2026 يونيو/جوان 2 - تم تعديله في [التاريخ]

من قلب الدار البيضاء.. الدكتور عزيز مشواط يرسخ مكانته الطليعية في السوسيولوجيا المغربية بإصدار رائد حول "التفاوضية"


العلم الإلكترونية - عبد الرحمان بووشمة
 
شهدت الحاضرة الثقافية والأكاديمية بمدينة الدار البيضاء صدور مصنف سوسيولوجي رصين يمثل طفرة نوعية في مسار القراءات التحليلية للمجتمع المغربي المعاصر، وهو كتاب «سوسيولوجيا التفاوضية: نحو براديغم جديد لفهم مغرب اليوم» للباحث السوسيولوجي المتميز عزيز مشواط، الصادر عن دار الثقافة بالدار البيضاء في طبعته الأولى برسم سنة 2026. وتأتي أهمية هذا المؤلف لتعيد التوهج إلى السوسيولوجيا المغربية من قلب عاصمتها الاقتصادية، مكرسةً المكانة الطليعية والمرجعية التي بات يحتلها الأستاذ عزيز مشواط كأحد أبرز الوجوه الفكرية المعاصرة القادرة على تجديد أدوات الفكر السوسيولوجي وتطوير براديغماته الإجرائية. ولقد ظل التفكير السوسيولوجي المغربي لعقود من الزمن أسيراً لثنائيات حدية جامدة حصرت الواقع في قوالب جاهزة؛ من قبيل "الأصالة والمعاصرة"، "التقليد والتحديث"، "المجتمع والدولة"، و"المادي والرمزي"، غير أن عزيز مشواط، وبما يملكه من حس نقدي ونضج معرفي مشهود، تمكن في هذا المؤلف من الانعتاق من هذه الأنساق المغلقة، مقدماً بديلاً نظرياً ومنهجياً مبتكراً يتمحور حول مفهوم «التفاوضية» و«السيولة الرمزية»، ليصنع بذلك منظاراً علمياً متكاملاً يسعف الباحث والفاعل الاجتماعي والسياسي والمدني على حد سواء في تفكيك بنية "المغرب الراهن" وفهم حركيته المتسارعة، وتتجلى القيمة الاعتبارية والمكانة العلمية للباحث عزيز مشواط في رفضه القاطع للاستسلام للأحكام المسبقة أو إنتاج المعرفة الأكاديمية داخل "أبراج عاجية" معزولة عن الواقع، فالكتاب يمثل درساً بليغاً في الربط بين رصانة التنظير وحيوية التقصي الميداني؛ إذ ينطلق الكاتب من تجربة ميدانية صلبة ومتراكمة صقلت وعيه المنهجي عبر سنوات من التتبع والبحث، مما أتاح له القدرة على النفاذ إلى عمق "الجاري اليومي" وتفكيك تفاصيله بدقة متناهية، بعيداً عن السقوط في فخ الأحكام الأخلاقية أو الأيديولوجية الحتمية التي طالما ارتهنت بالمنهج الخطي القديم. ويجادل مشواط في مؤلفه بأن فهم الواقع المغربي الحالي يحتمل الكثير من النسبية والتأويل والسجال، وهي خاصية تميز المفكرين الكبار الذين يفضلون قلق السؤال على طمأنينة الأجوبة الجاهزة، ومن هنا يبرز الكتاب كحاجة ملحة لتجاوز انحصار الفاعلين الاجتماعيين في قطاعات اشتغالهم الضيقة، ودعوتهم بدلاً من ذلك إلى استيعاب مختلف بنيات النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في شموليته وتداخله.
 
وفي هذا المصنف الوجيه، يعيد الباحث عزيز مشواط قراءة العلاقة التاريخية والمستمرة بين المؤسسة الرسمية والمجتمع بجرأة فكرية لافتة، فهو يرى أن التحولات الهيكلية الجارية قطعت مع المنطق التراكمي القديم القائم على السلطوية العمودية أو المجابهة الأحادية، وبدلاً من صيغة "الدولة ضد المجتمع" أو "المجتمع ضد الدولة"، يطرح مشواط مفهوم «الصيرورة التفاوضية»؛ حيث يعيد كل طرف إنتاج معنى جديد للممارسة اليومية ويتأقلم مع المتغيرات كمطلب حيوي لضمان العيش والاستمرارية. ويزداد هذا الطرح عمقاً وتأثيراً حين يسقطه الكاتب على الديناميات الحية والفئات الاجتماعية الأكثر نشاطاً في الفضاء العمومي المغربي اليوم، مسلطاً الضوء على تحولات بنيوية تشمل الشباب والنساء وتطلعاتهم المتجددة نحو فرض ذواتهم خارج الأطر التقليدية، والفضاء الرقمي والافتراضي باعتباره ساحة تفاوضية جديدة لإنتاج القيم والرموز وممارسة الحريات، بالإضافة إلى تحولات الجندر وضغوط الهجرة، والسياقات الجيوسياسية المتداخلة التي تفرض التكيف والقبول بمنطق "التفاوض" كخيار وحيد لتجاوز الصراع الحدي والمواجهة الصفرية.
 
ولا تقف حدود التميز في كتاب الأستاذ عزيز مشواط عند حدود التشخيص المعرفي للراهن المغربي، بل تمتد لتجعل من هذا المؤلف هبة علمية ثمينة مهداة للأجيال الجديدة من الباحثين والطلبة في حقل السوسيولوجيا والعلوم الإنسانية، إن الاحتفاء بهذا الكتاب الصادر بالبيضاء هو احتفاء بتقديم علبة أدوات مفاهيمية ومنهجية مبتكرة، تمكن الباحثين الشباب من امتلاك سلاح منهجي رادع ضد السطحية والوثوقية، وتفتح أمامهم آفاقاً رحبة للاجتهاد والبحث السوسيولوجي المستقبلي المستوعب لتعقيدات الواقع المغربي السائل. وفي المحصلة، يؤكد هذا الإصدار الجديد والمتفرد أن عزيز مشواط ليس مجرد راصد عابر للظواهر الاجتماعية، بل هو مهندس مفاهيمي يسهم بفعالية وعمق في صياغة الوعي العلمي الذاتي للمجتمع المغربي، مرسخاً اسمه كعلامة فارقة ومرجعية لا غنى عنها في خريطة الفكر السوسيولوجي المعاصر.



في نفس الركن