◆ جاران تجمعهما الجغرافيا وتفرقهما الأزمات
الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية – بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من القطيعة إلى التقارب… جريمة وغارات تضعان علاقة الجارين أمام اختبار صعب وتعيدان أسئلة الأمن والسيادة إلى الواجهة.
ليس كل ما يجمع الدول يمكن أن تفرقه السياسة، وليس كل ما تبنيه الدبلوماسية تستطيع حمايته من رصاص الإرهاب ونيران الطائرات. وبين الأردن وسوريا حكاية طويلة من الجوار والمصالح والتاريخ المشترك، لكنها أيضاً حكاية حدود تحولت مراراً من معابر للتجارة والأخوة إلى ساحات للتهريب والاشتباكات والتوترات العسكرية.
واليوم، يعود البلدان إلى واجهة الأحداث بعد هجوم دموي استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية، أعقبته غارات جوية أردنية على مناطق جنوب سوريا، وسط روايات متباينة بشأن الأهداف والضحايا والتنسيق العسكري بين الحكومتين.
إن ما وقع لا ينبغي اختزاله في عملية انتقامية أو مجرد حادث أمني عابر، لأنه يعيد طرح أسئلة ظلت معلقة منذ اندلاع الأزمة السورية سنة 2011: هل يستطيع الأردن حماية أمنه دون التدخل عسكرياً في أراضي جاره؟ وهل تستطيع سوريا ضمان سيادتها ومنع الجماعات المسلحة من استعمال أراضيها لتهديد الآخرين؟ وهل تكفي المصالح المشتركة لبناء علاقات مستقرة بين بلدين أنهكتهما تداعيات الحرب؟
◆ جريمة الكنيسة… حين امتدت النيران إلى الجار
في 23 أكتوبر 2026، هز هجوم مسلح كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك الأردنية، خلال مراسم جنازة، مخلفاً تسعة قتلى و34 مصاباً.
وبعد ثلاثة أيام، أعلنت السلطات الأردنية اعتقال ثلاثة مشتبه بهم، قبل أن يكشف الجيش الأردني عن تنفيذ غارات جوية داخل الجنوب السوري، في عملية حملت اسم «الردع الأردني – حمود».
وأكدت القيادة العسكرية الأردنية أن الضربات استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية قالت إنها مرتبطة بمنفذي الهجوم، وأن العملية جرت بالتنسيق مع الحكومة السورية. وأعلن الأردن لاحقاً أن الغارات قتلت أكثر من 20 من عناصر تنظيم «داعش»، دون تأكيد مستقل لهذه الحصيلة.
غير أن الرواية السورية تحدثت عن سقوط مدنيين وغياب التنسيق المسبق. وأعلن الدفاع المدني السوري انتشال جثامين سبعة مدنيين في محافظتي درعا والسويداء، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، فيما أعرب الأردن عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين.
وهنا يتجاوز الخلاف مجرد تحديد الأهداف العسكرية، ليصبح متعلقاً بالسيادة والثقة والمسؤولية عن حماية المدنيين.
فقتل الأبرياء داخل كنيسة جريمة تستوجب المحاسبة، كما أن سقوط مدنيين تحت القصف يستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً. ولا يمكن أن تتحول محاربة الإرهاب إلى مبرر لإسقاط الحق في الحياة، أو تجاوز قواعد القانون الدولي.
◆ 2011… بداية القطيعة التي غيّرت الجوار
لم تكن العلاقات الأردنية السورية بهذا القدر من التعقيد قبل اندلاع الأزمة السورية سنة 2011.
فمع بداية الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد، اتخذ الأردن موقفاً سياسياً منتقداً لطريقة تعامل النظام مع المتظاهرين، وكان الملك عبد الله الثاني من أوائل القادة العرب الذين دعوا الأسد إلى التنحي.
ومع تحول الأزمة إلى حرب، أصبح الأردن واحداً من أبرز البلدان المستقبلة للاجئين السوريين، فيما تحولت حدوده الشمالية إلى منطقة أمنية شديدة الحساسية.
كما ارتبطت عمّان بعلاقات مع فصائل من المعارضة السورية، الأمر الذي عمّق انعدام الثقة بينها وبين دمشق.
لكن الأردن، بخلاف قوى إقليمية أخرى، ظل مطالباً بمراعاة الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية. فلا يستطيع بلد أن يتجاهل جاراً تربطه به حدود طويلة، وشبكات تجارية وعائلية، وطرق نقل تربط المشرق العربي بأسواقه.
وهكذا، دفعت الحرب البلدين نحو التباعد السياسي، لكنها لم تتمكن من إلغاء الحاجة المتبادلة إلى التعاون.
◆ 2018… حين فتحت التجارة أبواب السياسة
بعد استعادة قوات النظام السوري السيطرة على أجزاء واسعة من الجنوب سنة 2018، بدأت العلاقات تتحرك تدريجياً نحو الانفتاح.
وفي 15 أكتوبر من السنة نفسها، أعيد فتح معبر جابر–نصيب الحدودي، بعد إغلاق دام نحو ثلاث سنوات.
ولم يكن الأمر مجرد فتح بوابة لعبور الشاحنات والمسافرين، بل محاولة لإنعاش شريان اقتصادي حيوي للأردن وسوريا ولبنان.
وتواصل التقارب سنة 2021، حين استؤنف النشاط الكامل للمعبر، وجرى تبادل زيارات واتصالات رسمية، توجت بمكالمة هاتفية بين الملك عبد الله الثاني وبشار الأسد في 3 أكتوبر، هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الأزمة السورية.
لكن المصالحة لم تكن مكتملة. فقد بقيت ملفات الأمن والحدود والمخدرات والسلاح تشكل مصدر توتر دائم، وكأن الاقتصاد كان يتقدم خطوة، بينما تجره الهواجس الأمنية خطوتين إلى الخلف.
◆ الكبتاغون والسلاح… حرب لم تتوقف على الحدود
مع مرور السنوات، أصبح تهريب المخدرات والأسلحة أحد أبرز مصادر القلق الأردني.
فقد نشطت شبكات تهريب عبر الحدود السورية الأردنية، مستفيدة من الفوضى الأمنية وانتشار الجماعات المسلحة والميليشيات، وسط اتهامات بارتباط بعضها بجهات موالية لإيران.
ولم يكتف الأردن بتعزيز المراقبة الحدودية، بل نفذ عمليات عسكرية ضد المهربين، ووُجهت إليه مسؤولية غارات داخل الجنوب السوري خلال سنتي 2023 و2024.
وقد أثارت تلك الضربات انتقادات حقوقية، خاصة بعد توثيق سقوط ضحايا مدنيين في محافظة السويداء.
وهنا تبرز معضلة لم تجد حلاً نهائياً: فالأردن يعتبر أمن حدوده جزءاً من أمنه القومي، بينما يمثل القصف داخل سوريا مسألة مرتبطة بسيادة الدولة السورية وسلامة سكانها.
ولا يمكن حل هذه المعضلة باستمرار الغارات وحدها، ولا بالاكتفاء ببيانات الإدانة والاحتجاج.
◆ سقوط الأسد… بداية جديدة لم تكتمل
شكّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 دجنبر 2024 تحولاً جذرياً في المشهد السوري، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات مع الأردن.
ففي 26 فبراير 2025، استقبل الملك عبد الله الثاني الرئيس السوري أحمد الشرع في عمّان، وبحث الطرفان التعاون الأمني والاقتصادي ومكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب قضايا الطاقة والمياه وإعادة الإعمار.
وقد بدا أن البلدين يحاولان طي صفحة الماضي، والانتقال من منطق الشك والخصومة إلى منطق الشراكة والتنسيق.
غير أن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تفكيك جميع الشبكات المسلحة والإجرامية التي نشأت خلال سنوات الحرب.
فسوريا الجديدة ورثت اقتصاداً منهكاً ومؤسسات متضررة ومناطق لا تزال تواجه تحديات أمنية معقدة.
ومن جهة أخرى، لا يستطيع الأردن انتظار اكتمال إعادة بناء الدولة السورية حتى يواجه التهديدات المحتملة على حدوده.
إنها معادلة صعبة، تحتاج إلى تعاون مستمر أكثر مما تحتاج إلى استعراض القوة.
◆ من لقاء العقبة إلى الغارات… أربعة أيام كشفت هشاشة الثقة
المثير أن التصعيد الأخير جاء بعد أربعة أيام فقط من لقاء جمع، يوم 22 أكتوبر 2026 بمدينة العقبة، وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بالملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي.
وقد تناولت المباحثات تعزيز العلاقات الثنائية، والتعاون بشأن جنوب سوريا، وحماية الأمن والاستقرار الإقليميين.
فكيف انتقل البلدان من لغة التنسيق والشراكة إلى أخبار الطائرات والقتلى والاتهامات؟
لا يعني هذا بالضرورة أن العلاقات انهارت، لكنه يكشف وجود فجوة بين التقارب السياسي والقدرة الفعلية على تدبير الأزمات الأمنية.
فالاختبار الحقيقي للعلاقات ليس عدد الزيارات والبيانات المشتركة، بل قدرة الطرفين على منع حادث أمني من التحول إلى أزمة دبلوماسية أو مواجهة عسكرية.
وإذا ثبت أن الغارات جرت دون اتفاق واضح بين الحكومتين، فإن ذلك سيطرح أسئلة إضافية حول فعالية التنسيق وحدود الثقة بين المؤسستين العسكريتين والأمنيتين.
◆ الأمن الأردني والسيادة السورية… هل يمكن الجمع بينهما؟
لا خلاف حول حق الأردن في حماية مواطنيه وملاحقة التنظيمات التي تهدد أمنه وفق القانون. كما لا خلاف حول حق سوريا في سيادتها وسلامة أراضيها وحماية سكانها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحق الأول إلى مبرر لتجاوز الثاني، أو عندما تُستخدم السيادة ذريعة لعدم مواجهة تهديدات عابرة للحدود.
إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقصف وحده، ولا بالتصريحات السياسية، بل بتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحدود، وتفكيك شبكات التهريب والإرهاب، وإخضاع العمليات المشتركة لضوابط واضحة.
كما أن اتهام جماعات داخل سوريا بالارتباط بهجوم الكرك يحتاج إلى تحقيق موثق وأدلة قابلة للتحقق، حتى لا تبقى القرارات العسكرية رهينة معلومات غير معلنة أو روايات متضاربة.
والأهم أن يدرك الطرفان أن دماء المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف جنسياتهم أو مواقع سقوطهم.
◆ هل هناك من يستفيد من توتر العلاقات؟
لا يمكن تجاهل التعقيدات الإقليمية المحيطة بالجنوب السوري، حيث تتداخل مخلفات الحرب مع نشاط الجماعات المسلحة والتدخلات الإسرائيلية وإرث النفوذ الإيراني.
وقد تستفيد شبكات التهريب والجريمة من ضعف التنسيق بين الحكومتين، كما قد تجد الجماعات المتطرفة في التوترات الحدودية فرصاً لإعادة تنظيم صفوفها.
لكن تحديد المسؤولية عن الهجوم الأخير أو اتهام أطراف خارجية بتدبيره يظل أمراً يحتاج إلى أدلة، لا إلى استنتاجات سياسية مسبقة.
والسؤال الأهم ليس فقط من يقف وراء الجريمة، بل كيف يمكن منع تكرارها، وكيف تستطيع الدولتان تجنب الوقوع في دائرة تجعل كل هجوم سبباً لغارة، وكل غارة سبباً لأزمة جديدة.
◆ لا مستقبل للأردن الآمن بجوار سوريا مضطربة
خمسة عشر عاماً من التحولات أثبتت أن الأردن وسوريا يستطيعان الاختلاف، لكنهما لا يستطيعان الانفصال عن جغرافيتهما ومصالحهما المشتركة.
لقد جرب البلدان القطيعة والتقارب، وإغلاق الحدود وفتحها، والتنسيق والتوتر. وفي كل مرة كانت الأحداث تؤكد أن أمن أحدهما مرتبط باستقرار الآخر.
فالأردن يحتاج إلى سوريا مستقرة قادرة على ضبط حدودها، وسوريا تحتاج إلى الأردن شريكاً اقتصادياً وأمنياً في مرحلة إعادة البناء.
ولذلك، فإن الأولوية اليوم ينبغي أن تكون لكشف الحقيقة الكاملة وراء هجوم الكرك، والتحقيق في ضحايا الغارات، وتوضيح طبيعة التنسيق العسكري، وتطوير آليات دائمة للتعاون الأمني والاقتصادي.
فليس من مصلحة الشعبين أن تتحول الحدود إلى جبهة مفتوحة، أو أن تضيع فرص المصالحة وسط دخان الطائرات.
لقد احتاج البلدان سنوات طويلة لترميم الجسور التي هدمتها الحرب، فلا ينبغي أن تصبح الغارات سبباً في هدمها من جديد.
فالحدود التي تعبرها الشاحنات والمسافرون والعائلات يجب ألا تصبح ممراً دائماً للصواريخ والخوف.
والسؤال الذي يواجه عمّان ودمشق اليوم ليس: من يستطيع توجيه الضربة التالية؟ بل: من يمتلك الحكمة والإرادة لمنعها، وحماية الشعبين من العودة إلى سنوات الخوف والقطيعة؟
غارات جنوب سوريا تضع علاقة الجارين أمام اختبار جديد