2026 أغسطس/أوت 17 - تم تعديله في [التاريخ]

نزار بركة... كفاءة مغربية ورجل دولة في خدمة الوطن


الدكتور نزار بركة

*بقلم: سعيد العتماني*

هناك رجال يمرون من مواقع المسؤولية مروراً عادياً، وهناك من يتركون بصمات واضحة من خلال ما ينجزونه على أرض الواقع. ومن بين الكفاءات المغربية التي استطاعت أن تفرض حضورها في تدبير الشأن العام، يبرز اسم السيد نزار بركة، الذي راكم تجربة غنية في مجالات الاقتصاد والمالية والتجهيز والماء، وجعل من الكفاءة والواقعية والالتزام بخدمة الصالح العام عنواناً لمساره المهني والسياسي.

ينتمي نزار بركة إلى جيل من المسؤولين الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي الرفيع والخبرة الميدانية، فهو دكتور في الاقتصاد، وقد ارتبط اسمه، منذ توليه مسؤولية مدير الميزانية، بحسن التدبير ودقة المعادلات المالية، والقدرة على الحفاظ على التوازنات الاقتصادية للدولة. وقد أسهمت خبرته في بلورة عدد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، كما كان من بين المسؤولين الذين واكبوا اتفاقات الحوار الاجتماعي التي أفضت إلى تحسين دخل الموظفين بمختلف فئاتهم.

وعندما تولى مسؤولية الوزارة المنتدبة المكلفة بالشؤون الاقتصادية والعامة، ثم وزارة الاقتصاد والمالية ما بين سنتي 2012 و2013، وجد نفسه أمام ظرفية اقتصادية استثنائية، اتسمت بتداعيات الربيع العربي، وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتزايد الضغوط على المالية العمومية. ورغم صعوبة المرحلة، عمل على الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، والتحكم في عجز الميزانية، وصيانة الاستقرار المالي للمملكة، متخذاً قرارات لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية لتجنيب الاقتصاد الوطني اختلالات أكبر.

كما كان من أوائل المسؤولين الذين وضعوا الأسس التقنية لإصلاح صندوق المقاصة، الذي كان يستنزف جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة. وقد مهد هذا العمل للإصلاحات التي تم اعتمادها لاحقاً، بهدف ترشيد الدعم، وضمان استدامة المالية العمومية، وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية.

ويعرف عن نزار بركة هدوؤه، ورجاحة عقله، وإيمانه بأن العمل أبلغ من الكلام، فلا يكثر من إطلاق الوعود، بل يفضل أن يقترن كل التزام بإمكانية تنفيذه. كما يتميز بحسن الإنصات، وبشاشة الوجه، واحترام مخاطبيه، وهي خصال جعلته يحظى بتقدير مختلف المتعاملين معه.

وجاء الاختبار الأكبر لمساره عندما تولى وزارة التجهيز والماء، في واحدة من أصعب الفترات المناخية التي عرفها المغرب، حيث شهدت المملكة سنوات متتالية من الجفاف البنيوي، وانخفاضاً غير مسبوق في الموارد المائية. وفي مواجهة هذا التحدي، اختار منطق العمل والإنجاز بدل الاكتفاء بتشخيص الأزمة.

فكان مشروع الطريق السيار للماء، الرابط بين حوضي سبو وأبي رقراق، من أبرز المشاريع الاستراتيجية التي أنجزت في ظرف زمني قياسي، حيث مكن من تحويل كميات مهمة من المياه نحو المناطق التي كانت مهددة بالخصاص، وأسهم في تجنيب محور الرباط–الدار البيضاء أزمة عطش حقيقية، ليصبح نموذجاً وطنياً في سرعة الإنجاز وحسن تدبير الأزمات.

كما شهد قطاع تحلية مياه البحر طفرة نوعية، بعدما انتقلت مشاريع كبرى من مرحلة الدراسات إلى مرحلة الإنجاز والاستغلال، وفي مقدمتها محطة الدار البيضاء الكبرى، إلى جانب محطات آسفي والجديدة، في إطار رؤية استراتيجية تروم تنويع مصادر التزود بالماء، وتعزيز الأمن المائي للمملكة.

وفي مجال سياسة السدود، واصل المغرب تشييد السدود الكبرى والمتوسطة، مع اعتماد رؤية جديدة تقوم على إنجاز السدود التلية، بهدف تجميع مياه الأمطار، والحد من مخاطر الفيضانات، وتوفير مياه السقي، ودعم التنمية المحلية بالمناطق القروية.

كما عرفت هذه المرحلة إعادة إطلاق عدد من المشاريع التي ظلت لسنوات حبيسة التعثر أو التأجيل، بعدما تم تجاوز العراقيل التقنية والإدارية والمالية، لتخرج إلى حيز الوجود، في تأكيد على أن الإرادة القوية قادرة على تحويل المشاريع المؤجلة إلى منجزات يستفيد منها المواطن.

وعلى المستوى السياسي، تحمل نزار بركة مسؤولية قيادة حزب الاستقلال في مرحلة دقيقة، وعمل على إعادة الحيوية إلى مؤسساته، وترسيخ ثقافة الكفاءة والاستحقاق، والاعتماد على معايير النزاهة في اختيار المرشحين، من خلال لجنة الأخلاقيات برئاسة الدكتور عبد الواحد الفاسي، المشهود له بالاستقامة ونظافة اليد والإخلاص للوطن.

ويطمح نزار بركة إلى قيادة حزب الاستقلال لتحقيق نتائج متقدمة في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، من خلال برنامج انتخابي واقعي، اقتصادي واجتماعي، قابل للتنفيذ، يستجيب لتطلعات المواطنين، بعيداً عن الشعارات والوعود غير القابلة للتحقيق.

ويظل نزار بركة معروفاً بولائه الثابت للعرش العلوي المجيد، ووفائه للثوابت الوطنية، وإيمانه بأن خدمة الصالح العام هي جوهر المسؤولية. ولعل المثل المغربي القائل: "قد فمو قد ذراعو" يلخص فلسفته في تدبير الشأن العام، حيث يحرص على أن تكون الوعود في حدود الإمكانات، وأن تسبق الأفعال الأقوال.

لقد أثبتت التجربة أن التاريخ لا يخلد كثرة الخطابات، بل يحتفظ بما تحقق من إنجازات. ومن خلال ما راكمه من تجربة في تدبير المالية العمومية، وما أشرف عليه من مشاريع استراتيجية في مجالي الماء والبنيات التحتية، يقدم نزار بركة نموذجاً للمسؤول الذي يجعل من الكفاءة، والواقعية، والعمل الميداني، ركائز أساسية في خدمة الوطن والمواطن.



في نفس الركن