2026 أغسطس/أوت 2 - تم تعديله في [التاريخ]

هل أتاكم حديث غار جبيلات.. حين أخلّت الجزائر بروح اتفاقية 1972

هل تحولت التسوية التي أنهت نزاع الحدود إلى اتفاقية استفادت الجزائر من شقها الحدودي وتنصلت من بعدها الاقتصادي؟


اتفاقيات لا تُفهم ببنودها وحدها


*بقلم: بوشعيب حمراوي*

ليست الاتفاقيات الدولية مجرد نصوص قانونية جامدة، تُوقع في لحظة سياسية معينة ثم تُختزل قيمتها في عدد المواد والبنود التي تتضمنها. فكثير من الاتفاقيات الكبرى تولد  من رحم أزمات معقدة، وتقوم على توازن دقيق بين تنازلات متبادلة ومصالح سياسية واقتصادية وأمنية، بحيث لا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن السياق العام الذي أنتجها، ولا تقييم مدى احترامها بالاكتفاء بما نُفذ منها شكلياً دون النظر إلى الغايات التي قامت عليها.

ومن هذا المنطلق، تستحق اتفاقية ترسيم الحدود المغربية الجزائرية الموقعة سنة 1972 قراءة جديدة، لا بقصد تأجيج نزاع قديم، ولا رغبة في فتح جبهة أخرى بين بلدين وشعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والدم والقرابة، بل من أجل طرح أسئلة مشروعة حول طبيعة التسوية التي أفضت إليها، وحول ما إذا كانت الجزائر قد احترمت فعلاً التوازن السياسي والاقتصادي الذي جعل تلك التسوية ممكنة.

فالاتفاقية جرى تقديمها طويلاً باعتبارها وثيقة أنهت الخلاف الحدودي بين المغرب والجزائر، غير أن ظروف توقيعها، وما سبقها من نزاع، وما رافقها من رهانات اقتصادية، تجعل من الصعب النظر إليها باعتبارها مجرد عملية تقنية لرسم خط بين دولتين. لقد جاءت بعد سنوات من التوتر، وبعد حرب الرمال سنة 1963، وفي مناخ كان يستدعي البحث عن صيغة تنتقل بالعلاقة بين البلدين من منطق المواجهة إلى منطق التعاون، ومن استنزاف التاريخ إلى استثمار الجغرافيا.

من تندوف وبشار إلى توات والساورة... ماذا كرست اتفاقية 1972؟

تولت اتفاقية 15 يونيو 1972 تثبيت خط الحدود بين الدولتين بالاستناد إلى أوصاف جغرافية ونقط وخرائط مرفقة.   بما كرس بقاء مساحات واسعة من الصحراء الشرقية المغربية داخل التراب الجزائري الحالي، وفي مقدمتها تندوف، وبشار، والقنادسة، والعبادلة، وبني ونيف، وتبلبالة، وإقليم الساورة، ومجالات توات وكورارة وتيديكلت الممتدة في الجنوب الغربي الجزائري. وهي مناطق كلها اراضي مغربية. قبل أن تعيد فرنسا رسم المجال الحدودي وتضمها تدريجياً إلى مستعمرتها الجزائرية. كما تضمنت الاتفاقية الاستغلال المشترك للمنجم  الحديدي بغار جبيلات. 

وقد كان المغرب، قبل تسوية 1972، يركز بصورة خاصة على تندوف وبشار والمجالات الصحراوية المحيطة بهما، وهي المناطق التي كانت في صلب الخلاف الحدودي الذي ساهم في اندلاع حرب الرمال سنة 1963. 

ومن هنا، فإن الاتفاقية لم تكن، في نظري، مجرد تحديد تقني لمسار الحدود، بل شكلت قبولاً مغربياً مؤلماً بأمر واقع استعماري اقتطع أجزاء واسعة من امتداده الشرقي، مقابل أمل في تأسيس علاقة جديدة مع الجزائر تقوم على المصالحة والتعاون الاقتصادي، وفي مقدمتها الاستفادة المشتركة من ثروات غار جبيلات؛ ولذلك فإن تنصل الجزائر من هذا البعد التعاوني يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت قد احتفظت بالمكسب الحدودي الذي وفرته لها التسوية، ثم تخلت عن المقابل السياسي والاقتصادي الذي منحها معناها وتوازنها.

ما تحقق في الاتفاقية وما جرى تعطيله

 فالمنجم الذي يختزن مليارات الأطنان من خام الحديد لم يكن مجرد ثروة جزائرية مغربية مدفونة في منطقة صحراوية نائية، بل كان مشروعاً استراتيجياً وجزء من اتفاقية 1972، لا يمكن أن تتحقق جدواه القصوى إلا عبر منظومة للنقل والمعالجة والتسويق المشترك. وكانت الجغرافيا المغربية توفر له، من الناحية النظرية، ممراً أقرب نحو المحيط الأطلسي والأسواق الدولية.

لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحدود قد رُسمت واعتمدت، بل بما إذا كانت الفلسفة التي قامت عليها التسوية قد احترمت بدورها. وهل يجوز لطرف أن يتمسك بالشق الذي يخدم مصالحه السيادية، ثم يتصرف وكأن البعد الاقتصادي الذي رافق التسوية لم يكن جزءاً من التوازن الذي منحها مشروعيتها السياسية؟
إنني أطرح هذا السؤال بوصفي كاتب رأي، لا بصفتي جهة قضائية تصدر حكماً نهائياً. لكن الرأي لا يفقد مشروعيته لمجرد أن القانون لم يحسمه، كما أن إعادة قراءة الاتفاقيات لا تعني بالضرورة نقضها، بل قد تكون مدخلاً لفهم أعمق لما تحقق منها، وما جرى تعطيله، وما إذا كانت قد نُفذت بروح الشراكة أم بمنطق الانتقاء.

اتفاقية 1972... أكثر من خط مرسوم على الخريطة

يصعب فصل اتفاقية 1972 عن الظروف التي عاشتها المنطقة المغاربية خلال عقدها الأول بعد الاستقلال. فقد كان المغرب يواجه آثار اقتطاعات استعمارية فرنسية مست مجاله التاريخي، بينما كانت الجزائر الخارجة حديثاً من حرب تحرير طويلة تتمسك بالحدود الموروثة عن الاستعمار باعتبارها أساساً لبناء الدولة الجديدة. وبين المنظورين، نشأ خلاف سرعان ما تحول إلى مواجهة عسكرية، ثم إلى قطيعة سياسية واحتقان ظل يهدد استقرار المنطقة.

ولذلك، لم تكن التسوية التي تم التوصل إليها مجرد إجراء تقني لضبط الحدود، بل كانت في جوهرها محاولة لإغلاق ملف النزاع وفتح أفق جديد للعلاقات الثنائية. وكان منطق تلك المرحلة يقتضي ألا تكون التسوية تنازلاً مجانياً من طرف واحد، بل مدخلاً إلى تعاون يحقق مصالح مشتركة، ويحول المناطق الحدودية من بؤر نزاع إلى فضاءات للاستثمار والتنمية.

في هذا السياق، برز مشروع غار جبيلات باعتباره أحد أهم المفاتيح الاقتصادية الممكنة لبناء ذلك التعاون. فالمنجم يقع في أقصى الجنوب الغربي للجزائر المرسومة من طرف الفرنسيين، بعيداً عن موانئها الشمالية، في حين كانت الأراضي المغربية والواجهة الأطلسية توفران، بحسب المنطق الجغرافي، مساراً أقرب وأقل تعقيداً لنقل الخام وتصديره.

ومن وجهة نظري، لم يكن الرهان الاقتصادي منفصلاً عن التسوية السياسية، بل كان أحد العناصر التي منحتها معناها. فالمغرب، الذي قبل بإغلاق ملف حدودي كان يثير حساسية تاريخية كبيرة داخل الرأي العام الوطني، كان ينتظر أن تدخل العلاقات مع الجزائر مرحلة جديدة عنوانها التعاون، لا أن تتحول الاتفاقية إلى وثيقة يُستحضر منها ما يفيد طرفاً واحداً، بينما تُهمل البنود التي كان يفترض أن تُنتج شراكة متوازنة.

إن قوة أي اتفاق لا تكمن فقط في توقيعه أو إيداعه أو الاحتجاج بنصوصه، بل في قدرة أطرافه على احترام الغاية التي من أجلها أُبرم. فإذا كانت الغاية هي إنهاء النزاع وبناء الثقة والتعاون، فإن تحويل الاتفاق إلى أداة لإغلاق ملف الحدود فقط، دون الوفاء بالبعد الاقتصادي والسياسي الذي رافقه، يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت التسوية قد تحققت كاملة أم جرى تنفيذ الجزء الأكثر فائدة لطرف واحد. وطبعا هذا يحيلنا على إمكانية اللجوء إلى الأمم المتحدة من أجل المطالبة بإلغاء الاتفاقية كاملة باعتبار أنه لم يتم الوفاء ببعض بنودها.

منجم غار جبيلات .. ثروة ضخمة أسيرة الجغرافيا والسياسة

   غار جبيلات يقع بالقرب من تندوف، ويضم احتياطياً يقدر بنحو 3.5 مليارات طن من خام الحديد، ما يجعله من بين أكبر الاحتياطات المعروفة عالمياً. غير أن ضخامة الاحتياطي لا تكفي وحدها لصناعة مشروع مربح، لأن قيمة المنجم لا تقاس فقط بما يحتويه تحت الأرض، بل بما يتطلبه استخراج الخام ومعالجته ونقله وتسويقه. 

وتكمن الصعوبة الأساسية في موقع المنجم البعيد عن الموانئ الجزائرية، وفي طبيعة الخام الذي يحتوي على نسبة من الفوسفور تفرض معالجة تقنية إضافية قبل إدماجه في الصناعة الحديدية. وهذا يعني أن المشروع يحتاج إلى استثمارات هائلة في وحدات المعالجة والطاقة والماء والسكك الحديدية والبنية اللوجستية، فضلاً عن كلفة التشغيل والصيانة عبر مناطق صحراوية شاسعة وقاسية.

من هنا، كان الخيار المغربي يطرح نفسه تاريخياً باعتباره حلاً جغرافياً طبيعياً. فالممر نحو المحيط الأطلسي أقرب من المسار المتجه إلى الشمال الجزائري، كما أن الوصول إلى الموانئ المغربية كان يمكن أن يقلص زمن النقل وكلفته، ويمنح المشروع قدرة تنافسية أكبر في الأسواق الدولية.

غير أن الجزائر اختارت خلال السنوات الأخيرة مساراً مختلفاً، يقوم على استغلال المنجم بصورة منفردة، وإشراك مؤسسات وطنية وشركاء أجانب، ولا سيما صينيين، وإنجاز خط حديدي طويل يربط غار جبيلات ببشار ثم ببقية الشبكة الجزائرية. ومن الناحية السيادية، من حق الجزائر أن تختار شركاءها ومساراتها، لكن هذا الحق لا يمنع من مناقشة الجدوى الاقتصادية والسياسية للقرار، ولا من التساؤل عن سبب استبعاد أقصر منفذ محتمل فقط لأنه يمر عبر المغرب صاحب الحق الشرعي والقانوني في الاستغلال المشترك.

في تقديري، لا يمكن تفسير هذا الخيار بالحساب الاقتصادي وحده. فحين تختار دولة إنفاق مبالغ ضخمة على خط سكة حديدية طويل، وعلى تجهيزات معقدة، وعلى منظومة نقل جديدة بالكامل، بينما كان التعاون الإقليمي يوفر بديلاً أقل كلفة من حيث المبدأ، فإن السياسة تكون قد تدخلت لتوجيه الاقتصاد.

وهنا يتحول غار جبيلات من مشروع معدني إلى مرآت تعكس طبيعة القرار الجزائري المجحف ضد المغرب. فبدلاً من التعامل مع الجغرافيا باعتبارها فرصة للتكامل، جرى النظر إليها كقيد ينبغي الالتفاف عليه مهما ارتفعت الكلفة، وكأن تجنب التعاون مع المغرب أصبح في حد ذاته هدفاً استراتيجياً يبرر إنفاق المليارات.

القطيعة تدفع فاتورة الاقتصاد

لا يمكن تقييم مشروع منجم غار جبيلات من خلال الإعلان عن بدء الاستغلال، أو نقل أولى الكميات من الخام فقط. لأن الاختبار الحقيقي يكمن في المردودية والاستمرارية والقدرة على المنافسة. فسوق الحديد العالمي تهيمن عليه دول وشركات تمتلك مناجم ضخمة، وخامات عالية الجودة، وبنيات نقل متطورة، وموانئ قريبة من مواقع الإنتاج. وكل كلفة إضافية في المعالجة أو النقل أو الشحن قد تقلص هامش الربح وتضعف القدرة التنافسية.

وإذا كانت الجزائر تراهن على غار جبيلات لتقليص وارداتها من خام الحديد، ودعم صناعة الصلب، وتنويع اقتصادها، وخلق فرص شغل في مناطقها الجنوبية وفق الحدود الآنية. فإن هذه أهداف مشروعة ومهمة. غير أن تحقيقها لا يلغي السؤال المتعلق بالكلفة التي كان يمكن تخفيضها لو جرى اعتماد منطق التعاون بدل منطق القطيعة.

فالاستثمار في السكك الحديدية قد يساهم في تنمية مناطق واسعة ويفتح آفاقاً اقتصادية داخلية، لكنه يظل استثماراً ضخماً يرتبط نجاحه بحجم الإنتاج المنتظر، وجودة الخام بعد المعالجة، واستقرار الطلب، وأسعار الحديد عالمياً. وإذا ارتفعت كلفة الطن بسبب طول مسافة النقل وتعقيد المعالجة، فإن المشروع قد يؤدي دوراً استراتيجياً داخلياً دون أن يتحول بالضرورة إلى مصدر تصدير شديد التنافسية.

المفارقة أن المشروع الذي كان يمكن أن يصبح نموذجاً للتعاون المغاربي، ويوفر مصالح اقتصادية للبلدين، أصبح عنواناً على استعداد الجزائر لتحمل كلفة أعلى من أجل تفادي أي اعتماد متبادل مع المغرب. وهنا يبدو أن القطيعة لا تُدار فقط بالخطابات والقرارات الدبلوماسية، بل تُترجم أيضاً إلى طرق وسكك ومشاريع تُبنى في اتجاه معاكس لما تفرضه الجغرافيا.

ولذلك فإن الحكم النهائي على  مشروع غار جبيلات لن تصدره بل التصريحات الرسمية، ستصدره الأرقام : حجم الإنتاج الفعلي، وكلفة المعالجة، وثمن النقل، وقدرة الحديد الجزائري على المنافسة، والعائد الحقيقي على الاستثمارات المنجزة. وعندها فقط سيظهر ما إذا كانت الجزائر قد بنت مشروعاً اقتصادياً ناجحاً، أم دفعت فاتورة سياسية مرتفعة لتجنب شراكة كان يمكن أن تحقق لها وللمغرب أرباحاً مشتركة.

هل وقع إخلال بروح الاتفاقية؟

ينص القانون الدولي على وجوب تنفيذ المعاهدات بحسن نية، وهو المبدأ الذي تجسده المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، والمعروف بقاعدة «العقد شريعة المتعاقدين»..

 المسألة التي أطرحها هنا لا تنحصر في إثبات خرق قانوني مباشر بقدر ما تتعلق بتقييم التوازن السياسي الذي قامت عليه التسوية. فإذا كانت اتفاقية 1972 قد جاءت في إطار تفاهم أشمل يرمي إلى إنهاء النزاع وفتح باب التعاون، فإن استبعاد المغرب كلياً من مشروع كان يفترض أن يجسد ذلك التعاون يثير تساؤلاً مشروعاً حول حسن تنفيذ روح الاتفاق.

هناك يمكن القول إن الاتفاقية سقطت، وهو حكم  لا يحتاج إلى أساس قانوني وإلى مساطر وجهات مختصة. فالوقائع الجديدة تبرر إعادة دراستها سياسياً وقانونياً وتاريخياً. فمن حق المغرب أن يعيد فحص الوثائق والتفاهمات والسياقات التي أحاطت باتفاقية 1972.

وقد يجادل البعض بأن استغلال الجزائر للمنجم شأن سيادي منفصل عن ترسيم الحدود. غير أن هذا الفصل الصارم بين المجالين يتجاهل، في رأيي، طبيعة التسويات الكبرى التي لا تُبنى دائماً على وثيقة واحدة أو بند صريح وحيد، بل على حزمة من التفاهمات والمصالح والضمانات السياسية. ولذلك فإن الوقوف عند النص المجرد، وإهمال السياق والغاية، قد يؤدي إلى قراءة قانونية ضيقة لا تفسر الخلفية الحقيقية للاتفاق.

إن الجزائر تتمسك باتفاقية 1972 باعتبارها مرجعاً نهائياً للحدود، ومن حقها أن تفعل ذلك. لكن من حق المغرب أيضاً أن يتساءل عما إذا كانت التسوية التي قبل بها قد نُفذت في مجموعها، أم أن الطرف الجزائري استثمر مكسبها الحدودي ثم أغلق الباب أمام الشراكة الاقتصادية التي كان يفترض أن تحول التسوية إلى مشروع سلام وتنمية.

إعادة القراءة ليست دعوة إلى الحرب

إن طرح هذه الأسئلة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تحريضاً على الصراع أو دعوة إلى إعادة المنطقة إلى أجواء المواجهة. فالشعبان المغربي والجزائري دفعا ما يكفي من ثمن القطيعة، وضاعت عليهما فرص اقتصادية وتنموية واستراتيجية هائلة بسبب نزاع لم يعد يخدم سوى استمرار التوتر وإضعاف المنطقة المغاربية.

لكن الدعوة إلى التهدئة لا تعني دفن الأسئلة، كما أن الحرص على الأخوة لا يفرض الصمت عن الاختلالات. فالعلاقات السليمة بين الدول لا تبنى على تجاهل المصالح، بل على الاعتراف بها والتفاوض بشأنها في إطار من الوضوح والندية وحسن النية.

وإعادة قراءة اتفاقية 1972 لا تعني بالضرورة المطالبة بإلغائها، بل قد تعني أولاً فهمها في سياقها الصحيح، والتمييز بين ما تحقق منها وما تعطل، وتحديد المسؤولية السياسية عن ضياع فرصة كان يمكن أن تغير وجه المغرب الكبير كله. 
 
لقد كان بوسع غار جبيلات أن يشكل نواة لمشروع صناعي ولوجستي ضخم، يربط مناجم الجزائر بموانئ المغرب، ويخلق مناطق اقتصادية مشتركة، ويوفر آلاف الوظائف. ويمنح البلدين وزناً أكبر في سوق الحديد العالمية. لكنه تحول، بفعل الحسابات السياسية، إلى مشروع منفرد يحمل فوق عرباته الحديدية كل ثقل القطيعة بين البلدين.
 
غار جبيلات .. منجم يكشف ما أخفته الاتفاقية
 
بعد أكثر من نصف قرن على اتفاقية 1972، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الحدود قد رُسمت، لأن ذلك واقع قائم، بل ما إذا كانت التسوية قد حققت الهدف الأوسع الذي بررها: إنهاء الخصومة وبناء التعاون وتبادل المنافع.

لقد استفادت الجزائر من الشق الحدودي الذي منحها استقراراً قانونياً وسياسياً، لكنها، لكنها لم تمنح البعد الاقتصادي للتسوية ما يستحقه من التفعيل. وعندما اختارت استغلال المنجم بصورة منفردة، وبناء مسار طويل ومكلف نحو الشمال، فإنها لم تتخذ قراراً معدنياً فقط، بل أعلنت عملياً أن منطق القطيعة أهم لديها من منطق التكامل، ولو كان الثمن مليارات تُنفق وفرصاً تضيع. 

   قد تنجح الجزائر في تحويل المنجم إلى رافعة لصناعة الحديد والصلب داخلها، وقد تتمكن من تجاوز التعقيدات التقنية واللوجستية، لكن ذلك لن يمحو السؤال التاريخي والسياسي: لماذا أُهدرت فرصة التعاون مع المغرب؟ ولماذا تحول المشروع الذي كان يمكن أن يوحد مصالح البلدين إلى أداة أخرى لتكريس الانفصال بينهما؟

إن إعادة دراسة اتفاقية 1972 ليست نزعة إلى الماضي، بل محاولة لفهم الحاضر. وهي ليست دعوة إلى نسف الحدود أو إشعال المواجهة، بل دعوة إلى مساءلة اتفاقية يبدو، من وجهة نظري، أن الجزائر تمسكت بما كسبته منها، بينما تخلت عن الروح التي كان يفترض أن تجعل منها بداية مصالحة حقيقية لا مجرد نهاية مؤقتة لنزاع مسلح.

وسيظل غار جبيلات شاهدا على مفارقة مغاربية مؤلمة: ثروة هائلة كان يمكن أن تكون جسراً بين شعبين، فتحولت إلى خط حديدي طويل يسير بعيداً عن أقصر طريق، لأن السياسة قررت أن تعاند الجغرافيا.

وقد يثبت الزمن أن أكبر خسارة لم تكن في كلفة السكة، ولا في صعوبة المعالجة، ولا في ثمن نقل كل طن من الحديد، بل في ضياع فرصة تاريخية لبناء تعاون مغربي جزائري كان يمكن أن يغير مستقبل المنطقة بأكملها. 

ثروة هائلة كان يمكن أن تكون جسراً بين شعبين، فتحولت إلى خط حديدي طويل يسير بعيداً عن أقصر طريق، لأن السياسة قررت أن تعاند الجغرافيا.

وقد يثبت الزمن أن أكبر خسارة لم تكن في كلفة السكة، ولا في صعوبة المعالجة، ولا في ثمن نقل كل طن من الحديد، بل في ضياع فرصة تاريخية لبناء تعاون مغربي جزائري كان يمكن أن يغير مستقبل المنطقة بأكملها.

فالجغرافيا قد تصبر طويلاً على عناد السياسة، لكنها لا تتوقف عن تذكير الجميع بأن أقصر الطرق إلى التنمية يمر عبر التعاون، وأن الاتفاقيات التي تُنفذ بروح الانتقاء تظل، مهما طال الزمن، قابلة للمساءلة وإعادة القراءة.




في نفس الركن