Quantcast
2026 أكتوبر 13 - تم تعديله في [التاريخ]

هؤلاء من يغذّون الفساد

قبل أن تنطلق قافلة الإصلاح، ثمة من يزرع العراقيل في طريقها، ويستفيد من تعطيلها، ثم يشكو تأخرها… فمن يوقف هذه الحلقة؟


◆ الفساد… العدو الذي يسكن طرق الإصلاح

الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
الحكومة المقبلة أمام امتحان التنقية والتطهير… مشاريع ملكية أُجهضت أو تعثرت، وأخرى أُنجزت باختلالات… فكيف تتحقق التنمية وتُجارى السرعة الملكية بطرق وجسور ومسالك ينخرها الفساد؟

ليس الفساد مجرد أموال تُنهب، أو رشاوى تُدفع، أو صفقات يُتلاعب بها، أو مناصب تُوزع خارج معايير الاستحقاق. إنه منظومة متشابكة من المصالح والولاءات والممارسات التي تتغذى من الصمت والمحسوبية والزبونية وضعف المحاسبة، وتتحول إلى حواجز تعترض مسارات الإصلاح والتنمية.

والحقيقة التي ينبغي استحضارها مع اقتراب انطلاق الحكومة المغربية المقبلة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، هي أن نجاح البرامج الحكومية لا يرتبط فقط بجودة مضامينها أو حجم اعتماداتها المالية، وإنما يتوقف أيضاً على سلامة المسالك والطرق والجسور والأرضيات التي ستعبرها للوصول إلى المواطنين.

فما جدوى برامج طموحة إذا كانت إدارات تنفيذها تعاني الرشوة والبيروقراطية؟ وما فائدة الميزانيات الضخمة إذا كانت بعض منافذ صرفها مفتوحة للهدر والتلاعب؟

إن التنقية والتطهير المؤسسي والإداري والسياسي ليسا ترفاً إصلاحياً، بل شرطان أساسيان لنجاح الولاية الحكومية المقبلة.

◆ السرعة الملكية… ومكابح التنفيذ

يسير المغرب على إيقاع مبادرات ملكية كبرى، تشمل البنيات التحتية والاستثمار والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية وتعزيز مكانة المملكة دولياً.

لكن الإشكال يكمن في الفارق بين سرعة إطلاق المشاريع والاستراتيجيات، وبين وتيرة تنزيل بعضها على أرض الواقع.

فلا يمكن مجاراة السرعة الملكية بإدارات بطيئة، واجتماعات تنتهي إلى اجتماعات، ولجان تلد لجاناً، ومسؤولين يتفننون في تبرير التأخر.

وليس كل تعثر دليلاً على الفساد؛ فقد تفرض الإكراهات المالية والعقارية والتقنية تأخيراً مشروعاً. غير أن استمرار التعثر دون تفسير أو تصحيح أو تحديد للمسؤوليات يحوّل الاختلال الإداري إلى أزمة حكامة وثقة.

◆ مشاريع وضع الملك أسسها… فمن أجهض بعضها وعرقل بعضها الآخر؟

لعل أخطر ما يستحق الوقوف عنده هو مصير مشاريع تنموية أُعلن عنها في مناسبات رسمية، بعضها أشرف الملك محمد السادس شخصياً على إعطاء انطلاقته أو وضع حجره الأساس، وأخرى وُقعت اتفاقياتها أمامه.

فمن هذه المشاريع ما تعثر، ومنها ما عُلقت أشغاله، ومنها ما تأخر لسنوات، ومنها ما أُنجز دون أن يحقق الأثر التنموي المأمول.

ولم يعد الأمر مجرد انطباعات أو اتهامات؛ فقد كشفت معطيات عرضها المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان في فبراير 2026 أن افتحاصاً شمل 78 اتفاقية موقعة أمام الملك بين سنتي 2008 و2020، لم تكن الأشغال قد استُكملت إلا في 32 برنامجاً منها، أي بنسبة 41 في المائة، وفق المعطيات التي شملها الفحص.

كما سبق أن كشف تقييم برنامج «الحسيمة منارة المتوسط» سنة 2017 عن اختلالات في الإعداد والتنسيق والتتبع، رغم الأهمية التنموية للمشروع الذي أعطى الملك انطلاقته سنة 2015.

والمفارقة المؤلمة أن بعض المشاريع تبدأ بحضور ملكي رفيع، وتعبئة مؤسساتية واسعة، ووعود بمنافع اقتصادية واجتماعية، ثم تتراجع وتيرة الاهتمام بها بمجرد انتهاء المراسيم ومغادرة الوفود الرسمية.

فمن يتحمل مسؤولية هذا الانفصال بين الالتزام والإنجاز؟

ومن يحاسب المسؤول الذي يترك مشروعاً حيوياً يتعثر حتى تتضاعف تكلفته أو تضيع فائدته؟

إن وضع الحجر الأساس ليس غاية في ذاته، كما أن قص الشريط أو تدشين البناية لا يعني اكتمال المشروع. فالمعيار الحقيقي هو اشتغال المنشأة، وجودة خدماتها، واستفادة المواطنين منها.

إن أخطر الفساد التنموي ليس فقط سرقة ميزانية المشروع، وإنما أيضاً إجهاض مشروع قبل ولادته، أو تجميده بعد انطلاقه، أو إنجازه بصورة مرتجلة تجعله عاجزاً عن أداء وظيفته.

◆ هؤلاء من يغذّون الفساد… ويشتكون من نتائجه

من الخطأ الاعتقاد أن الفساد يصنعه المسؤولون وحدهم، كما أنه من الظلم تحميل المواطنين مسؤولية اختلالات يتحكم فيها أصحاب السلطة والنفوذ.

فالفساد يجد غذاءه لدى من يبيع صوته الانتخابي، ومن يشتري الذمم، ومن يتاجر في التزكيات، ومن يستغل الانتماءات العائلية والحزبية والقبلية لتحقيق منافع شخصية.

ويجد غذاءه لدى من يشجع أبناءه على الغش، ومن يبحث عن الوساطة للتوظيف، ومن يدافع عن مسؤول ثبت تورطه في اختلالات لأنه قريب أو صديق أو منتمٍ إلى حزبه.

لكنه يجد حماية أخطر حين تتحول بعض المؤسسات إلى فضاءات للتستر وتبادل المصالح والإفلات من المحاسبة.

والأخطر أن بعض المستفيدين من هذه الممارسات يرفعون شعارات النزاهة ومحاربة الفساد، وكأن المشكلة توجد دائماً لدى الآخرين.

◆ الأحزاب… والتنقية التي تبدأ قبل توزيع الحقائب

تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية أساسية في تخليق الحياة العامة، لأنها تشارك في صناعة النخب وتقديم المرشحين وتشكيل الحكومات وتدبير المؤسسات المنتخبة.

وقد أفرزت المشاورات الأخيرة أغلبية حكومية من أربعة أحزاب، تتوفر على 207 مقاعد برلمانية، بفارق تسعة مقاعد فقط عن الأغلبية المطلقة.

وهي معادلة تفرض الانسجام والتعاون، لكنها تجعل معايير الكفاءة والنزاهة في اختيار المسؤولين أكثر أهمية.

فالمناصب الوزارية ليست غنائم انتخابية، والتعيينات ليست مكافآت للولاء، والمؤسسات العمومية ليست فضاءات لتوزيع الامتيازات.

والتنقية المطلوبة لا تعني إقصاء الأشخاص بالانطباعات أو تصفية الحسابات، بل اعتماد معايير شفافة، ومراقبة تضارب المصالح، وتفعيل المسؤولية والمحاسبة.

◆ بعض المواطنين ينعشون الفساد عند كل ولاية انتخابية

إن الناخب الذي يبيع صوته مقابل المال أو المنفعة يساهم في تشويه العملية الديمقراطية، والمرشح الذي يشتري الذمم يبدأ علاقته بالمسؤولية بممارسة تناقض الأمانة التي يُفترض أن يتحملها.

كما أن السماسرة والأعيان الذين يستغلون الفقر والحاجة لصناعة الولاءات الانتخابية يساهمون في إنتاج مجالس قد تصبح عاجزة عن خدمة الصالح العام.

لكن مقاطعة الانتخابات لا تعني بالضرورة تأييد الفساد، فقد تعبّر عن فقدان الثقة أو موقف احتجاجي مشروع.

والمسؤولية الأساسية تقع على المؤسسات والأحزاب لضمان نزاهة المنافسة، وتوفير عروض سياسية جادة، واستعادة ثقة المواطنين.

◆ الجماعات الترابية… هكذا تتعطل التنمية عند أبواب المدن والقرى

لا يمكن لأي حكومة تحقيق العدالة المجالية إذا بقيت الجماعات الترابية تعاني ضعف الحكامة، أو استمرار تعثر المشاريع وغياب الشفافية.

فالتنمية لا تُقاس فقط بما يُعلن في الرباط، بل بما يتحقق في المدن والقرى والدواوير.

والمواطن لا ينتظر نصوصاً استراتيجية بقدر ما ينتظر مستشفى يعمل، ومدرسة جيدة، وطريقاً صالحة، ونقلاً منتظماً، وماءً صالحاً للشرب، وفرص شغل تحفظ كرامته.

وهنا تبرز ضرورة تسريع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، عبر نقل فعلي للاختصاصات والموارد والقدرة على اتخاذ القرار، مع تعزيز آليات الرقابة.

فلا معنى لنقل الاختصاصات إذا كانت النتيجة نقل الممارسات الفاسدة نفسها من المركز إلى الجهات والجماعات.

◆ التقارير الرقابية… حتى لا تتحول المحاسبة إلى مجرد أرشيف

يتوفر المغرب على مؤسسات رقابية وقضائية، وآليات قانونية للكشف عن اختلالات تدبير المال العام.

لكن السؤال لا يتعلق بعدد التقارير المنشورة، وإنما بما يترتب عنها من إجراءات.

فالمحاسبة لا تكتمل بمجرد الكشف عن تجاوزات، بل بتحديد المسؤوليات، وتصحيح الاختلالات، واتخاذ الإجراءات القانونية، واسترجاع الأموال متى ثبت قضائياً الاستيلاء عليها.

كما ينبغي حماية المبلغين، وتسهيل الوصول إلى المعلومات، ورقمنة الخدمات، وتقوية مراقبة الصفقات العمومية.

والتطهير الحقيقي ينبغي أن يكون مؤسساتياً وقانونياً، يحترم قرينة البراءة وضمانات العدالة، ولا يتحول إلى وسيلة للتشهير أو الانتقام.

◆ الاحتجاجات… بديل المواطن لما تعجز الإدارة عن سماعه

من حركة 20 فبراير وحراك الريف إلى الاحتجاجات المهنية والفئوية وتحركات جيل زد، ظل الشارع المغربي يطالب بالصحة والتعليم والشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وقد أكدت هذه المحطات أن الوطنية لا تتعارض مع المطالبة بالإصلاح، وأن الاحتجاج السلمي يمكن أن يكون تعبيراً عن الحرص على مستقبل الوطن.

غير أن الاستجابة لهذه المطالب لا ينبغي أن تبقى مرتبطة بضغط الشارع وحده، بل بقدرة المؤسسات على الاستباق والإنصات والمعالجة.

فالفساد لا يستهلك الأموال فقط، وإنما يستهلك الثقة، ويدفع المواطنين إلى الإحساس بأن حقوقهم لا تتحقق إلا بالاحتجاج.

◆ مغرب 2030… لا مشاريع كبرى بعقليات تدبيرية متآكلة

يستعد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، واستكمال أوراش كبرى في النقل والبنيات التحتية والاستثمار والخدمات.

وهي فرصة تاريخية لتسريع التنمية وتعزيز الإشعاع الدولي للمملكة، لكنها تفرض تحديات ضخمة في الحكامة والتمويل وجودة الإنجاز.

فالسرعة المطلوبة في تنفيذ المشاريع لا ينبغي أن تصبح مبرراً للتساهل مع الرقابة أو تضارب المصالح أو تمرير صفقات غير شفافة.

كما أن النجاح لا ينبغي اختزاله في جاهزية الملاعب والمطارات والفنادق، بل في تحسين حياة المواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

إن مغرب 2030 يحتاج إلى منشآت حديثة، لكنه يحتاج قبلها إلى مؤسسات حديثة، وإدارة نزيهة، ومسؤولين يحسنون تدبير الزمن والمال والثقة.

◆ التنقية أولاً… حتى لا تتعثر القافلة قبل الانطلاق

إن الحكومة المقبلة تجد أمامها أوراشاً كبرى وانتظارات متراكمة، وبرامج تتطلب السرعة والفعالية والانسجام.

لكن النجاح لن يتحقق بالميزانيات والوعود وحدها، ما لم تتوفر إرادة مؤسساتية حقيقية لإزالة العراقيل ومحاربة الممارسات التي تعيد إنتاج الفساد.

كما أن من أولويات المرحلة جرد المشاريع المتوقفة والمتعثرة، وخاصة التي أُطلقت بمبادرات ملكية أو وُقعت اتفاقياتها أمام الملك، وتحديد مصيرها وأسباب تعثرها والمسؤوليات المرتبطة بها، مع إعلان برامج واقعية لاستكمال ما يمكن استكماله.

فلا يمكن بناء مستقبل تنموي سليم فوق مشاريع مهجورة وميزانيات مهدورة والتزامات لم تُنفذ.

ولا يمكن مجاراة السرعة الملكية بإدارات بطيئة، ومؤسسات مترددة، ومسؤولين يقيسون نجاحهم بمدة بقائهم في المناصب بدل النتائج التي يحققونها.

إن أول تحديات الحكومة المقبلة ليس فقط إعداد برنامج قادر على الاستجابة لانتظارات المغاربة، بل توفير البيئة السياسية والإدارية والمؤسساتية النظيفة التي تسمح لهذا البرنامج بالوصول إلى أهدافه.

فالمغرب يمتلك طموحات كبرى، ويحتاج إلى أن تتكامل سرعة المبادرة الملكية مع نجاعة القرار الحكومي وفعالية التنفيذ الإداري والترابي.

فالطريق إلى مغرب 2030 لا يحتاج فقط إلى تعبيد المسالك وبناء الجسور… بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى تنقيتها ممن يغذّون الفساد، ويحرسون منافذه، ويعرقلون عبور الإصلاح.

وما أخطر أن يواصل المغرب وضع أحجار الأساس لمشاريع جديدة، بينما تظل أحجار مشاريع سابقة شاهدة على وعود لم تكتمل، وأحلام تنموية لم تتحقق!

الفساد ينخر المؤسسات ويعطّل أوراش التنمية
الفساد ينخر المؤسسات ويعطّل أوراش التنمية

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار