العلم: رشيد زمهوط
في لعبة تبادل الأدوار و نهج الخديعة والتضليل تناقضت مواقف وتصريحات قيادة جبهة البوليساريو الانفصالية في شأن تدبير المستجدات الأخيرة المتصلة بالنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، عاكسة معها حالة التخبط وواقع الانقسام و التشرذم اللذين يسمان الوضع الداخلي والخارجي المهتز للمشروع الانفصالي في ظل الانتكاسات الدبلوماسية و الصفعات السياسية المتتالية إقليميا و دوليا .
رئيس وفد مفاوضي جبهة البوليساريو بالجولتين الأخيرتين بمدريد وواشنطن أثنى قبل يومين على إدارة ترامب واصفاً إياها بأنها السباقة فير تاريخ الولايات المتحدة إلى بذل جهد حقيقي وجدير بالثناء لتقريب وجهات النظر وتنظيم جولات مفاوضات مباشرة بين الأطراف، بما يتوافق مع قرارات الأمم المتحدة.
نفس المسؤول الانفصالي كان قد صرح لصحيفة الاندبندنتي الاسبانية يومين قبل ذلك أن البوليساريو مستعدة لمناقشة أي اقتراح، وأي خيار، وأي سيناريو يمكن أن يتوصل إلى حل مقبول من الاطراف في إطار الشرعية الدولية بما في ذلك خطة الحكم الذاتي، واعترف بدور الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص الرئيس دونالد ترامب - كوسيط في هذه العملية، على الرغم من موقف واشنطن التاريخي الداعم لمغربية الصحراء.
إقرار القيادة الانفصالية بعد أزيد من نصف السنة من التعنت والمواقف المتصلبة وإعلان الرفض لقرار مجلس الأمن الأخير وللتفويض الأممي لواشنطن بالإشراف المباشر على مسار تفاوضي بهدف إيجاد حل سياسي قائم على مبادرة الحكم الذاتي طبقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 بعد أقل من سنتين على إعلان الاعتراض على القرار الأممي و مقاطعة مسلسل الموائد المستديرة , يندرج في نظر الملاحظين ضمن مناورة جديدة لتخفيف الضغط و ربح بعض الوقت للإفلات من الضغط الأمريكي و إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية المشتعلة .
وقد سارع ما يسمى برئيس المجلس الوطني الصحراوي المعين أخيرا الى نقض موقف زميله المفاوض باسم قيادة الجبهة والى إعلان التبرؤ من قرار مجلس الأمن الأخير ودعوة الجزائر الدولة الحاضنة للمشروع الانفصالي لبذل المساعي الدبلوماسية الحثيثة والضغط الدولي من أجل مراجعة قرار مجلس الأمن رقم 2797 أو إلغائه.
بين قياد انفصالي يتغزل بالبيت الأبيض ويعلن الخضوع التام واللامشروط لارادة فريق الرئيس ترامب بتسوية سياسية سريعة للنزاع المفتعل ورفيقه بقيادة الجبهة يتوعد ويطلب تدخل الجزائر من أجل تعديل القرار الذي يحرك الوساطة الأمريكية في الملف أو الغائه تبرز عدم جدوى و مصداقية الجبهة الانفصالية المارقة في الانخراط أو المشاركة في أي مسار سياسي تفاوضي وأن مفتاح الحل النهائي لا يوجد في الرابوني بل في قصر المرادية بالعاصمة الجزائرية.
لذلك فحين يتمسك المغرب بأن أصل ومصدر النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء الذي يعمر لأزيد من نصف قرن وحلوله وتعقيداته بيد جنرالات الجزائر وحكامها فإنه يلغي بالمرة المسؤولية السياسية لجبهة البوليساريو التي لا تعدو أن تكون عناصر ميليشيا مرتزقة مسلحين يتقمصون قضية مزيفة ويخوضون حربا مأجورة بالوكالة عن الجزائر دولة ومؤسسات و حكاما.
الإنجاز الدبلوماسي الأهم بالنسبة للمملكة المغربية أنها كرست هذه القناعة والمسلمة في جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالملف منذ عقدين على الأقل، حيث دأبت هذه القرارات على تكريس الجزائر كمسؤول أساسي على النزاع وطرف رئيسي في معادلة الحل.
اليوم لا يمكن توقع أي خطوة إرادية للجبهة الانفصالية دون تلقي قيادتها للضوء الأخضر الصريح من الجزائر التي تتكفل منذ نصف قرن بنفقات التسليح و التدريب والاعالة والاحتضان في مقابل لعب عناصر القيادة دور الكومبارس المطيع و الببغائي في فصول مسرحية سمجة و رديئة الإخراج والسيناريو .