2026 أغسطس/أوت 8 - تم تعديله في [التاريخ]

من عرس كأس إفريقيا إلى مؤامرة سبتة المحتلة



*بقلم: عبده حقي*

تابع العالم خلال الأشهر الماضية صورتين متناقضتين. الأولى صنعتها ملاعب كأس إفريقيا للأمم التي جرت أطوارها في المغرب، والبنيات المتقدمة والحديثة، والتنظيم المحكم، والجماهير القادمة من مختلف دول القارة. أما الثانية فقد صنعتها مشاهد شباب وقاصرين مغرر بهم يحاولون الوصول إلى سبتة تحت تأثير شائعات ودعوات انتشرت بسرعة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي.

إن هذا التناقض بين المتقدم والمتخلف يدفعنا إلى طرح سؤال سياسي مشروع: هل ما حدث في سبتة مجرد حركة اجتماعية عفوية، أم أن هناك من حاول استغلال هشاشة بعض الشباب لضرب صورة المغرب في لحظة كان فيها يراكم نجاحات رياضية وتنظيمية واقتصادية ودبلوماسية؟

لقد كانت كأس أمم إفريقيا أكثر من مجرد منافسة في كرة القدم. فقد شكلت بالنسبة إلى المغرب اختباراً كبيراً لقدراته التنظيمية، وأظهرت حجم التطور الذي عرفته بنياته التحتية، من الملاعب إلى الطرق والمطارات والفنادق وشبكات النقل وكرم الضيافة. كما قدمت المملكة نفسها أمام إفريقيا والعالم باعتبارها بلداً قادراً على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية العالمية، وهو ما يعزز استعداداتها المضمونة أيضاً لكأس العالم 2030.

وقد رافقت البطولة إشادات واسعة من مسؤولين رياضيين ووسائل إعلام عالمية وجماهير إفريقية وعربية، وهو ما منح المغرب رصيداً مهماً من القوة الناعمة والصورة الإيجابية.

لكن بعد ذلك بشهور قليلة، ظهرت صورة مفبركة مضادة تماماً: شباب يتجهون نحو سبتة السليبة، أخبار عن فتح الحدود، فيديوهات تشجع على السباحة والعبور، ورسائل تنتشر بسرعة عبر «تيك توك» و«واتساب» و«فيسبوك».

إن التقارير الإعلامية الدولية تحدثت عن معلومات مضللة جرى تداولها على نطاق واسع، وعن محتويات رقمية تقدم إرشادات حول كيفية الوصول إلى سبتة المحتلة. كما أثيرت معطيات عن مجموعات تواصل خارج المغرب كانت تقدم نصائح للراغبين في العبور. وهذه مؤشرات تستحق تحقيقاً أمنياً وإعلامياً عميقاً.

لا ينبغي أن نتصرف بسذاجة أمام هذا الحجم من التعبئة الرقمية. ومن حقنا أن نسأل: من أطلق الشائعات؟ من ضخّمها؟ من كان وراء بعض الصفحات والمجموعات؟ ولماذا جرى توجيه آلاف الشباب في التوقيت نفسه نحو نقطة حدودية شديدة الحساسية؟

هناك إذن حرب إعلامية، وحرب رقمية، وحرب على الوعي والصورة. ويمكن لإشاعة مدروسة أن تحقق خلال ساعات ما كانت تحتاج إليه حملات دعائية طويلة في الماضي.

وإذا كان المغرب قد ظهر خلال كأس إفريقيا بصورة الدولة الناشئة والمنظمة والحديثة والقادرة على النجاح مقارنة مع دول الجوار، فإن مشاهد سبتة المحتلة قدمت مؤامرة معاكسة تماماً: بلد يهرب منه شبابه نحو أوروبا. وهذه الصورة هي بالتحديد ما يمكن لأي خصم سياسي عربي أو غيره من أن يرغب في تضخيمها.

بكل تأكيد هناك بطالة كما في جميع الدول العربية بل والمتقدمة ، وصعوبات اجتماعية، وفوارق مجالية، وإحساس لدى فئة من الشباب بأن النجاح مستحيل وأن المستقبل غير مضمون. وهذه هي الثغرات التي يجب على المغرب أن يغلقها قبل أن يستغلها الآخرون.

لهذا أرى أن الرد المغربي يجب أن يكون في اتجاهين متوازيين. الأول أمني ورقمي قوي: تفكيك شبكات التحريض، وملاحقة مروجي الأخبار الكاذبة، والتحقيق في مصدر الحسابات والمجموعات التي شجعت القاصرين والشباب على المخاطرة، وكشف أي تدخل خارجي أثبتته الأدلة.

أما الاتجاه الثاني فهو اجتماعي وتنموي: توفير فرص حقيقية للشباب، وتحسين المدرسة والتكوين والتشغيل، وربط المشاريع الكبرى بحياة المواطن اليومية.

فالمغرب الذي يستطيع بناء أكبر ملعب عالمي قادر أيضاً على بناء مستقبل أفضل لشبابه.

والمغرب الذي يستطيع تنظيم كأس إفريقيا بنجاح قادر على مواجهة حملات التضليل، شريطة ألا يكتفي بالدفاع عن صورته في الخارج، بل أن يقوي الثقة في جبهته الداخلية.

قد تكون هناك جهات حاولت استغلال المشهد وتضخيمه، لكن أفضل وسيلة لإفشال أي استهداف خارجي هي أن يجد الشاب المغربي في وطنه ما يجعله يرفض المغامرة بحياته ويبني وطنه مع الجميع يدا في يد مهما كانت العراقيل والمطبات الذاتية والموضوعية .

عندها فقط ستصبح حملات التضليل بلا صدى، والشائعات بلا ببغاوات، وسيكون الرد الأقوى على من يريد تشويه صورة المغرب هو مغرب أكثر قوة وعدلاً وثقة في أبنائه.

الكاتب المغربي عبده حقي



في نفس الركن