المطالب المشروعة لا يكفي أن تكون عادلة… يجب أيضاً أن نعرف متى نطالب بها ومن نطالب بتنفيذها
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
الإضراب حق، والاحتجاج حق، والدفاع عن الحقوق والمكتسبات والكرامة المهنية حق لا ينبغي لأحد أن يصادره أو يستخف به، لكن النضال ليس مجرد رفع الشعارات والتوقف عن العمل والوقوف أمام أبواب الوزارات؛ النضال كذلك قراءة جيدة للزمن السياسي، ومعرفة دقيقة بمن يملك القرار، ومن سيبقى في موقعه، ومن يستعد للمغادرة، ومن ينبغي أن توجه إليه المطالب حتى تتحول من بيانات ووقفات وإضرابات إلى قرارات وقوانين وميزانيات والتزامات قابلة للتنفيذ.
ولهذا يبدو غريباً أن تختار بعض الفئات المهنية اليوم الدخول في إضرابات طويلة أو برامج احتجاجية تصعيدية موجهة ضد هذه الوزارة أو تلك، ونحن نعيش الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، التي ستفتح الباب أمام مجلس نواب جديد، وتشكيل أغلبية وحكومة، وقد تأتي بوزراء جدد وسياسات وأولويات وتوازنات مختلفة.
فمن كان يطالب بأجر متأخر، أو بتسوية إدارية بسيطة، أو بتنفيذ حكم أو حق مكتسب لا يحتاج إلى قرار سياسي جديد، فمن حقه أن يطالب به اليوم وغداً وفي أي وقت؛ لأن الدولة والإدارة لا تتوقفان بتغير الحكومات. أما من يريد تغيير قانون، أو إخراج نظام أساسي جديد، أو انتزاع اعتمادات مالية إضافية، أو بناء اتفاق قطاعي طويل الأمد، أو فرض سياسة عمومية جديدة، فعليه أن يسأل نفسه أولاً: مع من أتفاوض؟ ومن سيضمن لي تنفيذ ما سأنتزعه بعد أسابيع قليلة؟
وليس الكلام هنا افتراضياً. فموظفو التعليم العالي والأحياء الجامعية أعلنوا برنامجاً احتجاجياً يتضمن مقاطعة للدخول الجامعي وإضرابات خلال شتنبر، من بينها إضرابات أيام 8 و9 و10، ثم 15 و16 و17 شتنبر، أي في قلب الفترة التي تسبق الانتخابات التشريعية بأيام قليلة، احتجاجاً على ملفات من بينها النظام الأساسي والأجور وملفات فئوية أخرى.
وفي قطاع النقل، أعلنت هيئات مهنية وقفة احتجاجية أمام وزارة النقل واللوجيستيك يوم 3 شتنبر، بسبب ملفات تتعلق بالمحروقات والدعم وتنفيذ اتفاقات سابقة وتنظيم القطاع. كما يواصل المحامون احتجاجهم المرتبط بالقانون المنظم للمهنة، في وقت دخل فيه الملف مرحلة جديدة بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية واستمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في عدالة مطالب هؤلاء أو غيرهم، ولا بتجريد أي فئة من حقها في الاحتجاج، وإنما بالسؤال عن جدوى التوقيت وذكاء المعركة.
فإذا كانت حكومة تستعد لإنهاء ولايتها، ووزير قد يغادر مكتبه بعد أسابيع، وبرلمان يستعد أعضاؤه لخوض الانتخابات أو مغادرة مقاعدهم، فهل من الحكمة أن نستنزف العمال والموظفين والمهنيين، ونعطل مصالح المواطنين والطلبة والمتقاضين والمرتفقين، من أجل إجبار مسؤول سياسي على الالتزام بقرارات قد يصبح تنفيذها من اختصاص شخص آخر وحكومة أخرى وأغلبية أخرى؟
إنها ببساطة معركة قد تتحول إلى نضال في الوقت الضائع.
لكن هذا لا يعني الجلوس وانتظار 23 شتنبر، بل العكس تماماً؛ لأن هذه الأسابيع ربما تكون من أهم فترات النضال الحقيقي بالنسبة لكل الفئات المهنية والاجتماعية.
فبدل الاكتفاء بالوقوف أمام أبواب الوزارات، ينبغي وضع الملفات المطلبية فوق مكاتب الأحزاب السياسية والمرشحين، ومطالبتهم بمواقف مكتوبة وواضحة: ماذا ستفعلون بهذا القانون؟ ماذا ستفعلون بالنظام الأساسي؟ ماذا ستفعلون بالأجور؟ ماذا ستفعلون بالحماية الاجتماعية؟ ماذا ستفعلون بالتقاعد؟ ماذا ستفعلون بالصحة والتعليم والعدالة والنقل والشغل والأسعار؟ وما الأجل الذي تلتزمون به؟
فالمرحلة ليست مرحلة استعطاف مسؤول يغادر، وإنما مرحلة إلزام من يريد أن يأتي.
ومن هنا تصبح مسؤولية النقابات والهيئات المهنية والجمعيات والمثقفين والأطباء والأساتذة والمحامين والمهندسين والتقنيين والعمال والموظفين أكبر بكثير من مجرد الدفاع عن مطالب فئوية؛ لأن هؤلاء جميعاً مواطنون وناخبون وقوى مؤثرة داخل أسرهم وأحيائهم ومؤسساتهم ومجتمعهم، ويجب أن يكون لهم دور في إنتاج المرحلة السياسية التي ستقرر مصير ملفاتهم نفسها.
وعليهم، كل حسب موقعه وداخل الحدود التي يسمح بها القانون، وبعيداً عن أي استغلال للوظيفة أو الإدارة أو المرفق العمومي، أن يشتغلوا من أجل نزاهة الانتخابات ونظافة المنافسة الانتخابية ومحاربة شراء الأصوات والفساد الانتخابي والزبونية والتضليل، وأن يدعموا الاختيارات السياسية الجادة، والأحزاب التي تقدم برامج قابلة للتنفيذ لا مجرد شعارات موسمية، وأن يشجعوا وصول المرشحين الشرفاء وأصحاب الكفاءة والنزاهة والاستقامة والقدرة على التشريع والمراقبة والترافع.
ليس المطلوب أن يتحول الموظف داخل إدارته إلى داعية انتخابي، ولا الأستاذ داخل قسمه، ولا الطبيب داخل مستشفاه، ولا المحامي داخل المحكمة؛ فهذا مرفوض ويضرب حياد المرفق العام. لكن هؤلاء خارج مهامهم الرسمية مواطنون كاملو الحقوق، ومن واجبهم أن يشاركوا في النقاش العمومي وأن يدافعوا عن انتخابات سليمة وعن اختيار الأصلح، لأن فساد الاختيار يوم الاقتراع لا يمكن إصلاحه بعد ذلك بعشرات الإضرابات.
ومن يشتكي اليوم من وزير ضعيف، أو من قانون سيئ، أو من حوار اجتماعي عقيم، أو من برلمان لم يدافع عن قضيته، عليه أن يتذكر أن الوزراء لا يأتون من الفراغ، وأن الحكومة لا تنزل من السماء، وأن البرلمان لا يتشكل في مكان سري بعيد عن المواطنين؛ إنه في النهاية نتيجة أحزاب ومرشحين وأصوات وصناديق اقتراع.
* الأفضل يأتي بالمشاركة والتصدي للفساد
من يريد حكومة أفضل، عليه أن يساعد في إنتاج أغلبية أفضل.
ومن يريد برلماناً يدافع عنه، عليه ألا يترك مقعده البرلماني لمن يشتري الطريق إليه. ومن يريد وزيراً كفؤاً ونزيهاً وقادراً على الحوار، فعليه أن يسأل أولاً عن الحزب والبرنامج والكفاءات التي يمكن أن تنتج ذلك الوزير.
ومن يريد قانوناً أفضل، فلا يكفي أن يحتج عليه بعد صدوره؛ عليه أن يسهم قبل ذلك في انتخاب نواب قادرين على قراءته ومناقشته وتعديله ورفض ما يضر المواطنين فيه.
لهذا أرى أن المعركة الاجتماعية الحقيقية خلال هذه الفترة يجب ألا تبقى محصورة أمام أبواب الوزارات، بل يجب أن تنتقل أيضاً إلى معركة الوعي والاختيار والمساءلة الانتخابية.
ضعوا ملفاتكم أمام المرشحين. اسألوهم قبل أن تمنحوهم أصواتكم. طالبوهم بالتزامات واضحة. افضحوا شراء الذمم والأصوات. واجهوا التضليل. ساندوا الكفاءة والنزاهة حيث وجدتا. وادعموا البرامج الجادة بدل الوعود المستحيلة.
ثم، عندما يفرز اقتراع 23 شتنبر مجلس النواب الجديد، وتتشكل الأغلبية والحكومة الجديدة، يكون لكل فئة الحق الكامل في إخراج ملفها من جديد ووضعه أمام من أصبح يملك القرار فعلياً، ومحاسبته على ما وعد به عندما كان يطلب أصوات المواطنين.
أما أن نقضي هذه الأسابيع في طرق أبواب حكومة تستعد للرحيل، ثم نستيقظ بعد الانتخابات لنكتشف أننا لم نسأل من سيأتي بعدها عن شيء، فسنكون قد أضعنا مرتين: أضعنا وقت النضال، وأضعنا فرصة الاختيار.
وهذه هي الخسارة التي لا يعوضها أي إضراب.
بين باب الوزارة وصندوق الاقتراع