☰
2026 شتنبر 27 - تم تعديله في [التاريخ]

نفْسُ الفيلم المُمِل ولو تغيّر المُخْرج والمُمثِّل !

افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم الجمعة 11 شتنبر 2026، عوض يوم الخميس استثناءً لأسباب تقنية قاهرة


العلم - محمد بشكار

يُحلِّق اللقلاق مهاجرا أو مسافرا قَدْرَ ما يتسع الأفق، ولا يعود إلى عشه الوثير، إلا وقد ضمَّ تحت جناحيه بعد إفْراد كل ربوع البلاد، وها نحن ذا عفو الخاطر والشاعر، نعود دون كيف أو لماذا إلى عش هذا الملحق الوثير، يحذونا أمل أن نكسر بالاختلاف في الرأي والمعرفة، آفة التشابه الساخر التي تدجن العقول في قوالب دون سكر، ألم تر كيف جرف السّيل العرِم لوسائل التكاسل الاجتماعي، كل غث وسمين، والأدهى أن ينحدر مع هذه الموجة وليتهم ركبوها بحس طلائعي، بعض الأكاديميين الذين كنا حتى الأمس القريب نحترمهم، ونعتبرهم صمّام أمان نقدي ومناعي للوعي الثقافي المغربي، لكنهم للأسف اندمجوا مع زمرة الكسالى، وفقدوا مع البوصلة غربال النقد، لاهثين وراء النقد المضروب بكل العملات في دار السكة، أسفي على مثقف استرخص نفسه ناطّاً على أكثر من حبل مع القِردة، وباع الأدب بقلة الأدب، لا لشيء إلا ليرفع منسوب المشاهدة، فَبئس الربح فساد الخلق، والأدهى من الأدهى أن اغترابهم الماضوي المريض، يوهمهم لمجرد قدرتهم على فتح الأفواه واسعا، بأقذع ألوان السَّباب والشتم والأباطيل، أنهم هُمُ الأمجاد الثقافية وهم الريادة، أما أجيال الأدباء والمثقفين ممن تقاطروا أو قَطَروا بعدهم دون سقف، فلا يستحقون إلا التبخيس والنكران ولِمَ لا الإبادة !

أقول لكم وأنا ضاجٌّ بمسرحية الأقنعة تزيف واقعي، إن كل ما قيل سابقا أو سيقال لاحقا مجرد تخييل، فما أفظع أن يفقد الإنسان الثقة في كل شيء، ألم تنظر للشعور الممض باليأس الذي شل هذه الأيام فئات المجتمع، الجميع فقد الثقة في كل الإيديولوجيات بعد أن هيمن خطاب البيع والشراء، ما أفظع أن يحيا المرء مسلوب الروح دون تفكير، حاضره كأمسه بمستوى معيشي فقير، أما المستقبل فقد ضاع في عملية الصرف بين الماضي والمضارع، لا شيء يتغير في تاريخه الذي يحصي الأنفاس، سوى الأرقام، بينما السبورة المخصصة لتلقين الدروس والعِبَر، فمن طرائف الصدف التي تبعث على القرف، أنها ليست سوداء فقط، بل معلقة أيضا في جدار مسدود، فلا تسل من أين كل هذا التضبع الذي ينتج جيلا عاجزا عن مقاومة الواقع !
 
أفظع ما يمكن أن يعانيه منتج أفكار، سواء في مبتدأ حرفه أو منتهاه، في أول العمر أو آخر السطر، هو حمْلة التّتْفيه التي تحاصر حياته الثقافية من كل جانب، تُرى أي عدو خفي هذا يتقهقر بوعينا الجمْعي لكهوف بدائية سحيقة، ألم نَعِش ما يكفي من النكبات في هذا البلد، ومنها ما ارتجّت له الأرض بشعارات تهزُّ قدماً وتحط أخرى، لتجري الشوارع بسيول الدم، حتى ليُخَيَّل للغارق في طوفان الغضب، أن البلد ضاعت ولا عَود ولا أحمد، لكن أخطر نكبة هي التي تعيشنا اليوم ونحن ننظر شاخصين فاقدي الإرادة، ألم تر كيف أصبح ذو الإسم دون إسم، والشيء لا شيء في بورصة القيم الجمالية أو الفكرية، أما التعليم فمن سخرية الأقدار، أنه بِيع بأبخس الأثمان عموميا وأبهظها خصوصيا، ليغدو مجرد صفقة يتبادل أرباحها سماسرة نهب الفرص، ولا نملك إلا أن ننخرط مع الأطفال، في لعبة نفخ الفقاعات، ما أحلاها وهي تتطاير راقصة في الهواء، من قال إن صناعة الفقاعات صعبة، لا نحتاج إلا لقليل من الماء والصابون، وبعض الأنفاس ولو كانت كريهة، لنجعلها تحتل مكانة مرموقة عاليا فوق الشعب!
حقّاً كل ما قيل أو سيقال مجرد تخييل، وما أشبه الأمر بشعب في قاعة سينمائية محكمة الإغلاق، يعيش نفس الفيلم الطوباوي المُمِل، ولو تغير المخرج والممثل، ولا أحد يتجرأ على الواقع، لا أحد يقْرع الخزان ويخرج من قاعة الأكاذيب السينمائية إلى الشارع!

ملحق "العلم الثقافي" ليوم الجمعة 11 شتنبر 2026




في نفس الركن