Quantcast
2026 سبتمبر 11 - تم تعديله في [التاريخ]

نداء الأمل بمناسبة الدخول المدرسي: مدرسة قد تنهار بصمت… وأبناؤنا هم الثمن

97 مليار درهم وآلاف المؤسسات وملايين التلاميذ، لكن السؤال ما زال معلقًا داخل الأقسام: لماذا تتسع الميزانيات ولا تضيق فجوة التعلمات؟ الدكتور "محمد الدريج" يطلق «نداء الأمل» ويضع الأسر والوزارة أمام مسؤولياتهما، قبل أن تدفع المدرسة وأبناؤنا ثمن انتظار جديد.


الدكتور "محمد الدريج"
الدكتور "محمد الدريج"

*بقلم: الدكتور محمد الدريج*

* مقدمة: صرخة قبل أن نصمت

كل دخول مدرسي هو موعد جديد مع الأمل، لكنه أيضًا موعد جديد مع الخيبة. ونحن، الآباء والأمهات والفاعلين التربويين وعموم المهتمين بمصير مدرستنا العمومية، لا ينبغي لنا أن نكتب هذا النداء من موقع المتفرج، بل من موقع من أنهكه الانتظار وأتعبه تكرار الوعود.

نتقدم بهذا النداء لأننا نرفض أن يتحول الدخول المدرسي، سنة بعد أخرى، إلى طقس إداري باهت يُختزل في أرقام وتصريحات، بينما يبقى الطفل المغربي، داخل القسم الحقيقي، وحيدًا أمام الاكتظاظ، ومدرسين منهكين، وبنيات تحتية متهالكة، وبرامج وطرائق متجاوزة.

عرف الموسم الدراسي 2025-2026 التحاق ما يقارب 8 ملايين و271 ألف تلميذة وتلميذ بمختلف الأسلاك التعليمية، من بينهم أزيد من 7 ملايين بالتعليم العمومي، يؤطرهم نحو 299 ألف مدرس، موزعين على أكثر من 12,400 مؤسسة تعليمية، من بينها قرابة 6,886 مؤسسة بالوسط القروي.

كما استقبل التعليم الأولي نحو 985 ألف طفل، بزيادة بلغت 4.5% مقارنة بالموسم السابق، من بينهم حوالي 663 ألفًا بالتعليم الأولي العمومي، فيما التحق نحو 730 ألف تلميذ جديد بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي.

إنها أرقام ضخمة، نعم، لكنها تبقى مجرد أرقام إذا لم تتحول إلى فصول مؤهلة، ومدرسين كافين ومتمكنين، وأطفال يتعلمون بكرامة.

وخصص قانون المالية لسنة 2026 لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ميزانية تناهز 97 مليار درهم، بزيادة مهمة مقارنة بالسنة السابقة. وهو مبلغ ضخم بكل المقاييس، لكن السؤال الذي يؤرقنا ليس فقط: كم أنفقنا؟ بل أيضًا: أين ذهبت الأموال؟

لماذا لا تزال مدارس قروية عديدة تفتقر إلى الماء والكهرباء والمرافق الصحية اللائقة؟ ولماذا لا يزال آلاف الأطفال يقطعون كيلومترات سيرًا على الأقدام أو يستعملون وسائل نقل غير آمنة؟ فحين تتضخم الميزانيات ويبقى الواقع على حاله، يصبح من حقنا أن نتساءل، بصوت عالٍ، عن أثر هذه الاعتمادات في المدرسة والحجرة الدراسية وحياة المتعلم.

ولماذا لم يتجاوز متوسط أداء المغرب في القراءة، ضمن نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ «PISA 2022»، نحو 339 نقطة، مقابل 476 نقطة لمتوسط بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؟

إن إصلاح التعليم ليس مشروعًا حسابيًا يُقاس بالمليارات، بل قضية إنسانية متشابكة ومركبة، ترتبط بالمناهج والطرائق والتشريعات والبنيات التحتية وتكوين الأطر والحكامة والوضعية الاجتماعية للأسر في آن واحد.

وكل تأخر في حلقة من حلقات هذه المنظومة، سواء تعلق الأمر بنقص الأطر، أو ضعف البنية التحتية، أو غياب الدعم النفسي والاجتماعي، أو تعثر التكوين المستمر، ينعكس سلبًا على باقي الحلقات، ويُدفع ثمنه، في النهاية، من رصيد أبنائنا ومستقبلهم.

كما أن نجاعة هذا الاستثمار المالي الضخم رهينة بحكامة حقيقية لا بشعارات جوفاء؛ حكامة تقوم على الشفافية والتقييم الموضوعي والدوري للبرامج والمشاريع، وعلى الربط الصارم بين المسؤولية والمحاسبة في مختلف مستويات التدبير: المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية.

ينبغي أن يُسأل كل متدخل عن النتائج المحققة في نطاق مسؤوليته، وألا تبقى الإخفاقات بلا تفسير ولا الإنجازات بلا تثمين. فالوقت الذي نضيعه في التبريرات هو وقت مقتطع من عمر جيل بأكمله، ولا يمكن استرجاعه.

ومن هذا المنطلق، وإيمانًا منا بأن نجاح الدخول المدرسي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة، نرفع هذا النداء، لا بوصفه قائمة مطالب باردة، بل باعتباره صوت آلاف الأسر التي تنتظر مدرسة تليق بأبنائها، متضمنًا مجموعة من التوصيات الموجهة إلى الأسر من جهة، وإلى وزارة التربية الوطنية من جهة أخرى.

* أولًا: توصيات موجهة إلى الأسر

* 1. تعميم برامج التربية الوالدية بالمغرب

في ظل تزايد مظاهر اللامبالاة، وضعف بعض القدرات التربوية لدى الآباء والأمهات، واستمرار مظاهر العنف الأسري، ندعو إلى تعميم ما يُعرف بـ«التربية الوالدية» باعتبارها رافعة أساسية لحماية الطفل، وتقوية الروابط الأسرية، وتشجيعه على الاندماج الإيجابي في الحياة المدرسية.

ويقتضي ذلك إدماج هذا المفهوم ضمن السياسات العمومية الموجهة إلى الأسرة والطفولة، عبر برامج وطنية للتوعية والتكوين تستهدف الوالدين، وتُبنى على مقاربات التربية الإيجابية القائمة على الحوار وفهم احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية، بدل اللجوء إلى العنف والقسوة.

ولإنجاح هذا التعميم، لا بد من تكوين الأطر التربوية والاجتماعية المعنية، من مرشدين ومربين وعاملين اجتماعيين، على هذه المقاربات، وإشراك الجمعيات والفعاليات المدنية المحلية في تقريب البرامج من الأسر، خصوصًا في المناطق النائية وبين الفئات الهشة التي لا تصل إليها غالبًا برامج التوعية الرسمية.

كما ينبغي إدماج محاور التربية الوالدية ضمن برامج التربية الأسرية في المدارس والمساجد ودور الشباب، باعتبارها فضاءات تربوية يومية قريبة من المواطنين.

ويُعد الإعلام العمومي شريكًا أساسيًا في هذا الورش، من خلال بث برامج توعوية دورية، تلفزيونية وإذاعية ورقمية، حول التربية الوالدية الإيجابية، بما يتيح الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من الأسر المغربية.

وبالتوازي مع ذلك، تبقى الحاجة ملحة إلى مواكبة الأسر التي تعيش أوضاعًا صعبة، مثل الفقر أو الطلاق أو المرض أو إعاقة الطفل، ببرامج دعم نفسي واجتماعي مندمجة تكفل استمرارية الأثر التربوي، وتحمي الطفل من مخاطر البيئة الأسرية غير المستقرة.

إن تعميم التربية الوالدية، بهذا الشكل المتكامل، لن يقتصر أثره على محاربة الهدر المدرسي والوقاية من السلوكات المضطربة والعنف وسوء المعاملة داخل الأسرة، بل سيسهم في بناء جيل يتمتع بنمو نفسي واجتماعي سليم، وهو ما يستوجب تعبئة وطنية تشمل الدولة والمجتمع المدني والإعلام على حد سواء.

* 2. المتابعة الدراسية والتربوية المستمرة

ندعو الأسر، في إطار التربية الوالدية المنشودة، إلى متابعة أبنائها يوميًا في تحصيلهم الدراسي وسلوكهم، والتواصل المنتظم مع الأساتذة وإدارة المؤسسة، لأن غياب هذه المتابعة قد يكون من أسباب التعثر الدراسي والانقطاع عن الدراسة والانزلاق نحو سلوكات منحرفة.

فالطفل الذي يشعر بأن أحدًا لا يسأل عنه في البيت قد يتعلم سريعًا ألا يهتم أحد بمصيره في المدرسة، وربما في المجتمع أيضًا.

* 3. تهيئة بيئة أسرية داعمة نفسيًا

يمثل الدخول المدرسي مرحلة انتقالية قد تحمل قلقًا للطفل، خصوصًا في المستويات الأولى أو عند تغيير المؤسسة. لذلك، من الضروري خلق جو أسري مطمئن يشجعه ويمنحه الثقة، بدل الضغط عليه بالنتائج فقط.

فالطفل ليس رقمًا في كشف النقط، بل إنسان يحتاج إلى أن يُرى ويُفهم قبل أن يُقيّم.

* 4. تنظيم وقت الطفل بين الدراسة والراحة

أصبح الإفراط في استعمال الهواتف والشاشات من أبرز معيقات التركيز الدراسي. لذلك، ندعو الأسر إلى وضع برنامج متوازن يخصص وقتًا للمراجعة، وآخر للراحة والأنشطة الترفيهية والرياضية.

فالتوازن هو الذي يصنع تلميذًا متيقظًا، لا تلميذًا مرهقًا أو مشتتًا.

* 5. توفير اللوازم المدرسية دون إثقال كاهل الأسرة

مع ارتفاع تكلفة الدخول المدرسي سنويًا، حتى أصبح عبئًا حقيقيًا على ميزانية الأسر المغربية، ندعو إلى اقتناء اللوازم الأساسية فقط، من دون مجاراة مظاهر الاستهلاك المفرط، مع تحسيس الأبناء بأن قيمة التمدرس لا ترتبط بكثرة الأدوات، بل بالجدية في التحصيل.

ولا بأس أن ننوه هنا بما مثله برنامج «مليون محفظة»، وما أعقبه من صيغ للدعم الاجتماعي، من محاولة لتخفيف تكلفة الدخول المدرسي عن الأسر الفقيرة والهشة ودعم تمدرس الأطفال.

لكن المطلوب هو ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتوسيع أثره، والعمل بالتوازي على مراجعة منظومة إنتاج الكتب المدرسية وتوزيعها، وتوفير البرمجيات والأجهزة الإلكترونية وفق معايير الإنصاف وتكافؤ الفرص.

* 6. الانخراط الفعلي في الحياة المدرسية

نشجع الأسر على الانضمام إلى جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، والمشاركة الفعلية، لا الشكلية، في اجتماعات المؤسسة، لأن التعاون بين البيت والمدرسة يشكل ركيزة أساسية لنجاح العملية التعليمية، ولأن الصمت أمام الاختلالات لا يخدم أبناءنا.

* 7. غرس القيم الأخلاقية وقيم المواطنة

لا تقل هذه المسؤولية أهمية عن التحصيل الدراسي نفسه؛ فالأسرة هي المدرسة الأولى للقيم والضمير الأخلاقي قبل أن يطأ الطفل عتبة المؤسسة التعليمية.

وندعو الأسر إلى تربية أبنائها على الصدق، وإتقان العمل، والاحترام، والتسامح، وحب الوطن، والانتماء الإيجابي إلى مجتمعهم، بالقدوة الحسنة قبل الوعظ؛ لأن الطفل يتعلم القيم بالمعايشة أكثر مما يتعلمها بالكلام.

وبالتوازي، نطالب المؤسسة التعليمية بألا تكتفي بتلقين المعارف، بل أن تجعل التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والانضباط والمسؤولية الجماعية جزءًا حيًا من يومياتها، لا مادة تُدرّس ثم تُنسى.

فالمدرسة التي تخرج متعلمين بلا قيم تخرج أزمة مؤجلة، والجيل المتشبث بهويته وقيمه واعتزازه بوطنه هو أفضل ضمانة لمستقبل أمتنا، بامتداداتها الإسلامية والأمازيغية والعربية.

* ثانيًا: توصيات موجهة إلى وزارة التربية الوطنية

* 1. الاستقرار في السياسة التعليمية

نطالب بالكف عن توالي الإصلاحات المتسرعة وغير المدروسة، التي تربك الفاعلين التربويين والتلاميذ على حد سواء، والحرص على تقييم أي إصلاح بصورة جدية وعلمية قبل تعميمه؛ فمدرستنا ليست حقلًا للتجارب المتكررة.

كما نطالب بأن يُبنى إصلاح المنظومة على رؤية شمولية متكاملة، وألا يُختزل في تدابير تقنية أو تنظيمية، أو إجراءات معزولة عن سياقها المجتمعي، بما في ذلك مشروع «مؤسسات الريادة».

وينبغي إدراج مختلف التدابير ضمن فلسفة ديمقراطية تقدمية شاملة، تؤمن بالانفتاح والتطور المستمر، والمناصفة بين الجنسين، والمساواة وتكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والمناطق، مع التأكيد أن نجاح الإصلاح رهين بإرادة سياسية قوية وصادقة، تتجاوز الخطاب إلى الفعل الملموس والمستدام.

* 2. سد الخصاص في الأطر التربوية

لا يُعقل أن تظل مؤسسات عديدة، خصوصًا في العالم القروي والمناطق النائية، تعاني نقصًا في المدرسين، بينما تتحدث التقارير الرسمية عن أرقام توظيف مرتفعة.

ونطالب بتوظيف الأطر التربوية وترسيمها ضمن الوظيفة العمومية، واعتماد توزيع عادل وشفاف يراعي الخصوصيات الجغرافية والتخصصات المطلوبة، حتى لا يبقى أبناء القرى ومدارس الهامش رهائن للحظ في توفير المدرسين.

كما نطالب بتحسين الأوضاع المادية والمعنوية لهيئة التدريس، إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح تربوي حقيقي من دون الاعتراف الصريح بمجهودات المدرسين، وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية، وصون اعتبارهم المهني بما يضمن الاستقرار والدافعية في أداء المهمة التربوية.

فالأستاذ المنهك والمحبط لا يمكنه أن يمنح أبناءنا أفضل ما عنده.

* 3. تأهيل البنيات التحتية للمؤسسات

كيف نطلب من طفل أن يحلم بمستقبل مشرق داخل مدرسة تفتقر إلى الماء والكهرباء والمرافق الصحية اللائقة؟ إن الأمر ليس نقصًا تقنيًا فحسب، بل مساس بكرامة أبنائنا.

لذلك، نطالب ببرنامج استعجالي وملزم لتأهيل المؤسسات، سواء تعلق الأمر بمؤسسات الريادة أو بالمدارس التي لم يشملها الإصلاح بعد، على أن تُنجز الأشغال قبل انطلاق كل موسم دراسي لا بعده، مع نشر لوائح دقيقة بالمؤسسات المعنية، وتحديد آجال واضحة للتنفيذ.

* 4. تحديث المقررات الدراسية وتبسيطها

تعاني بعض المناهج من تراكمات معرفية واكتظاظ في المضامين وصعوبات لا تتناسب دائمًا مع القدرات الاستيعابية للتلاميذ، ولا تراعي فروقهم الفردية أو اختلاف سياقاتهم، وهو ما قد يحول التعلم إلى عبء بدل أن يكون متعة اكتشاف.

لذلك، نطالب بمراجعة شاملة وجريئة تركز على الجودة بدل الكم، وعلى الكفايات بدل الحشو المعرفي، وعلى تنمية التفكير النقدي وروح الإبداع.

* 5. تفعيل الدعم التربوي والنفسي: من الشعارات إلى الإنقاذ الفعلي

نطالب بالقطع مع منطق البرامج الاستعراضية التي لا تتجاوز الخطابات الرسمية والمذكرات المكتبية، ووضع آليات فعلية وملموسة لمواكبة التلاميذ الذين يعانون تعثرًا دراسيًا أو صعوبات حقيقية في التعلم.

كما ينبغي ألا يتحول تطبيق مقاربة «التعليم وفق المستوى المناسب»، المعروفة اختصارًا بـ«TaRL»، إلى مجرد إجراءات تقنية ومؤشرات نجاح على الورق، بل يجب إخضاعها لتقييم مستقل يكشف أثرها الحقيقي في التعلمات.

ولا يمكن لخلايا الإنصات أن تؤدي دورها من دون أخصائيين مؤهلين، كما لا يمكن لمذكرات الدعم أن تتحول إلى نتائج من دون موارد وميزانيات وآليات واضحة للتتبع.

إننا لا نطالب بمزيد من البرامج الشكلية، بل بإرادة سياسية تترجم إلى توظيف أخصائيين نفسيين واجتماعيين بأعداد كافية، وتخصيص ميزانيات مستقلة وملزمة للدعم، بدل تركه رهينًا بفائض الموارد أو حسن نية الفاعلين المحليين، وإحداث آليات تتبع صارمة ومستقلة تكشف الفجوة بين ما يُعلن في الخطابات وما يجري فعليًا داخل المؤسسات.

فخلية الإنصات التي لا يوجد بها منصت، واللافتة المعلقة على باب فارغ، ليستا دعمًا تربويًا ونفسيًا، بل شهادة إضافية على تخلي المدرسة العمومية عن أضعف تلامذتها، في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه أول من يحميهم وينقذهم من الفشل والإقصاء.

* 6. ضمان النقل المدرسي

يمثل غياب خدمات النقل المدرسي أو ضعفها في المناطق القروية والنائية سببًا رئيسيًا للهدر المدرسي، خصوصًا في صفوف الفتيات اللواتي يدفعن الثمن الأكبر لهذا الإهمال.

لذلك، نطالب بتعميم هذه الخدمة وتقوية أسطولها ومراقبة شروط السلامة والجودة، فأمن أبنائنا في طريقهم إلى المدرسة ليس تفصيلًا يمكن تأجيله.

* 7. تحسين منظومة الإطعام المدرسي والداخليات

نطالب بالرفع الفعلي من جودة الوجبات المقدمة إلى التلاميذ، وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، وتحسين ظروف الإقامة داخل الداخليات بما يضمن استمرارية التمدرس.

فالطفل الجائع أو المرهق لا يمكنه أن يتعلم، مهما بلغت جودة المنهاج.

* 8. تعميم التكنولوجيات الحديثة والولوج إلى الإنترنت

نطالب بتجهيز المؤسسات التعليمية، بما فيها الموجودة في المناطق النائية، بالوسائل الرقمية اللازمة لمواكبة التحول الرقمي، وتقليص الفوارق بين المؤسسات الحضرية والقروية.

فالفجوة الرقمية اليوم هي فجوة في تكافؤ الفرص غدًا.

* 9. إشراك الآباء والمجتمع المدني في تدبير الشأن التربوي

نطالب، في إطار ما أسميناه «التربية الوالدية»، بتفعيل شراكة حقيقية، لا صورية، بين المؤسسة التعليمية والأسر والفاعلين المحليين والجمعويين، بما يضمن حكامة تشاركية تراعي حاجيات كل منطقة، وتمنح الآباء والأمهات دورًا فعليًا في القرار، لا مجرد حضور شكلي.

* 10. توسيع تجربة مؤسسات الريادة وتقييمها بشفافية

نظرًا إلى الأهمية التي يحظى بها مشروع «مؤسسات الريادة» ضمن خارطة الطريق الإصلاحية، وبعد وصول عدد المؤسسات الابتدائية المنخرطة فيه إلى نحو 4,626 مؤسسة، والإعداديات إلى 786 مؤسسة، نطالب، قبل الاستمرار في تعميمه، بتوفير الشروط الحقيقية لنجاحه.

وتشمل هذه الشروط تكوين المدرسين والأطر الإدارية والتقنية، وتجهيز الفصول، وتوفير الكتب المدرسية والمعدات الإلكترونية، وتأهيل مستخدميها، وتقليص الاكتظاظ.

كما نطالب بإجراء تقييم موضوعي ودوري ومستقل لنتائج المشروع، في شفافية تامة، وتعميم التجارب التي تثبت نجاعتها على باقي المؤسسات، بدل الاكتفاء بالطابع الإعلامي للمبادرة من دون قياس أثرها الحقيقي في جودة التعلمات.

* 11. تفعيل التكوين المهني ومدارس الفرصة الثانية

تكشف الأحداث المؤلمة التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة، وتكرار محاولات القاصرين غير المرفقين والشباب المغاربة اقتحام السياج أو ركوب قوارب الموت في ظروف بالغة الخطورة، عن أزمة عميقة تتجاوز جدران المؤسسة التعليمية.

فوراء كل قاصر يخاطر بحياته بحثًا عن «فرصة» في الضفة الأخرى، تختبئ غالبًا قصة انقطاع دراسي مبكر، وغياب أفق مهني، وشعور باليأس من منظومة لم تمنحه فرصة ثانية حين تعثر.

إننا لا نقرأ هذه المآسي باعتبارها أحداثًا معزولة، بل بوصفها مرآة تعكس فشلنا الجماعي في استيعاب فئة واسعة من شبابنا.

وتشير المعطيات المتداولة بشأن الموسم الدراسي 2024-2025 إلى انقطاع نحو 276 ألف تلميذة وتلميذ عن الدراسة، في وقت لا تزال فيه اختلالات بنيوية تحد من قدرة منظومة التكوين المهني على استيعاب المنقطعين في سن مبكرة، وتحقيق اندماج فعلي لهم في سوق الشغل.

وسبق للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن سجل اختلالات تحد من قدرة التكوين المهني على الاستجابة الكمية والنوعية لحاجيات المقاولات، ومن بينها تقادم جزء من العرض التكويني وعدم وضوح بعض الأدوار المنوطة بالقطاع.

ورغم ما حققته شبكة مدارس الفرصة الثانية-الجيل الجديد من نتائج في إعادة إدماج عدد من الشباب، فإن طاقتها الاستيعابية لا تزال محدودة مقارنة بالحجم السنوي للانقطاع عن الدراسة. وتؤكد الفجوة بين حجم الظاهرة وحجم الاستجابة أن آلاف المنقطعين يظلون خارج أي مسار تعليمي أو تكويني بديل.

لذلك، نطالب بتوسيع حقيقي وواسع لمدارس الفرصة الثانية بما يواكب الحجم الفعلي للمنقطعين، وتعزيز الموارد البشرية واللوجستية للجهات المشرفة عليها، وتقوية التكوين المهني وربطه بحاجيات سوق الشغل، حتى يصبح مسارًا كريمًا يُقصد باختيار، لا خيارًا أخيرًا يُفرض بفعل الإحباط.

فالمدرسة التي لا تعيد فتح أبوابها أمام من تعثر مرة قد تدفع أبناءها، عاجلًا أو آجلًا، نحو الهجرة غير النظامية ومسارات المجهول.

* خاتمة: نداء أخير قبل فوات الأوان

إن نجاح الدخول المدرسي وتحقيق الجودة المنشودة في منظومتنا التعليمية رهينان بمقاربة شمولية تجمع بين المجهود المالي والإرادة السياسية الحقيقية من جهة، والحكامة الرشيدة والربط الصارم بين المسؤولية والمحاسبة من جهة أخرى، إلى جانب انخراط فعلي وصادق لجميع الأطراف: الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع المدني.

نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب ما هو حق لأبسط طفل مغربي: مدرسة آمنة، ومدرسًا متمكنًا وحاضرًا، وفصلًا مؤهلًا، ومستقبلًا لا يُختصر في أرقام الميزانية.

وإذ نتقدم بهذا النداء، فإننا نعلم أن الكلمات وحدها لا تبني مدارس ولا تسد خصاصًا، لكننا نرفض أن نصمت بينما ينتظر جيل كامل.

ونأمل، ونحن نراقب باهتمام، أن تجد هذه التوصيات آذانًا صاغية، وأن تُترجم إلى إجراءات ملموسة وآجال محددة، تُخدم بها مصلحة أبنائنا ومستقبل بلادنا، قبل أن يتحول الأمل، مرة أخرى، إلى مجرد انتظار.


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار