2023 فبراير 17 - تم تعديله في [التاريخ]

موت وحياة مسرح سيرفانتيس.. بقلم // الزبير بن بوشتى



في عام 1903 حل "مانويل بينيا رودريغيز" رفقة زوجته "إسبيرانسا أوريّانا" بطنجة قادما إليها من إشبيلية في هجرة البحث عن الثروة. استقر في المدينة الدولية حيث تتعايش الجنسيات وتتساكن الأديان. لم تكن هجرة "مانويل بينيا" إلى هذه البقعة الموعودة من شمال إفريقيا اختيارا اعتباطيا، بل كان هدفا للالتحاق بعم زوجته الثري، "أنطونيو نونيز رينا". 

بمستقره الجديد استأنف "مانويل بينيا "مهنة الصيد على الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، كما زاول في وقت لاحق بيع العلق الطبي الذي يحصده من بئر بستان عم زوجته المعروف باسم "لاويرتا ديل سينيور فراسكيتو الإشبيلي". عند وفاة عم "إسبيرانزا أوريانا"، استحوذ الزوجان على جميع الممتلكات بوصفهما الوريثين الوحيدين، ثم برقت فكرة في ذهن "مانويل بينيا رودريغيز"، لمَ لا ينشئ مسرحا في طنجة إرضاء لزوجته العاشقة للمسرح؟ ويسنح للثقافة الإسبانية أن تحظى بوضع اعتباري أفضل في قلب طنجة الدولية. 

سيرفانتيس قبل أشغال الترميم


اقتطع الصياد السابق الذي أضحى تاجرا ثريا مساحة كبيرة من بستان الخضر المطل على البحر. ويعد المكان مثاليًا لاحتضان مبنى المسرح الكبير المتموقع خارج الأسوار بالضبط، حيث بنى الفرنسيسكان كاتدرائية كاثوليكية ذات مدرسة ومستشفى. 

في عام 1911، دفع مانويل بينيا 650 ألف بيزيتا، وكلف المهندس الإسباني "دييجو خيمينيز أرمسترونج " ببناء هذا المسرح. لم يكن المهندس المعماري غريبا عن المدينة التي شهدت ميلاده عام 1844، وعاد ليشتغل بها بعد دراسته في باريس حيث أنجز بها عددا كبيرا من المباني لحساب البرجوازية اليهودية. في هذا الشارع المنحدر الصغير المتعرج، شارع أنوال الحالي، والذي كان يحمل اسم "إسبيرانسا أوريّانا" تخليدا لحاضنة المشروع، سينطلق ورش بناء قام "دييغو خيمينيز أرمسترونج " باستيراد جميع مواده من إسبانيا. سيرتفع شامخا مبنى مسرح "سيرفانتيس" الكبير الذي تخيله على طراز فن "الآرت نوفو" من الإسمنت المسلح تتوجه قبة ذات زرقة سماوية.

سيرفانتيس صور بداية الأشغال


أدرك "دييجو خيمينيز" أقصى درجات الخيال بإنجازه لهذا المبنى حيث واجهته تحتفي بمركزية جسد تتوجه قبتان ترتفعان قليلا. حداثة السيراميك تتناغم وتماثيل الأسطورة التي تعتلي أرقام تاريخ الافتتاح 1913 المحاطة بأزهار تتماوج وتتشابك متماهية مع أقنعة إغريقية. في المستوى الأدنى قليلا تماثيل أصغر تعزف على آلات القيثار، البوق والدف. يبدو المهندس باستخدامه الطليعي للإسمنت المسلح (الذي كان آنذاك في طور التجريب) مجددا ومبتكرا لأسلوب متفرد، بحيث برع في مزج مواد (الجبص، الخزف) والرسم الجداري بالنحت واللون. هي سمات أساسية لهذا النصب التذكاري الذي تم إنجازه من قبل فنانين كبيرين: "فيديريكو ريبيرا" الذي جاء خصيصًا من باريس، لصباغة رسومات السقف بأسلوب بارع، و "كانديدو ماتا"، مصمم المنحوتات الداخلية والخارجية.

أما الستائر الخلفية فقد أنجزها الرسام الإيطالي والسينوغراف "جورجيو بوساتو" (1836-1917)، المعروف بعمله كسينوغراف في أهم المسارح الإسبانية في سرقسطة، أوفييدو، وتوليدو، وملقة، وإشبيلية، كما صمم سينوغرافيا العرض الأول لأوبرا «عايدة» في القاهرة بمناسبة افتتاح قناة السويس عام 1871. 

بمناسبة حفل افتتاح سيرفانتيس


في مساء شتوي ناعم من يوم 11 دجنبر 1913 افتتح مسرح "سيرفانتيس" بحضور شخصيات الإدارة الدولية والمندوب السلطاني وجمهور المثقفين والفنانين، ملؤهم الافتخار بكون مدينتهم أضحت تحظى بأكبر مسرح في شمال إفريقيا، مسرح ذي طراز إيطالي صُفّت مقاعده ال 919 على شكل نصف دائرة على أرضية خشبية تفتح آليا لتختفي المقاعد داخلها متحولة بمناسبة الحفلات الكرنفالية، إلى حلبة رقص. 

تمكن مسرح "سيرفانتيس" منذ بداياته أن يمنح دفءَ اللجوء لإسبان الشتات من منفيي ومعارضي النظام الفرنكوي، بل وأن يمنح إشعاعا للمنتوج المسرحي والغنائي لفناني شبه الجزيرة الإبيرية، أضحى بفضله للثقافة الإسبانية دورا محوريا في قلب المدينة الدولية التي كان يستحوذ على محافلها حضور طاغ للثقافتين الإنجليزية والفرنسية.

سيرفانتيس صور بداية الأشغال


عوَّد مسرح "سيرفانتيس" جمهوره منذ البداية على برمجة متنوعة من أوبرا وعروض مسرحية (مع "ماريا غيريرو" و"مارجريتا زيرغو" والفرنسية "سيسيل سوريل" والنجوم المصريين "يوسف وهبي" و"فاطمة رشدي")، دون أن يبخل عن هواة المسرح بالمدينة الذين أسسوا فرقة "الهلال" المسرحية التي قدمت عدة مسرحيات على خشبته منها: «عطيل» باللغة العربية عام 1929.

 بيد أنه وبالرغم من نجاحه، ونـظرا لكبر حجمه وثرائه المعماري وتجهيزاته الباهظة السومة، ظلت تكلفة تسييره عالية جدا ولم تسمح لمالكيه بتحقيق أرباح مادية جديرة بتأمين مردود متوازن يغطي مصاريف البرمجة والصيانة وأجور العاملين، وحيال ثقل الديون وتراكمها اضطر "مانويل بينيا" وزوجته "إسبيرانزا أوريّانا" التنازل عنه للدولة الإسبانية في عام 1928 مقابل 450 ألف بيزيتا.

سيرفانتيس صور بداية الأشغال


تعاقب على ركح مسرح "سرفانتس"، في عصره الذهبي، أشهر نجوم الغناء والمسرح لإمتاع عشاقهم من مغاربة وإسبان: "كارمن" الإشبيلية ، "إمبيرتو" الأرجنتيني، "خوانيتا رينا"، و الشهيرة "لولا فلوريس" و أيضًا "أنطونيو مولينا"، مغني الفلامنكو "مانولو كاراكول" و الكوبي "أنطونيو ماتشين"، "خوانيتو فالديراما" الذي ألهمه مقامُه في طنجة عام 1947، إثر لقائه بالإسبان الفارين من نظام فرانكو، تأليف أغنيته الخالدة "الإميغرانتي" (المهاجر) التي انتشرت انتشار النار في الهشيم. لم يتخيل المغني الإسباني أن يعيش مثل هذا الابتهاج الشعبي وهو يتابع اكتظاظ الجمهور أمام واجهة المسرح. أغلب الإسبان لم يكن لديهم تذاكر لمشاهدته على الخشبة، إلا أنهم جاءوا جميعًا للاحتفاء بالنجم الذي يختزل الوطن. روى "فالديراما" لاحقًا أنه كتب الأغنية بمجرد عودته إلى فندقه بعد الحفل متأثرا بالدموع التي رمقها من بعيد تبلل جفون كل هؤلاء المنفيين.

عاش المسرح عصره الذهبي في النصف الأول من القرن العشرين مع أوبراه وحفلاته الموسيقية "الثرثويلا zarzuelas (الأوبرا الكوميدية الإسبانية). ولكن منذ الخمسينيات من القرن الماضي، شرع وهجه الثقافي بالخفوت مع تراجع مهول في إقبال الجمهور. ولمعالجة الوضع المتدهور اعتمد مسيروه على نوع آخر من الفرجة، ألا وهي المصارعة. تحول مسرح سيرفانتيس الكبير لفترة طويلة إلى قاعة مصارعة! الكاثوليك واليهود والمسلمون ... يأتون سوية لمشاهدة عروض هذا النوع من الفرجة التي هي في منتصف الطريق بين الرياضة والمسرح.


بعد استقلال المغرب عام 1956، وبينما أفواج الإسبان تتسابق لمغادرة طنجة اضطرت الحكومة الإسبانية للتخلي عن مسرح سيرفانتيس، عرف حياله المسرح العتيد كيف يجدد جلده ليتحول لبعض الوقت إلى قاعة سينما. قاوم باستماته ظروف الإهمال بأنشطة متباعدة أملتها مناسبات ذات طابع إنساني كتلك التي عاشها خلال حرب الجزائر، بحيث أقيمت به حفلات فنية للتبرع بإيراداتها إلى جبهة التحرير الوطني. شيئًا فشيئًا، تتباعد مواعيد الأنشطة وتتراجع أصداؤها إلى أن خفت نهائيا مع قرار إغلاقه سنة 1972 ليدخل غرفة الموت الإكلينيكي.

بعد ثلاثة عقود عانى خلالها مسرح "سيرفانتيس" ما عاناه من الإهمال والنسيان، شرع بصيص أمل ينبعث مع فجر سنة 2000، إذ أبدى الجانبان المغربي والإسباني رغبتهما لإنقاذ المعلمة التاريخية وقد تم تصنيفها في عام 2007 تراثا وطنيا.


على إيقاع المفاوضات المغربية الإسبانية التي استغرقت وقتًا طويلاً، احتفل المسرح بذكراه المئوية التي صادفت 2013 في حزن وترقب. كتب فنانو ومثقفو الضفتين، نشدوا وناشدوا مسؤولي البلدين لإعادة الحياة إلى شرايينه حيث واجهته الموشاة بالخزف الأصفر والأزرق تبكي مئوية أماسيه الخوالي.

استقر قرار مجلس الوزراء الإسباني في 9 فبراير 2019 على أن تتبرع إسبانيا ببناية مسرح "سيرفانتيس" للمغرب، تبرع غير قابل للنقض. يأتي هذا النقل، الذي يجب أن يصادق بموجبه البرلمان الإسباني على تمليك المسرح للدولة المغربية، بحيث بات من المقرر أن تنطلق أشغال الترميم في عام 2018، لولا تأجيلات متكررة صادرة عن لجنة اليونسكو للتمحيص والتدقيق في التصاميم التي يشترط استجابتها للمعايير العلمية والفنية وفق البناء الأصلي. بعد كل هذه التعقيدات، انطلق ورش أشغال الترميم وإعادة التأهيل في أكتوبر 2021 للمبنى التي يحرص المغرب على أن تراعي الهندسة الأصلية لواجهته وداخله، حفاظا على طابعه التاريخي.



في نفس الركن