*العلم الإلكترونية*
كشفت مذكرة بحثية حديثة عن وجه قاتم للنقاش الرقمي المتعلق بالقاصرات المغربيات الموجودات في سبتة، بعدما تحولت أوضاعهن الإنسانية والهشة داخل مئات التعليقات على «فيسبوك» إلى محاكمة أخلاقية قاسية، جرى خلالها التشكيك في طفولتهن، ووصمهن جنسيًا واجتماعيًا، وتحميلهن مسؤولية واقع تتداخل في صنعه عوامل أسرية واقتصادية ومؤسساتية متعددة.
وحملت المذكرة، الصادرة عن مركز «MigraPress» بالدار البيضاء، عنوان «صناعة المنحرفة: كيف يحوّل الفضاء الرقمي المغربي القاصر المهاجرة إلى تهديد أخلاقي»، واعتمدت على تحليل عينة تضم 300 تعليق نُشرت بين 10 و20 غشت 2026، على خلفية مضامين تناولت وجود فتيات مغربيات قاصرات في سبتة خلال يوليوز الماضي.
ولا تدّعي الدراسة أن هذه التعليقات تمثل الرأي العام المغربي أو جميع مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تتعامل معها باعتبارها عينة محددة تتيح رصد الآليات اللغوية والخطابات التي تنقل النقاش تدريجيًا من التعبير عن القلق إلى الإدانة الأخلاقية والوصم ونزع الإنسانية.
وأبرز التحليل أن أخطر ما ظهر في التعليقات هو اختفاء صفة «القاصر» تدريجيًا، إذ لم يعد يُنظر إلى الفتيات باعتبارهن أطفالًا في وضعية تستوجب الحماية، وإنما أُعيد تعريفهن بوصفهن «هاربات»، قبل الانتقال إلى أوصاف أخلاقية وجنسية أكثر عنفًا.
وترى المذكرة أن هذا الاستبدال اللغوي لا يمثل مجرد اختلاف في تسمية الفتيات، بل يؤدي وظيفة اجتماعية واضحة؛ فحين تُسلب من القاصر صفة الطفولة والهشاشة، يصبح من الأسهل تبرير الإساءة إليها وحرمانها من التعاطف والحماية اللذين تفرضهما مكانتها القانونية والإنسانية.
ورصدت الدراسة تداخلًا لافتًا بين الوصم المرتبط بالهجرة والوصم القائم على النوع الاجتماعي، موضحة أن تنقل الفتيات عبر الحدود يُفسر في عدد من التعليقات من خلال مفردات الأخلاق والجسد والشرف العائلي، بينما تُقدم هجرة الفتيان في أحيان كثيرة داخل النقاش العام باعتبارها مغامرة أو تمردًا أو بحثًا عن مستقبل اقتصادي أفضل.
وبحسب التحليل، لم تُعامل الفتاة التي غادرت محيطها باعتبارها شخصًا عبر حدودًا جغرافية فقط، بل صُورت كمن انتهكت في الوقت نفسه سلطة الأسرة، والمنظومة الأخلاقية، والتصورات التقليدية المرتبطة بحركة النساء واستقلالهن، لتصبح هجرتها نقطة تجمع لمخاوف اجتماعية أوسع ترتبط بتحولات القيم والأدوار داخل المجتمع.
وانتقلت بعض التعليقات إلى مستوى أكثر خطورة من خلال استخدام استعارات تجارية تحوّل الفتيات إلى «بضاعة» أو «لحم» قابل للتصدير، وهي تعبيرات ترى الدراسة أنها تنزع عن القاصرات صفتهن الإنسانية، وتختزلهن في أجساد وأشياء، بما يؤدي إلى تراجع مشاعر التعاطف وتطبيع الإهانة الموجهة إليهن.
كما أظهر التحليل حضورًا قويًا لخطاب يحمّل الأسر كامل المسؤولية، من خلال الحديث عن غياب التربية أو التخلي عن الأبناء، وهو ما تعتبره المذكرة إزاحة للنقاش بعيدًا عن الأسئلة المرتبطة بالفقر والبطالة والعنف الأسري وغياب الآفاق وصعوبة الوصول إلى مسارات قانونية وآمنة للهجرة.
ولفتت الدراسة إلى أن خطاب «الشرف» أدى دورًا محوريًا في محاصرة حركة الفتيات، إذ جرى تصوير هجرة القاصر بوصفها إساءة إلى سمعة الأسرة والمجتمع، وليس باعتبارها أزمة حماية وطفولة تتطلب البحث في ظروف الفتاة ودوافعها والمخاطر التي تعرضت لها.
وامتدت الإدانة في عدد من التعليقات من الفتيات المعنيات إلى جيل كامل، عبر أوصاف من قبيل «الجيل الضائع» وربط الظاهرة بتأثير المؤثرين ومواقع التواصل الاجتماعي. واعتبرت المذكرة أن هذا الانتقال يحوّل حالات فردية إلى دليل مزعوم على انهيار أخلاقي جماعي، ويجعل القاصرات كبش فداء لمخاوف أوسع من التحولات التي تعرفها تطلعات الشباب.
وفي المقابل، لم تكن العينة كلها قائمة على الكراهية، إذ رصد الباحثون تعليقات متضامنة دافعت عن حقوق الأطفال والنساء، وأعادت التذكير بضرورة النظر إلى الفتيات باعتبارهن قاصرات معرضات للخطر، كما تضمنت العينة أصواتًا تنتقد السياسات العامة وتدعو إلى فهم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الأطفال إلى الهجرة.
وتكشف هذه الأصوات المضادة أن النقاش الرقمي ليس كتلة واحدة، وإنما ساحة صراع بين روايتين؛ الأولى تنظر إلى الفتيات من زاوية الانحراف والعار، والثانية تنطلق من الهشاشة وحقوق الطفل والحاجة إلى الحماية. غير أن الدراسة تشير إلى أن الخطابات العدائية غالبًا ما تستفيد من شحنة عاطفية قوية تمنحها قدرة أكبر على الانتشار والتفاعل.
وتقترح المذكرة قراءة التعليقات باعتبارها سلسلة متصاعدة تبدأ بالقلق، ثم الحكم الأخلاقي، فاتهام الأسرة، وسلب صفة القاصر، قبل الانتقال إلى الوصم الجنسي وكراهية النساء والتجريد من الإنسانية. وترى أن كل مستوى في هذه السلسلة يمهد للمستوى الأكثر عدائية، حتى تصبح الإهانة العنيفة أمرًا مألوفًا داخل النقاش.
وتخلص الدراسة إلى أن الخطاب الموجه ضد القاصرات المغربيات في سبتة لا يرتبط برفض الهجرة وحده، بل يكشف عن آلية أوسع للرقابة الاجتماعية على جسد المرأة وحركتها واختياراتها، إذ تتحول الهجرة إلى ذريعة لمحاكمة الفتيات أخلاقيًا، بينما تتراجع خلف تلك المحاكمة أسئلة الحماية والحقوق والمسؤوليات المؤسساتية.
وتؤكد المذكرة في الوقت نفسه أن نتائجها تظل مرتبطة بعينة محددة من 300 تعليق، ولا يجوز تعميمها على المجتمع المغربي بأكمله، داعية إلى توسيع الدراسات المقبلة، واعتماد ترميز منهجي ومقارنات كمية تسمح بقياس حضور الخطابات العدائية والتضامنية ومدى انتشار كل منها.
وتتقاطع الأرقام التمهيدية التي استندت إليها الدراسة مع نتائج الإصدار الثاني من «بارومتر MigraPress»، الذي تناول 863 منشورًا على منصات رقمية مختلفة، وخلص إلى أن 76.4 في المائة منها تضمنت محتوى عدائيًا أو تمييزيًا أو وصميًا، بينما احتوى 65.1 في المائة على معلومات كاذبة أو مضللة أو غير متحقق منها.