء والتوقعات والحسابات والتحالفات المفترضة، حتى يكاد بعض الخطاب السياسي والإعلامي يوحي للمواطن بأن الأمر حُسم سلفًا، وأن الانتخابات مجرد محطة شكلية ستأتي لتزكية سيناريو جاهز، وأن لا شيء يمكن تغييره.


وهنا تبدأ المشكلة... لأن أول ما ينبغي أن يدركه المغاربة هو أن لا أحد يستطيع أن يعلن بصورة جدية ونهائية اسم رئيس الحكومة المقبل قبل أن تفتح صناديق الاقتراع وتعلن نتائج انتخابات مجلس النواب. فالموعد الرسمي للاقتراع هو الأربعاء 23 شتنبر 2026، والدستور يجعل نتائج هذه الانتخابات أساسًا لتحديد الحزب الذي سيأتي منه رئيس الحكومة. 

قبل السؤال عن رئيس الحكومة.. اسأل نفسك: ماذا سأفعل أنا؟

بدل أن يسأل المواطن: من سيكون رئيس الحكومة؟ لعل السؤال الأجدى هو: ماذا سأفعل أنا حتى يكون رئيس الحكومة القادم ثمرة اختيار سياسي حقيقي؟

على المغاربة أن يستعيدوا قيمة صفة الناخب، لا باعتبارها بطاقة تستعمل مرة كل خمس سنوات، بل باعتبارها جزءًا من المسؤولية عن الاتجاه الذي ستسلكه البلاد.

فالناخبون هم الذين سيوزعون المقاعد بين الأحزاب المتنافسة. وهم الذين يستطيعون مكافأة تجربة سياسية أو معاقبتها، وإنهاء مسار منتخب أو فتح الطريق أمام آخر.

كما أن الانتخابات التشريعية  تعرف حضور إمكانية الترشيحات بدون انتماء حزبي، وهو ما يمنح بعض المرشحين المستقلين مجالًا لدخول المنافسة البرلمانية خارج المظلات الحزبية التقليدية. غير أن هؤلاء، مهما بلغ حضورهم، لا يغيرون قاعدة الفصل 47 من الدستور التي تربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب. 

وهنا تصبح المسؤولية الشعبية مباشرة: أنت لا تنتخب رئيس الحكومة بالاسم، لكنك تساهم بصوتك في صناعة ميزان القوى البرلماني الذي سيحدد الحزب المتصدر.

لا تجعلوا الانتخابات مسابقة في القبيلة والقرابة

أحد أعطاب الانتخابات عندنا أن جزءًا من النقاش المحلي يتحول، في بعض الدوائر، من نقاش حول الكفاءة والنزاهة والبرنامج إلى حديث عن:

هذا ابن قبيلتنا. وهذا قريبنا. وهذا من دوارنا. وهذا يعرف فلانًا.
وهذا «ولد البلاد» ...هذه اعتبارات قد تكون لها قيمتها في العلاقات الاجتماعية، لكنها لا تصلح معيارًا لمنح إنسان سلطة التشريع باسم الأمة.

فالبرلمان ليس مجلسًا للقبائل ولا تجمعًا للعائلات ولا وكالة لقضاء الأغراض الشخصية.  النائب يوجد في مؤسسة مهمتها التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، ومساءلة الوزراء، ومتابعة السياسات العمومية وتقييمها، والدفاع عن مصالح المواطنين والقضايا الكبرى للبلاد. ومراقبة عمل ومهام كل المرافق الادارية والمالية محليا إقليميا جهويا ووطنيا.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى المرشح ليس: من أبوه؟ ومن عائلته؟ ومن قبيلته؟
بل: ماذا يعرف؟.. ماذا أنجز؟.. هل هو نزيه؟
هل يستطيع القراءة والتحليل والمساءلة والترافع؟
هل يستطيع الوقوف أمام وزير ومناقشته بالأرقام والوثائق والحجج؟
هل يحمل مشروعًا أم يحمل فقط لائحة أسماء من سيصوتون له؟

ارفضوا سماسرة الانتخابات.. وافضحوا شراء الذمم

لا يمكن الحديث عن انتخابات مسؤولة دون مواجهة مرض قديم لم نستطع التخلص منه نهائيًا: المال الانتخابي وشراء الأصوات.

هنا يجب ألا يكون المواطن مجرد متفرج. كل من شاهد محاولة شراء صوت، أو استعمال المال أو الضغط أو الوساطة بصورة غير مشروعة، عليه أن يعتبر فضح ذلك حماية لصوته ولأصوات الآخرين. لأن الذي يشتري أصوات الناس اليوم لن يصبح غدًا أكثر حرصًا على مصالحهم. ومن يدخل البرلمان بعد استثمار الأموال في شراء الطريق إليه، قد ينظر إلى المقعد باعتباره استثمارًا يجب استرجاع تكلفته، لا تكليفًا لخدمة الأمة.

لكن وسط هذا كله توجد حقيقة ينبغي أن يعرفها كل ناخب:

المال يستطيع الوصول إليك قبل دخول مكتب التصويت، لكنه لا يستطيع الدخول إلى ضميرك داخل المعزل.

داخل المعزل تسقط سلطة المرشح والسمسار. تلك اللحظة القصيرة التي يدخل فيها الناخب إلى مكان التصويت المعزول تحمل معنى ديمقراطيًا أكبر مما نتصور.

هناك لا يقف معه المرشح. ولا السمسار. ولا قريب العائلة. ولا شيخ القبيلة. ولا صاحب المال. ولا من وعده بخدمة.ولا من هدده بموقف... يبقى الإنسان وحده أمام اختياره. هو وضميره وربه، والملائكة الذين يحررون كل حركاته وسكانته.

وهنا تكمن قوة سرية الاقتراع. حتى لو ارتكب شخص خطأ قبول مال من مرشح فاسد، فلا يستطيع ذلك المرشح أن يدخل معه إلى المعزل ليتأكد لمن صوت، ولا يستطيع السمسار أن يرى اختياره الحقيقي.

وهذا لا يجعل أخذ المال مشروعًا أو مقبولًا؛ الرشوة الانتخابية فساد يجب تجريمه أخلاقيًا وقانونيًا ومواجهته بكل قوة. لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول إلى حجة يقول بها المواطن: «لقد أخذت المال ولذلك أصبحت ملزمًا بالتصويت له».

لا... صوتك ليس ملكًا لمن أعطاك مالًا. ومن باع لك وهمًا بأنه اشترى ضميرك، يستطيع أن يشتري لحظة ضعف، لكنه لا ينبغي أن يشتري قرارك. المال يفسد الانتخابات.. لكنه لا يجب أن يهزم الناخب لذلك أختلف مع القول إن توزيع المال «لا يضر الانتخابات في شيء».

إنه يضرها كثيرًا. يقتل تكافؤ الفرص، ويضع المرشح النزيه أمام منافس يستعمل المال، ويشجع السماسرة، ويفسد الحياة السياسية، ويزرع الاعتقاد بأن المقعد البرلماني سلعة تعرض للبيع.

لكن السلاح الأخير يبقى في يد الناخب. وسرية الاقتراع تمنع شراء اليقين.

قد يدفع المرشح المال، لكنه لا يستطيع أن يعرف بيقين ماذا فعل الناخب داخل المعزل. ومن هنا يجب تحويل هذه الحقيقة إلى ثقافة شعبية: لا ترهنوا أصواتكم. لا تجعلوا المال يهزم إرادتكم.

وأفضل من ذلك كله: لا تأخذوا المال أصلًا، وواجهوا من يعرضه عليكم وبلغوا عنه. فمن أعطى الرشوة أفسد، ومن قبضها شارك في الفساد، والحساب ليس انتخابيًا فقط، بل أخلاقي وقانوني وديني أيضًا.

لا تستسلموا لمن يقول إن رئيس الحكومة معروف سلفًا

الأخطر من المال الانتخابي أحيانًا هو نشر اليأس. حين يقنعون المواطنين بأن «كل شيء محسوم»، فإن أول نتيجة لذلك هي العزوف. وحين يعزف المواطنون، تستفيد التنظيمات واللوبيات والشبكات التي تمتلك قواعد مصوتة جاهزة. 

أما حين ترتفع المشاركة الواعية، فإن الحسابات تتغير.

لذلك فإن كل من يكرر منذ الآن أن فلانًا سيكون رئيس الحكومة، أو أن الحزب الفلاني حسم المرتبة الأولى، يتحدث عن توقع وليس عن حقيقة انتخابية. الحقيقة ستوجد داخل الصناديق ليلة  23 شتنبر 2026. 

قد يتصدر حزب يقوده رجل. وقد يتصدر حزب تقوده امرأة.
وقد تتغير المراتب التي ترسمها استطلاعات وتوقعات اليوم.
وقد يفاجئ الناخب المغربي الجميع. ولا أحد يملك ديمقراطيًا الحق في مصادرة هذه الإمكانية قبل وقوع الانتخابات.

رئيس الحكومة القادم يبدأ من صوتك أنت

الفصل 47 واضح في جوهره: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وهذا يعني أن الطريق الدستوري نحو رئاسة الحكومة يمر أولًا عبر أصوات المواطنين ومقاعد البرلمان. 

وبالتالي فإن السؤال: «من سيكون رئيس الحكومة؟» لا ينبغي أن يطرح على المنجمين السياسيين. بل على ملايين الناخبين. هم الذين سيصنعون الترتيب. هم الذين سيرفعون حزبًا ويخفضون آخر. هم الذين سيمنحون المقاعد البرلمانية.

وهم الذين يستطيعون أن يقولوا بالتعبئة والمشاركة والتصويت الواعي إنهم يريدون استمرار تجربة، أو يريدون تجربة جديدة تقطع مع أخطاء الماضي وإخفاقات الحاضر.

ولذلك لا تستسلموا قبل بداية المباراة. لا تقولوا إن النتيجة محسومة. لا تحولوا غضبكم إلى مقاطعة تخدم من تريدون معاقبته. ولا تتركوا صناديق الاقتراع لمن استطاع جمع الأصوات بالمال أو القرابة أو المصالح.

ارتدوا صفة الناخب بكل ما تعنيه من مسؤولية.

ناقشوا المرشحين. افضحوا الفساد. واجهوا السماسرة.

ارفضوا الرشوة. حاسبوا من حكم. واختبروا من يريد أن يحكم.

ثم ادخلوا المعزل يوم 23 شتنبر وأنتم أحرار.

فهناك، في تلك المساحة الصغيرة التي لا يشارككم فيها أحد قراركم، قد تبدأ فعليًا صناعة رئيس الحكومة المغربية المقبل.




في نفس الركن